هل يمكن للحكومة أن تشتغل بدون برلمان؟ تحصيل حاصل

حرر بتاريخ من طرف

إذا كنت برلمانيا  و مسكونا بهم المساهمة في التشريع من أجل التنمية  و المجتمع فقد تصاب بالإحباط و قد  تكتشف أن العمل خارج المؤسسة التشريعية أهم  و اجدى.  الأمر لا يتعلق إلا بقلة من البرلمانيين المنتمين إلى كافة الأحزاب و التي تحمل توجهات قد تتلاقى في الجوهر  و تختلف على القشور. نعيش حاليا نوعا من  البؤس في مجال التشريع  و في مراقبة الحكومة.

البرلمان بكل مكوناته يعيش عزلة عن الدخول المدرسي  و الجامعي بالإضافة إلى تغييبه عن مناقشة قضايا ” طلبة أوكرانيا ” و سياسة تأطير السياسة التعليمية و القضايا المتعلقة بالأسعار  و التضخم  و التشغيل و قضايا الثقافة  و اللغات الرسمية و للبلاد وما يتعلق بالعلاقات الخارجية.  بلاغات أحزاب المعارضة تقول أنها طالبت بعقد اجتماعات اللجان الموضوعاتية و طلبت عقد دورة

استثنائية  حول الوضع الإقتصادي  و المالي  و لم  تتفاعل الحكومة  و رئاسة مجلس النواب مع طلباتها الكثيرة  و المتنوعة.

المشكل  في عدم التفاعل مع أحزاب المعارضة  خطير جدا ما دامت هذه الأحزاب  و النقابات الأربع المؤثرة هي كل ما تبقى في مجال الوساطة السياسية  و الإجتماعية.  المشكل الأكبر هو أن الحزب الوحيد في الأغلبية الذي له آليات  وساطة  و رأسمال  وطني و تاريخي  هو حزب الاستقلال.  ولن تحتمل التوازنات السياسية داخل هذا الحزب ثقل تحالف لا يمكنه من الاستجابة لفءات  اجتماعية عريضة.

وللعلم  فغياب حزب الاستقلال عن الحكومة منذ سنوات مكنه من الرجوع بنوع من الحضور على الصعيد النقابي عبر ذراعه الذي تخلص من فريق شباط.  و لكن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يرجع الميزان إلى  درجة أدنى.  الصراعات الداخلية لهذا الكائن التاريخي السياسي بين جنوب  و باقي  أو بعضها  الجهات خطير بكل المقاييس.  ال الرشيد قوة حقيقية لكن الزمن  السياسي  و بنية حزب تاريخي لن تقلب  الموازين.  و كل  تطاحن  داخلي لن يكون إلا  سببا في هز أركان  الأغلبية. و نفس  الأمر  ينطبق على من سمي  “بالوافد  الجديد المسمى  بالأصالة  و المعاصرة” و الذي لا يكاد ينهي خلافا  داخليا  حتى يفتح اخرا. و مثل ما حصل مع الياس العمري  و بنشماس  و من سبقهم  و هم أربعة،  سيستمر المسلسل  إلى أمد  مسمى. و نفس المسلسل قد يرمي  بالتجمع الوطني  للأحرار بعد أن كسر  النهج  الذي سطره  عصمان  الرئيس  المؤسس.  التقنوقراط  الجدد بهذا الحزب لا علاقة لهم بتقنوقراط الأمس  و الذين كانوا ملتزمين  بخط سياسي فيه نوع من الوفاء لثقافة تتمايل بين الوسط و شيء من اليسار المحتشم.

تم الدخول المدرسي اليوم  و يظل السؤال الذي يمكن طرحه بكل موضوعية هو: هل تم الدخول المدرسي فعلا؟ كل الإذاعات التي تابعت هذا الحدث التربوي  و التعليمي لاحظت غيابا كبيرا للأساتذة  و التلاميذ.  و من حضروا اقتصر حضورهم على تسجيل لائحة الدفاتر  و الكتب المدرسية التي يجب شراؤها من طرف الأسر قبل البدء في العملية التعليمية.  و بالمناسبة نشرت دراسة للمندوبية للتخطيط لتبين أن تكلفة التمدرس قد ارتفعت بنسبة 300% خلال العقدين الأخيرين.  و بالطبع هذا معدل لا يأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات الإجتماعية  و القطاعية.  و يذكرنا هذا المعطى بتمويل قطاع الصحة الذي تتحمل فيه الأسر أكثر من 50% حسب آخر إصدار لتقرير الإحصائيات الوطنية للصحية  و التي تقف معطياتها في سنة 2018.

الملاحظ العادي لعمل البرلمان يتساءل عن جدوى مؤسسة دستورية صورتها تهتز يوما بعد يوم لدى الرأي العام ان كان لدينا رأي عام.  صور تلفزيونية تفضح سكوت البعض  و انتفاض البعض  و نوم البعض و تألم البعض.  و هذا البعض الأخير هو الذي يعيش أزمة حقيقية لأنه اقترب كثيرا من شجرة الحقيقة. هذا البعض يحضر جلسات اللجان  و يسهر  و يخرج من الجلسات حاملا خيبة كبيرة بعد تمرير نص قانوني بقوة عددية لا يهمها سوى الامتثال للكبار المتواجدين في مركز القرار.  الأمر ليس مقتصرا على برلمانيي المعارضة.  هناك برلمانيون من الأغلبية يحملون هم تغيير الواقع.  يبتلعون لسانهم في بعض الفترات  و يضطرون، لسبب مرتبط بطبيعة شخصيتهم و تعودهم على التعبير، إلى قول ما يخالف قواعد لعب الأغلبية.  و الأمر يتعلق بالأساس ببعض برلمانيي الأصالة  و المعاصرة  و حزب الاستقلال  الذين يجدون كثيرا من الحرج في السكوت عن أزمة الأسعار  و تدهور قدرة الحكومة على الفعل.

النقاش داخل قبة البرلمان تنقصه الكثير من المعلومات عن بنية الأسعار  و خصوصا تلك المتعلقة بالطاقة.  أقر الدستور الحق في الولوج إلى المعلومة للمواطنين في إطار  القانون.  و يظهر أن الولوج إلى المعلومة عصي حتى على البرلمانيين.  المشكل يهم المواد الغذائية  و الأدوية  و المستلزمات الطبية  و الطاقة و الخدمات الطبية  و يتطلب تغييرا جذريا لوسائل الحصول على المعلومة.  المستفيدون الكبار لا زالوا يعتبرون التعرف على بنية الأسعار خطرا كبيرا، بالطبع على مصالحهم.  من حق البرلمان أن يشرع  و أن يستند تشريعه إلى معطيات دقيقة  و موضوعية حول الفوارق الإجتماعية و المجالية  و إيجاد الجواب الواضح حول هوية المستفيدين.

قوة البرلمان في التشريع  و في مراقبة الحكومة،  و هذه بديهية لكل مبتدأ في دراسة القانون الدستوري. و لكن الشكل سيطر على المضمون. و الحكومة تشتغل  و لا تتكلم  و لا تريد أن تتكلم لأنها، حسب رئيسها تسعى إلى الحصول على النتائج.  و لهذا فضل الرئيس اخنوش التلفزيون بدل البرلمان.  الكلام السياسي المؤثر هو ذلك الخطاب المباشر عبر التلفاز.  البرلمان فيه أصوات  مزعجة  و لذلك تم التراجع عن الجلسات الشهرية  و اكد رئيس البرلمان على أن حضور اخنوش  له شروط  ” الخزيرات ” . السياسة العامة و قضاياها هي التي يمكن أن يأتي من أجلها  سيادة الرئيس إلى  البرلمان.

الأمر خطير  أيتها الأغلبية العددية  و استثني من الخلط حزب الاستقلال لسبب تاريخي  و لهذا يزداد اللوم المواطناتي على حزب هو من سيخسر في تحالف هجين.  و بسبب هذا التحالف العددي يختفي دور البرلماني  و مقترحاته و يغلق في وجهه باب الاجتهاد. لم يعد بإمكان البرلمان أن يساهم في البناء التشريعي بشكل صحيح.  الدستور يعطي  للحكومة الأولوية في فرض جدول اعمال الحكومة على أعمال البرلمان.  و لهذا  و جب  الانتظار كثيرا لكي تصل قضايا تهم العدالة الضريبية  و قضايا التعليم و الصحة  و محاربة اقتصاد الريع  إلى البرلمان.

المشكل أكبر من تكتيك سياسي. لكن الأمر ذو طابع إستراتيجي و يتعلق بالنموذج التنموي الجديد  و بكثير من القضايا  الاستراتيجية  التي لا تعترف بتفاهمات حزبية حول المسألة التشريعية.  دستور المملكة يحتاج إلى ذكاء سياسي كبير يتجاوز الأغلبية العددية.  المجتمع المدني فتحت له الأبواب لفرض مبادرة تشريعية  في إطار الديمقراطية  التشاركية الذي يمكن أن تكون، خلال السنوات المقبلة، أكثر مشروعية من  الأغلبية العددية.  الاسماع  و العيون يجب أن  تفتح لكي تصبح عملية التشريع مسارا وطنيا بهدف إلى خدمة المواطن  و الوطن. أما القوانين التي تفتح أبواب الاغتناء لفئة قليلة  على حساب مصالح  الوطن، فليست سوى مكونا من قنبلة موجهة إلى الوطن. المهم أن تشتغل كل المؤسسات  بروح  الوطن. التشريع ليست مهمة التقنوقراط،  إنه قضية متعلقة بمصالح المواطنين  و بالسلم  و التوازن الاجتماعيين.  كل قانون يكون اثره زيادة ثروات اقلية  فهو غير ديمقراطي و لا يهم من صوتوا عليه مصلحة  الأغلبية من المواطنين.

بعد شهر  و أيام معدودات ستضع الحكومة مشروع قانون المالية لسنة  2023 . سوف نرى علاقة هذا المشروع بالوضع الإقتصادي و  الإجتماعي  بالمغرب  و بالبرنامج الحكومي  و بالبرنامج المتعلق بالثلاث سنوات المقبلة. و الأهم من كل هذا علاقته بما جاء من توصيات في تقرير لجنة النموذج التنموي الجديد.  سيكون على الحكومة أن  تلتزم بكل ما سبق  و أن يكون البرلمان له صوت مسموع  و مقبول بحكم الدستور  و بحكم القانون التنظيمي للمالية الذي يجب تعديله ليس فقط في الجانب المتعلق بحجم الديون المرخص بها سنويا  ،  لكن أيضا في اضفاء  الكثير من الشفافية على المشهد المالي العمومي.  و سيأتي الوقت للتوسع أكثر في هذا الموضوع.  و الأهم هو الوطن.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة