جمال المحافظ يكتب: الصحافة الحزبية صمود وسط أعاصير التحول والزمن الرقمي  

حرر بتاريخ من طرف

 
د. جمال المحافظ  
 
تميزت الصحافة المكتوبة المغربية تاريخيا بالسمة السياسية، وظل استمرار اصدار الصحف رهينا بتموجات الواقع السياسي، الذي أفرز تقليدا تمثل في الترابط الحتمي بين مصير الجريدة ومآل الحزب السياسي الناطقة باسمه، وهو ما جعل حياة هذه الصحف رهينة بملابسات الحياة السياسية والحزبية.

وعلى خلاف البلدان الغربية، التي اهتدت الى إلغاء الصحف الحزبية منذ عقود من الزمن، فإن غالبية الهيئات السياسية المغربية ظلت محتفظة بمنابرها التي شكلت في الماضي عناوين كبيرة لتاريخ الصحافة بالمغرب. 

وفي ظل هكذا واقع، أصبحت دراسة تاريخ أي حزب مغربي، يتطلب من الباحث أساسا دراسة مسار صحافته، بفعل العلاقة التاريخية والعضوية السائدة بين الحزب والجريدة، وهو ما أفرز جدلية غاية في الاحكام بين الطابعين الصحفي والسياسي، كما جاء في كتاب ” مجمل تاريخ المغرب ” للمفكر عبد الله العروي، وارتبطت بذلك الصحافة المغربية في مجملها بالفضاء السياسي من جهة، وبالعمل الحزبي من جهة ثانية، وظلت بذلك وظيفة هذه الصحف محكومة بدرجة أولى بمنطق الصراع السياسي بين النخب، وبهيمنة حزبية تكاد تكون على الصحافة.  

وكانت الأولوية تعطى منذ الحصول على الاستقلال الى غاية أواسط التسعينات من القرن الماضي، للعلاقة بين الحزب وأعضاءه على حساب  العلاقة بين الصحيفة والقراء، صحافة تخاطب المناضلين، وتنقل لهم تعليمات الحزب، وفق تصور هذا الاخير لحاجياتهم الاعلامية، بدلا من صحيفة موجهة للجمهور الواسع.

فمعظم الجرائد بالمغرب هي إما تابعة للأحزاب أو لحساسيات سياسية أو اقتصادية ومالية، مما جعل الصحافة رهينة لتسيس مبالغ فيه، وخضع تعامل الصحف مع الأحداث بالدرجة الأولى للتوجهات السياسية للحزب الناطقة باسمه، وهذا ما يفسر في غالب الأحيان تباين وجهات النظر والتأويلات التي يتعرض لها الحدث الواحد، وطهور بعض التوتر داخل المنشأة الصحفية بين الفاعل الحزبي والفاعل الصحفي، رغم ظهور جرائد ومجلات حاولت ان تنأى بنفسها عن التبعية للأحزاب. 
 
مستقبل الصحافة الحزبية يتطلب مقاربة شمولية
 
وإذا كان ارتباط الجريدة بالحزب يحد من حريتها نسبيا وحرية صحافييها لدفعها لتكييف خطها التحريري مع توجهات الحزب وعقيدته، إلا أن الحديث عن الصحف المملوكة لأحزاب سياسية أو عن مستقبلها، لا يمكن أن يكون موضوعيا ورصينا من دون استحضار السياق السياسي والمهني والتاريخي للمغرب، وبالتالي تحليل الموضوع ضمن مقاربة شمولية بلا خلفيات مسبقة أو أحكام جاهزة، أو أطروحات ماضوية باتت اليوم عقيمة “، كما يرى محتات الرقاص مدير نشر جريدتي ” بيان اليوم” باللغة العربية والبيان” باللغة الفرنسية التابعتين لحزب التقدم والاشتراكية المعارض، واللتان يعود تاريخ صدورهما إلى عام 1972.

وفي تصريح للشرق الأوسط أوضح محتات وهو عضو المكتب التنفيذي للفيدرالية المغربية لناشري ( أرباب ) الصحف من جهة ثانية، أن مقاربة هذا الموضوع بالنسبة للحالة المغربية ” ليست نفسها في جغرافيات إعلامية وسياسية عربية أخرى” معربا عن اعتقاده بأن “عدد من المتكلمين في هذا الموضوع ببلادنا، لم يطلعوا على صحيفة حزبية منذ الثمانينات من القرن الماضي، وبالتالي مقاربتهم للموضوع تبقى منجرة لذات الأدوات التحليلية السابقة، ومعتقلة في قوالب الزمن السياسي الذي مضى” .

وفي هذا السياق ذكر بأن عددا من صحف الأحزاب التي لا تزال صامدة في الساحة الى حدود اليوم، وضمنها “البيان” و”بيان اليوم” ، شهدت تحولات كثيرة، في الأشكال وفِي المضامين” مشددا على ضرورة استحضار كل هذه التحولات الهيكلية والأساسية في سياق التحليل”. وأردف قائلا  ” نحن نعمل اليوم ضمن مقاولة صحفية تصدر صحفا مكتوبة أو الكترونية، ولم يعد الأمر يتعلق بنشرات حزبية تنجز داخل المقرات الحزبية من طرف مناضلين متطوعين، والمقاولة اليوم تدار ضمن شروط أي شركة خاصة، وتواجه ذات الإكراهات، وتعمل بنفس أدوات القطاع الخاص، وتعرض منتوجها للسوق تماما كما يفعل كل المقاولين”.

إلا أن هذه الصحف العريقة مطالبة في ذات الوقت بالاستمرار والتطور من داخل نموذج اقتصادي ومقاولاتي حديث وعصري خاصة وأن العمل المهني اليومي، لا يظهر أن هناك أي فرق بين صحف، يمكن ان تسميتها سياسية، وأخرى خصوصية، بحكم ملكيتها، ذلك أننا جميعا نبحث عن الأخبار ونعالجها ونعرضها للجمهور في التزام وتقيد بقواعد المهنة وأخلاقياتها ” فضلا عن أن الصحفيين ” هم أنفسهم وليس هناك صحفيين للصحف الحزبية واخرين للصحف الخاصة” علاوة على أن علاقة الحزب السياسي نفسه بصحيفته لم تعد كما كانت من قبل، وإنما صارت تدبر ضمن آليات التعاقد وأحكام قوانين الشركات يوضح مدير نشر جريدتي “البيان” و”بيان اليوم”  الذي أضاف أن ما يقتضيه قانون الصحافة من شروط تسري على كل المهنيين والمؤسسات الإعلامية بدون استثناء.

غير أنه استدرك بالقول أنه ” قد تكون الصحف السياسية ملتزمة بثوابت سياسية وفكرية محددة، ولا تتناقض معها، ولكن ذلك يمكن ادراجه ضمن مقتضيات خطها التحريري، وهو ما يفترض مبدئيا أنه يميز كل صحيفة بغض النظر عن مالكها أو الجهة الناشرة لها “، في الوقت الذي كشف أن صحفا خاصة بدورها تتقيد ب ” خطوط حمراء ” لا تتجاوزها، سواء في العلاقة مع المواضيع أو الأشخاص أو تجاه الممولين والمستشهرين والسلطات السياسية” متسائلا في هذا السياق ” في هذه الحالة ألا يمكن اعتبار هذه الصحف الخاصة جدا قد تحولت الى مطبوعات تنتصر لجهة سياسية أو سلطوية أو اقتصادية محددة؟ 

الصحافة الحزبية مطالبة بصياغة نموذج اقتصادي جديد
 
إن كافة الصحف المغربية توجد اليوم أمام تحدي استمرار وجودها، فهي مطالبة بصياغة نموذج اقتصادي جديد لتدبير منظومتها كلها، والتمييز هنا بين الصحف، بحسب الجهة الناشرة لها، يعتبر منهجية غير مجدية اطلاقا، حسب محتات الرقاص الذي عبر عن اعتقاده، بأن المغرب في حاجة ماسة إلى صحافة ممتلكة لوضوح موقفها السياسي، ولديها المصداقية التاريخية والسياسية والمهنية والأخلاقية اللازمة، وذلك لكون الصحف الحزبية التي تطورت وتغيرت كثيرا اليوم بإمكانها تجسيد  هذا النموذج لصحافة سياسية وطنية جادة ورصينة تواكب ديناميات الوطن وتنتصر لقضاياه الأساسية.
كما أن البلاد مدعوة بدورها للانفتاح أكثر ولتمتين تحولها وتأهيلها، ولكن في نفس الوقت مدعوة لبلورة مخطط استراتيجي كبير للنهوض بقطاع الصحافة المكتوبة والالكترونية بشكل عام وتنمية القراءة وسط الجمهور والشباب، وإسناد مقاولات القطاع لتعزيز استقرارها المادي والاقتصادي، ولتطوير  منتوجها المهني، ولتقوية دورها في المجتمع، وهذا هو تحدي المرحلة في مهنتنا اليوم بالمغرب يختتم تصريحه للشرق الأوسط. 

وإذا كانت الصحافة الحزبية لعبت أدوارا طلائعية في تحرير الوطن والمواطن، وكانت المعبر الأمين عن الحركة  الوطنية  التحررية المغربية، فإنها ساهمت في مرحلة الاستقلال في توطيد الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان ببلادنا بالرغم من مختلف اشكال التضييق والمحاكمات التي تعرضت لها يقول عبد الجبار الرشيدي الباحث في الإعلام والاتصال في تصريح مماثل للشرق الأوسط.
بيد أن الراشيدي وهو مسؤول الاعلام وعضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال الذي يصدر صحيفتي ” العلم” تأسست 1946 الوحيدة التي واصلت الصدور إلى حد الآن، و” لوبينيون” باللغة الفرنسية،  أن الصحافة الحزبية المغربية هي اليوم تقاوم من أجل البقاء في ظل المتغيرات المتسارعة المرتبطة بتكنولوجيا الاعلام والاتصال و التكيف مع متطلبات العصر الرقمي.

ويعتبر الراشيدي ان من بين مميزات الصحافة الحزبية أنها ” ظلت عصية على التطويع او الاختراق لما تمتلكه من حصانة سياسية وايديولوجية، في الوقت الذي أصبحت فيه  سلطة  المال  ولوبيات الاقتصاد اليوم تلعب دورا متصاعدا في صناعة الإعلام والرأي العام و امتلاك وسائل الإعلام”  وهذا يشكل – في نظره -خطرا على حرية الصحافة وعلى  الديمقراطية بشكل عام”.
 
الانتقال من نشرة حزبية إلى منبر مهني منفتح

غير أنه أكد في هذا الصدد على أن الصحافة الحزبية بالمغرب مطالبة بتطوير نفسها و اعادة صياغة علاقتها بالحزب والانفتاح أكثر على مختلف الحساسيات السياسية والثقافية وتعددية الرأي والتعبير وتبني خطا تحريريا  ينقلها من  نشرة حزبية إلى صحيفة  مهنية و منفتحة على مختلف تيارات المجتمع مع ضمان  التعبير عن  الخط السياسي للحزب في الحدود المعقولة  لكن بمهنية وحرفية  عالية.

وإذا كانت الصحف الحزبية المغربية كما هو شأن وسائل الاعلام الأخرى من صحافة مكتوبة خاصة والكترونية تحظى بدعم مالي سنوي من الدولة، مكنها على الأقل من المحافظة على الصدور، إلا أن هناك عاملا آخر يساهم في استمرارية هذه الصحف، يتمثل في ما توفره الهيئات السياسية من تغطية مادية ومعنوية، في وقت تشير المعطيات المتوفرة الى تراجع في منسوب الاقبال على الصحف الحزبية من جمهور القراء الذي أصلا لا يعير بصفة عامة كثير اهتمام للإعلام المكتوب، خلافا على ما كان عليه الشأن في القرن الماضي، قبل غزو العولمة وبعدها الثورة الرقمية التي أتت على الأخضر واليابس في عالم الصحافة والإعلام.

وهكذا فرض التطور التكنولوجي، على الجرائد الحزبية احداث نسخ الكترونية الى جانب صحافتها الورقية ، وهو الأمر الذي لم يقف حائلا دونما استمرار الأزمة التي تعرفها الصحافة الحزبية، ومعها الورقية والتي تعزى في جانب منها الى عجز الخطاب الحزبي السائد عن الاستجابة لحاجيات الجمهور خاصة الشباب، علاوة على المنافسة التي خلقتها في سنوات سابقة حيوية الصحف الخاصة بجرأتها في تناول المواضيع المطروحة، في الوقت الذي ظلت نظيرتها الحزبية على الرغم من المجهود الملحوظ لطواقمها الصحفية، رهينة توجهات الهيئات السياسية المتحدثة بلسانها، فضلا عن معوقات أخرى منها الذاتي والموضوعي منى تدنى نسب القراءة.

وتجدر الإشارة الى أن من بين الصحف الحزبية التي تصدر حاليا بالمغرب فضلا عن جريدة “العلم” التي تأسست منذ 75 سنة و” لوبينون ” عام 1964، و”بيان اليوم”، و”البيان”، هناك “الاتحاد الاشتراكي” و” ليبراسيون” الصادرتان عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، و”رسالة الأمة” لسان الاتحاد الدستوري و”الحركة” عن الحركة الشعبية و” المنعطف” التابعة لحزب جبهة القوى الديمقراطية، و” التراكتور” ( الجرار المستخدم في الزراعة) الجريدة التي يصدرها حزب الأصالة والمعاصرة.  

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة