محمد نجيب كومينة يكتب.. الريسوني وثقافته ومثقفوه

حرر بتاريخ من طرف

عندما توفي كارل ماركس لم يمش في جنازته إلا 11 فردا، لكن فكره بقي حاضرا في جميع أنحاء العالم إلى اليوم في ميادين الفلسفة والتاريخ والاقتصاد والسياسة والقانون وعلم الاجتماع وغير ذلك، وما يزال ذلك الفكر يخضع للدراسة من طرف المقتنعين به والمعارضين له، ولو مات الريسوني اليوم لكان الحضور في جنازته بالآلاف، لكن الخزعبلات التي كتبها ستنسى في اليوم الموالي وربما تمت الإشارة إليها بعد حين من طرف المؤرخين باعتبارها علامة بارزة من علامات النكوص واحتجاب العقل لفائدة تجار جعلوا من الدين سلعة مربحة في سوق رأسمالية متوحشة، وقدموا بتجارتهم تلك خدمة للقوى التي يزعمون، والزعم هو الكذب الذي ينكشف بسرعة كما تنكشف العورات في لحظة قضاء الحاجات، أنهم غرب وكفار ….

هذا مايقودنا إلى القول بأن ماورد في المقال التافه والتحريضي الذي نشره أحمد الريسوني بشأن المثقف يؤكد أن “الفقيه”، الذي يوصف بالمقاصدي زورا، ذو ثقافة محدودة وأحادية قائمة على العنعنة والتكرار والجدل التكفيري الذي ينزع إلى “تصفية” المختلف ومحو أثره ( أحيل هنا على حوار مشيل فوكو حول شخصية المجادل Le polémiste) وهي الثقافة التي تجعله يتيه دائما عندما يجد نفسه مضطرا لاستعمال كلمات ومصطلحات تم ابتداعها بحمولتها في نطاق وسياق لايدركهما حق الإدراك ويتورط في منطق الفتوى المغلقة الذي يستحضر النص مغلقا ومفصولا عن تاريخانيته ويلغي الواقع العيني بتطوراته وتفاعلاته التاريخية التي هدمت القبيلة البدائية وجعلت المدنية الحديثة بكل مكوناتها ، ذات الأصل الغربي، تزحف وتستوعب مادونها. والريسوني بجلبابه، ذي الأصل الغربي وليس النجدي أو الحجازي، مستوعب من أخمص الرجلين إلى أطول شعرة في رأسه، فهو يحصل على التعويضات القطرية اليوم كما كان يحصل على التعويضات السعودية بالأمس بالدولار الأمريكي ويعيش عيشة مرفهة ليس لها شبه بعيشة السلف وأبي هريرة والبخاري ومسلم ولا حتى بعيشة حسن البنا وسيد قطب.

ذلك أن حديثه عن المقفين ينطوي على سوء فهم يصل إلى حد الجهل المركب ومن شأنه أن يقود القارئ غير المكتسب لمناعة المعرفة إلى الخلط. فمفهوم المثقفين كفئة ذات خصوصية مفهوم فرنسي حديث بدأ مع أميل زولا وأعطاه سارتر وفوكو و بورديو…..امتدادا، وهو يحيل على أشخاص معروفين بإبداعهم أو أبحاثهم وكتاباتهم الفلسفية وغيرها ورسومهم وأفلامهم …

وبتأثيرهم في النقاش العمومي دون سعي إلى السلطة أو انخراط صريح في المنافسة الحزبية، إنهم يشبهون إلى حد كبير عبدالله العروي وعبدالكبير الخطيبي ومحمد عابد الجابري (بعدما تفرغ لمشروعه) وكذلك عدد من الأدباء ….، والمثقفون يكتسبون هذه الصفة ليس لأن جمهورا كبيرا يتبع لهم في الزوايا والمساجد وغيرها بسبب المفعول التدويخي للخطب الفارغة والخطابات الملفقة التي تستفز لديه الغرائز البدائية وتشحنه بالعدوانية والحقد الأعمى على كل ما يتعارض مع القبيلة الغارقة في تأخرها، والمقتنعة بأن ذلك التأخر شرط لنيل رضى الله والدخول إلى الجنة، بل يكتسبونها لأنهم لايكفون عن طرح الأسئلة وتجديدها وعدم الاطمئنان للجواب الجاهز والواحد ولا يعتبرون الاختلاف والتعدد خروجا عن الجماعة وانحرافا عن سبيل قويم وهمي وإنما تعبيرا عن تعدد المقاربات والمناهج والآفاق وعن غنى ومثلما لايخيفهم الانشقاق عن الجماعة-المجتمع والتمرد على ما تواطأت عليه وكرسته كقواعد مرعية وقيم ثابثة ومعتقدات فإنهم لايترددون في استكشاف المستقبل والسعي إليه حتى لو كانوا أقلية صغيرة، ولا يخشون كذلك الردات والانتكاسات واستقواء قوى المحافظة والنكوص بالجمهور الذي تعامله ك”قطيع” وتمارس عليه جراء ذلك أسوأ الإهانات بتجريده من إنسانيته وتنويم وعيه وتجميد ذكائه.

وفي هذا السياق، واعتبارا لصدور مقال الريسوني مزامنا لوفاة الفيلسوف والباحث الموسوعي الإيراني داريوش شايغان، فإنني ارتأيت أن استعير منه ردا على هراء الفقيه مول الرزة، وإن كان المقام ليس المقام والمعرفة ليست المعرفة حتى بأمور الدين والفقه والأصول، إذ كتب في مؤلفه الأشهر مالثورة الدينية، الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة مايلي : “ربما أن الفكر الغربي منفتح على كل الأسئلة، فالغربي “مثقف” وليس حكيما، ومن السهل من ناحية أخرى إقامة علاقة مع المثقف. إن هذا الأخير يهتم بكل شئ. ولأنه ساذج يأخذ كل شئ مأخذ الجد : الخرافات الأكثر بدائية والطقوس الأكثر بطلانا واللغات الأكثر بلى، كل شئ يعنيه وجدير بأن يدرس طالما هو متعلق بالظاهرة الإنسانية.

وفيما يتعلق بهذه الظاهرة الإنسانية الدائعة الصيت، فإن كل واحد له رأيه فيها. فهي تارة ذلك الوجه البعيد الذي يطل علينا من مرحلة ماقبل التاريخ ومن القردة التي تشبه الإنسان ومن إنسان أستراليا البدائي وإنسان نياندرتال وإنسان غرومانيون وتارة هو إنسان مخلوق على صورة الله، وأحيانا هو ذلك الحيوان العامل الذي سيغير يوما ما وجه العالم. إنه في نهاية الأمر كائن مبهم لأن أي مقولة لاتطوله، إذ يتبخر في سحابة من التعريفات المتضاربة.

المثقف ساذج لأنه لم يتوصل لتجاوز رؤيته وإلى النظر إلى لعبة العالم نظرة تأملية. فهو يختنق بفعل فقده للهواء والضحك تحت وطأة وغزارة وحيوية جدليته الذاتية.
إزاء هذا الفكر الشغيل والحيوي لايملك عالمنا البائس (العالم الإسلامي-من عندي) شيئا عدا كنوز ماضينا الروحية. فبماذا يمكن أن نقابل هذا الإنسان المقدام الذي يستغل بمهارة بواطن الأرض والصناعات الفلكية ويأتي بالمعجزات بفضل العلم؟ أبأسطورة الإنسان الكامل والحي المحرر أو بما يلهمه أيانا الإشراق الصاعق من مفارقات” (ص 176 الترجمة العربية د محمد الرحموني، دار الساقي،)

عندما يحسم الريسوني في مسألة الإرث بالتعصيب برأيه القطعي، غير القابل للنقاش، ويحرض ضد الموقعين على عريضة المطالبة باتهامهم بالتعدي على نص القرآن بصيغة تكفيرية شبيهة بالصيغ المستعملة في نشرة “دابق”، فإنه يضع نفسه في مرتبة خليفة المسلمين الذي لايرد له كلام، ولايناقش إلا في دائرة أهل الحل والعقد المغلقة والمتعالية، أو أكثر من ذلك، فإنه يضفي على نفسه صفة النبوة ويعطي لنفسه الحق المطلق في تفسير وتأويل الآيات بشكل حصري. وإسراعه بإصدار مقاله، مع الإشارة إلى حركة أصحابه وعريضتهم التي يبدي اتفاقا معها، يشير إلى أن الرجل يشعر أن له القدرة على الردع أو التهديد بالفتنة، ما يؤكد أن الرجل يعيش إلى اليوم في زمن رئاسة إخوانه في مصر أو أنه اختلط عليه البقر ونسي دروسه في الجغرافية نظرا للمدد الطويلة التي يقضيها بين قطر والسودان وتركيا، ومايؤكد كذلك أن الرجل لايعي أن ثقافته الفهية لاتجعل منه مثقفا بالمعنى الحديث للكلمة وإنما معنعن خارج من كتاب أصفر، فحتى الفقيه اليوم مطالب بانفتاح حقيقي على العلوم الإنسانية كي يكون قادرا على تجاوز الجبرتي وابن تيمية وغيرهما من رموز الانحطاط والرجعية الذين أغرقوا العالم العربي والإسلامي في مستنقع لم يتأت الخروج منه
ولا مستقبل للمسلمين وللإسلام كدين إلا بالتحرر منه بدون تأخير
الريسوني مثقف، يمكن من الثقايف (العقم الناتج عن العجز)

 

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة