تكناوي يكتب عن الزمن الكوروني وسيكولوجية المدرس

حرر بتاريخ من طرف

محمد تكناوي :

أظهرت جائحة كورونا أن الشأن التربوي والتكويني أضحى حاليا اختيار يحتاج الى الاحترافية التي بدورها تحتاج الى امكانيات تقنية وتواصلية و بنيوية ولوجيستيكية كبيرة، طبعا الى جانب خلق مسارات تربوية وتعليمية بديلة، ليس من الدولة فقط ولكن أيضا من الجماعات الترابية والمجتمع المدني ومن كل الفاعلين والمتدخلين في المجال التعليمي، والأكيد أنه لا يمكن تلمس هذا التغيير المطلوب ومطالبة هيئة التدريس بالانخراط فيه دون إخراج المدرس من هشاشة الوضعية وانسداد الافق الذي يعيش فيه فلابد من إعادة التفكير في طرق وسبل التدريس لما بعد زمن كورونا خاصة وان الجهات الوصية على قطاع التعليم تؤكد ان التعليم عن بعد أو التعليم الرقمي لن بعود خيار بديل او تكميلي بل سيصبح مندمج في المنظومة التربوية، تقتضي هذه المستجدات أيضا مراجعة طرق التأطير التربوي وطرق التعامل الاداري وطرق التسيير المؤسساتي ومنهج التسيير التربوي ومراجعة الاستهلاك المدرسي اليومي، و اعادة الاعتبار للفضاء المدرسي وطبيعة الميكنزمات والاليات القادرة على دمج الوظيفة المدرسية بشكل ملموس وحقيقي في قلب المتغيرات التي عرفها المجتمع المغربي خلال ازمة جائحة كورونا، واعادة التفكير بعمق في الروابط بين الرقمنة والتعليم، كلها حقائق تستدعي بل وفي اعتقادي تحتم مراجعة سيكولوجية المدرس هذا الكائن الذي يرتبط بالمدرسة منذ صغره الى غاية سن التقاعد وذلك بالتفكير في مقوماته وخصوصياته النفسية والاجتماعية والمعرفية والتربوية والادارية امور بدونها يستحيل التحدث عن مدرسة منفتحة فاعلة لما بعد زمن كورونا.

فكثيرا ما ننسى أو نتناسى ونحن في خضم الغوص في اعماق كينونة رجل التعليم في محاولات لسبر أغوار طباعه وطرق تفكيره ان هذا المدرس دخل المدرسة منذ ان كان عمره ست سنوات واحيانا قبل ذلك ليمكث فيها الى سن التقاعد بتعبير اخر انه تربى بين فضاءاتها وأحضانها طفلا ومراهقا وشابا وكهلا فتشبعت دواخله بممارسات وسلوكات ومعارف وعادات تجعله إلى حد بعيد يختلف عن غيره ممن غادروها في وقت مبكر.

ويعتبر عدد من المهتمين والدراسين لسيكولوجية المدرسين ان حب رجال التعليم للمدرسة كفضاء للاشتغال يتحول مع الزمن الى مجرد واجب يومي يغترف في سيرورته من الرتابة والمراقبة المملة، الادارية من طرف المديرين و المراقبة التربوية من طرف المفتشين والذين يتحول وجودهم الوظيفي بدورهم الى مجرد حراس يتناوبون داخل نظام زمني معين يومي ودوري لحراسة المدرس سواء عن قرب اوعن بعد؛ ليصير المدرس ايضا مخلوق مدرسي يعمل بدوره على حراسة من هم اصغر منه سنا وحجما فيتحول الاطار العام الى مجرد لعبة لملا الفراغات .

فعالم المدرس هي المدرسة كما سلف القول حيث قضى فيها معظم وقته وبين الاطفال ممن ظل دائما يحاول التقرب اليهم لإنجاح العملية الإيصالية التعليمية التعلمية رغم شساعة المسافة البيولوجية بينه وبينهم فاصبح يجد صعوبة في تملك القدرة على التفاهم مع الكبار فقد تعود على طرق ومناهج الحوار مع الصغار دخل عالمهم واصبح منهم فلهذا لا يجد مكانا وسط الكبار اي من هم في سنه فلهذا يكثر الخلاف ويصعب التفاهم خارج هذا الاطار.

و يذهب بعض الدراسين لسيكولوجية رجال التعليم أن المدرس هو انسان لا يعرف من الامكنة بعد المدرسة سوى النقابة والبيت والمقهى والحانة والمسجد كل حسب ظرفية شخصيته فضاءات يمارس فيها لازمته وهواجسه التي لا تبرح مطالبه الاساسية او ازمته الثلاثية المرتبطة بالزمن: ماضي – حاضر- مستقبل ( سلم. سكن . سلف.) فتحول الى كائن سلطوي رافض لكل شيء لأنه اصبح كائنا معلبا كالجذاذة النمطية لدرس من دروسه اليومية وكائن مبرمج كمذكرته اليومية يحكمه هاجس المراقبة والحرص والضبط .

بل أن الزمن الكوروني كلحظة استثنائية عمق الشعور لدى المدرس بتراجع هيمنة سلطته المعرفية وتضخم لديه الاحساس بالزوال مع ظهور جيل جديد من الاهداف والبرامج والمسارات تستجيب لمتطلبات التعليم الرقمي؛ من هنا نبدأ ندرك اي تعثر مدرسي محتمل او خلل مستقبلي في المنظومة التعليمية يعود الى المدرس صانع التربية والتعليم فبدونه لا يمكن تحقيق اي تطور تعليمي بمدرستنا مدرسة ما بعد زمن كورونا، ما يستلزم كما أسلفنا أعلاه الإسراع بإعادة النظر في مقوماته وخصوصياته النفسية والاجتماعية والمعرفية والتربوية والادارية، و إعادة لمهنة التعليم رمزيتها وسموها وقيمتها الاعتبارية داخل المجتمع.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة