“المقاطعة” بين التمرين الشعبي والنضال البديل

حرر بتاريخ من طرف

دخلت حملة مقاطعة بعض المواد الاستهلاكية لثلاث شركات بالمغرب ( ماء معدني لشركة سيدي علي المغربية – الحليب ومشتقاته لشركة سنطرال/ دانون الفرنسية – المحروقات لشركة افريقيا المغربية ) دخلت مرحلة جديدة بعد أكثر من 6 أسابيع على انطلاقها . وحسب المتتبعين والصحافة وتصريحات المسؤولين ، فإن المقاطعة أثرت بالفعل على مداخيل وعائدات الشركات المعنية ،مقابل انتعاش الشركات الأخرى المنافسة والتي لا تختلف أثمنة منتوجاتها وجودة خدماتها كثيرا عن الشركات التي تهمها المقاطعة . والمرحلة الجديدة بدأت تلوح مؤشراتها بعد صمود واستمرار المقاطعة ونجاح الترويج لها على مواقع التواصل الاجتماعي ، وأيضا بسبب التعاطي السلبي للحكومة مع الموضوع برمته ،وعدم قدرتها على التحكم في الأمر، من ضعف التواصل إلى غياب التدخل والمقاربة الكفيلة بتدبير الأزمة أو تجاوزها . ويكمن تجلي المرحلة الجديدة للمقاطعة في مستويين :

1- المستوى الأول هو الموقف والإجراءات المباشرة للشركات المعنية بعد التأثير السلبي على منتجاتها على المدى المتوسط والبعيد ،وتكييف مواقفها مع المقاطعة التي طالت ، وهنا يمكن الأخذ بنموذج شركة سنطرال /دانون الفرنسية التي بادرت مؤخرا بالاعتذار وطلب تفهم موقفها من الأثمنة ، مع طرح عرض خلال شهر رمضان – من دون الحديث عن خفض في الأثمنة- العرض الذي يسمح فقط بخفض الثمن مؤقتا مقابل اقتناء عدد أكبر من وحدات الحليب أو مشتقات “الياووغت” . لكنها بعد أسبوعين من العرض والاعتذار ، اتخذت منذ يومين موقفا هجوميا حسب تصريح مديرها العام ، وذلك بالتراجع على جمع الثلث ( 30 في المئة ) من كميات الحليب ، وهو ما يعني تضرر أكثر من 40000 فلاح لأن الشركة كانت تتعامل مع حوالي 120000 فلاح ، وتستحوذ على ثلثي إجمالي سوق ترويج الحليب ومشتقاته بالمغرب.

وقد كان التخلي عن جمع الحليب بمبرر وصول المخزون إلى حدوده القصوى ، كما لوح نفس المصدر ببداية التخلي على العاملين بعقود المياومة لأقل من 6 أشهر ، ملمحا ومشيرا ومنتقدا في نفس الآن بالوضعية السيئة التي سيعرفها النشاط الاستثماري بالمغرب في ظل المقاطعة وما شابهها …

الأكيد هنا أن التأثير سيهم جميع المكونات ، الشركة المنتجة والمشغلة ، والشغيلة والعمال ، والفلاحين المستفيدين من النشاط والإنتاج ، وسيكون بالتالي مؤثرا على الاقتصاد الوطني وعلى تنافسيته من حيث جذب المستثمرين ،وأيضا سيؤثر سلبا على الوضع الاجتماعي ، مع العلم أن الوضعية الاجتماعية بالبوادي تعرف أصلا هشاشة كبيرة ، وفرص الشغل نادرة وأغلبها موسمي .

وإذا اعتبرنا هذا المثال نموذجا على تداعيات المقاطعة سواء بالنسبة للشركات أو بالنسبة للوضع الاقتصادي والاجتماعي ، وبالتالي دخول المقاطعة مرحلة جديدة من صيرورتها تتطلب آليات ومقاربة جديدة ومحينة من قبل المتدخلين، وهنا لا بد من الوقوف عند ملاحظة مهمة ، وهي موقف كل الشركات ، سواء المعنية بالمقاطعة أو الغير معنية أي المستفيدة راهنا من هوامش الطلب ، وفي كل المواد ، فهي كلها لم تطرح إمكانية تخفيض الأثمنة أو تجويد الخدمات ، والأنكى هو أن الحكومة بنفسها كانت تدافع على هوامش الربح التي تعتبرها معقولة أو حتى هزيلة

– الرجوع إلى تصريحات الناطق الرسمي للحكومة حول أرباح شركات الحليب 4 سنتم /اللتر- .

ورغم أن في الموضوع برمته مفارقات من حيث المعطيات والمقاربة بين الحكومة ومكوناتها وأعضاءها وأعضاء الحزب المشترك الذي يجمع الوزراء والبرلمانيين،وذلك في إشارة إلى تناقض الحكومة السابقة والحالية مع معطيات لجنة المالية بالبرلمان حول أرباح المحروقات وتصريحات “بوانو” الذي يعد من الأطر المقررة داخل الحزب الذي يترأس الحكومة السابقة والحالية والتي حررت أسعار البنزين والكازوال نهاية سنة 2015 من دون رصد و وضع آليات قمينة بالتحكم في السوق وفي الأثمنة بعد ذلك …مع العلم أن المؤسسة الدستورية الموكول إليها ضبط أمر الاستهلاك وإرساء الحكامة الكفيلة بذلك ، هي مجلس المنافسة الذي لا زال مجمدا منذ سنة 2013 ، مما يفتح باب التساؤل حول مسؤولية الدولة ككل في هذا الشأن .

وكخلاصة لهذا الشق ، فإن استمرار المقاطعة بشكلها الحالي ،وتأخر الحكومة في تبني موقف سليم وحكيم من الأمر سيفتح باب المغامرة أو المقامرة بالعديد من المكتسبات – على قلتها وعلاتها – التي حققها المغرب اقتصاديا من حيث الاستثمار واستقطاب الرأسمال الوطني والأجنبي ، واجتماعيا بسبب تهديد السلم الاجتماعي الهش أصلا .

2- المستوى الثاني وهو إمكانيات تمدد المقاطعة وتعميمها أو سحبها على مواد ومجالات أخرى ،وذلك في إطار التماهي مع تمرين المقاطعة الحالي في حد ذاته أو كشكل من أشكال الاحتجاج أو النضال البديل، و هو التمرين الذي عرف تجاوبا كبيرا من طرف الفئات العمرية الشابة – الأقل من 40 سنة أكثر من 70 في المئة من المقاطعين – وهذه وضعية تشي بمعطيات وفرضيات كثيرة حول أسبابها وتمظهراتها الحالية والمستقبلية ، ومن الأسباب يمكن أن نذكر :

– الاحتقان الاجتماعي الذي يعرفه المغرب ، وضعف القدرة الشرائية للمواطنين ،واستنزاف الفئات الوسطى واتساع الفوارق الاجتماعية والإجهاز على الطبقة الوسطى التي تعد المحرك الأساس للاقتصاد الوطني وللنشاط السياسي والاجتماعي .

– تراجع الأحزاب والنقابات والتي من مهامها الأساسية مؤازرة المواطن والدفاع على حقوقه المادية والمدنية والرمزية أمام الباطرونا والمشغلين سواء في القطاع الخاص أو العام ،وأيضا باعتبارها آليات مدافعة على الحريات وعلى العدل الاجتماعي ، ثم كونها مبدئيا مؤسسات مؤطرة للمجتمع ووسيطة بين الدولة والمواطن .

– ضعف أو حتى فشل النموذج التنموي بالمغرب بعد الإخفاقات التي عرفتها عدة مشاريع بقطاعات مختلفة وبالعديد من المناطق ، وللتذكير نحيل على أحداث الريف وجرادة وزاكورة وغيرها…

– سحب المواطنين الثقة من المؤسسات التمثيلية نظرا لضعف الحكامة وسوء التدبير.

– ضعف وهلامية العرض السياسي الذي تقدمه الأحزاب ونقاباتها، وعدم الالتزام ببرامجها وسوء تدبيرها الداخلي وتراجع الديمقراطية الداخلية وهو ما يؤكده العزوف السياسي ، والعزوف على المشاركة في الانتخابات – 43 في المئة في البرلمان 2016- وضعف نسب انتساب وانخراط المواطنين في الأحزاب وفي النقابات التي تعد ضئيلة جدا – لا تتجاوز سقف 2 في المئة من مجموع الشغيلة بالنسبة للنقابات كلها – .

– التعامل والمقاربة الذي باشرت بها الشركات المعنية والحكومة حملة المقاطعة منذ انطلاقتها ، إذ بدت الحكومة مستهترة بالموضوع في البداية حد تعبير أحد أعضائها – وزير المالية – بنعت المقاطعين بالمداويخ ، تم تلت ذلك مرحلة الارتباك التي مازالت مستمرة ، في غياب قرارات سليمة ومسؤولة للتعاطي مع الأزمة التي باتت ظاهرة . كما أن الخطاب وبيداغوجيا التواصل خانت الحكومة والمعنيين بشأن تدبير المقاطعة ، عكس الداعين إليها والذين تفننوا في الترويج والاستقطاب .

– تأكيد فعالية ونجاعة وسائل الاتصال الحديثة ووسائط التواصل الاجتماعي في التعبئة والاستقطاب .

هذا ، مع العلم أن إمكانية تمدد أو اتساع نطاق المقاطعة تبقى واردة لتشمل مجالات أخرى أكثر حيوية وحساسية – خصوصا أمام الفراغ التأطيري أو تواريه أو غياب الإعلان عليه راهنا – مما قد يربك العديد من القطاعات ، والنموذج هو ما يتم حاليا من محاولات استقطاب للترويج والتعبئة لمقاطعة بعض الأنشطة الفنية كمهرجان موازين وغيره …

وختاما ، ورغم أن ظاهرة المقاطعة لا زالت لا تسمح بالتقييم الموضوعي والمحاصرة النظرية لكل عناصرها ومكانيزماتها ومكوناتها ، فذلك لا يلغي إبداء ملاحظات أساسية حولها ، ومنها :

– كونها جسدت بالفعل إمكانية النضال الشعبي وفق منهجيات جديدة تراعي السلمية والتعبير الحضاري بصرف النظر عن النتائج وعلى ما قد يحدث في المستقبل .

– أبرزت مجموعة من التناقضات التي يعرفها التدبير الحكومي والفريق الحكومي للشأن العام .

– أظهرت بعض عناصر الخلل الكامن في تدبير آليات وميكانيزمات السوق وتحرير الأسعار.

– برهنت مرة أخرى على تراجع أداء الأحزاب والنقابات والجمعيات المؤطرة للمستلهكين .

– فتحت المجال أمام إمكانيات التعبئة الشبه عفوية والغير مؤطرة نظريا والتي قد تطال مجالات أخرى أكثر حساسية من موضوعها الحالي

المختصر في عناصر ومواد استهلاكية لشركات ضمن أخرى تم انتقاؤها من بين شركات شبيهة و مواد أخرى معوضة، مما سهل أمر الاستقطاب والانضباط في الأجراة والتفعيل .

أحمد بومعيز

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة