لحسن حداد يكتب عن مستقبل المنظومات التربوية في أفريقيا وتحديات العصر

حرر بتاريخ من طرف

لحسن حداد

تواجه دول أفريقيا جنوب الصحراء مجموعة من التحديات فيما يخص ضمان ولوج مستدام لتربية جيدة مبنية على التحصيل والإنجاز، واكتساب المهارات الحياتية، والمهارات المؤدية للتشغيل والنمو، والقدرة على التعلم مدى الحياة. هذا في وقت، يتزايد فيه الضغط الديمغرافي في مجموعة من الدول، وتعاني منظومة الحكامة من ضعف صارخ في البعض منها كذلك، بينما تعرف المؤسسات، خصوصاً العمومية، أعطاباً بنيوية تحاول الكثير من هذه الدول جاهدة تجاوزها.

رغم التحسن الملحوظ الذي عرفته المنظومات التربوية على مستوى دول أفريقيا جنوب الصحراء، وكذلك الجهود الحثيثة التي بذلتها الحكومات لتحسين الولوج والجودة والحكامة والمناهج وطرق التدريس، وهي جهود مشجعة، وتعتبر نبراساً لما سيأتي، فإن الطريق ما زالت شاقة.

حسب مقال تركيبي مُرَكَز وتحليلي عميق لـ145 دراسة ميدانية (ابتداءً من 2014) يُقِرُ ديفيد إفانز وأمينة مينديز أكوستا بأن التحولات التي عرفتها منظومات التربية والتعليم بأفريقيا جنوب الصحراء خلال الخمسين سنة الأخيرة كانت مهمة («التربية والتعليم في أفريقيا: ما هي الدروس المستخلصة»، مجلة الاقتصادات الأفريقية، 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020). هكذا ارتفعت نسبة الأطفال الذين أتموا الدراسة الابتدائية من 46 في المائة إلى 68 في المائة، والثانوي الإعدادي من 22 في المائة إلى 40 في المائة (المرجع نفسه).

ومع ذلك، فالأداء ما زال دون الانتظارات بكثير؛ فحسب منظمة اليونيسكو، فإن هذه المنطقة تعرف أعلى نسبة من «الإقصاء» من خدمات التربية في العالم. «خُمُس الأطفال ما بين 6 و11 سنة يوجدون خارج المدرسة، وثُلُث من هم بين سني الثانية عشرة والرابعة عشرة لا يذهبون إلى المدرسة» (مركز اليونيسكو للإحصاء، «التربية والتعليم في أفريقيا»). وهذا يعني أن جيلاً كاملاً لا يدرس ولا يتكون وسوف يكون عديم المهارات في المستقبل وسينضاف إلى الجيش الكبير من العاطلين الذين يؤثثون فضاءات المدن والأرياف في أفريقيا جنوب الصحراء.

ستون في المائة ممن تبلغ أعمارهم 15 إلى 17، حسب المركز نفسه، لا يدرسون. هذا يعني أن التعليم الثانوي المؤهِل للجامعة ومعاهد التكوين لا يجلب غالبية الشباب الأفريقي الذي هو في سن التشغيل. وهذا يعني أن الاقتصادات الأفريقية ستعاني من نقص حاد في اليد العاملة المؤهلة؛ ويعني كذلك ارتفاعاً مهولاً في جيوش الشباب الذين يمتهنون الهجرة السرية والجريمة والتسكع، وهي تربة سوسيولوجية مواتية للجماعات المتطرفة لتجنيد نشطاء جدد في القرن الأفريقي والساحل وخليج غينيا، وغيرها.

خلقت جائحة كورونا واقعاً جديداً، حيث إن البحث الميداني النوعي الذي قامت به «هيومان رايتس ووتش» في بوركينا فاسو وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا ومدغشقر والمغرب ونيجيريا وجنوب أفريقيا وزامبيا، ما بين أبريل (نيسان) وأغسطس (آب) 2020 خلُص إلى أن «إغلاق المدارس جراء الجائحة أدى إلى تفاقم وضعية اللامساواة التي كانت سائدة قبل الجائحة» (هيومان رايتس ووتش، «تأثير كوفيد – 19 على تعليم الأطفال في أفريقيا» 26 أغسطس 2020). أجهزت «كورونا» على بعض المكاسب المحققة خلال العقود الأخيرة، ولكنها جعلت المهمشين أكثر تهميشاً ودفعت بالكثير من الأطفال إلى خارج المدرسة (المجلس النرويجي لللاجئين، بيان مُعَنْوَن «كوفيد – 19 والنزاعات أدت إلى انقطاع 12 مليون طفل عن الدراسة في وسط أفريقيا والساحل» 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2020).

ما هي مداخل الإصلاح إذن؟ ما هي الجوانب المضيئة (ولو نسبياً) في التطور الذي عرفته المنظومات التربوية لتكون نقط انطلاقة لخلق حلقات إيجابية من التطور النوعي في أفق تحسين أداء المنظومات التربوية الإغريقية؟

تبين الدراسات، أن من العوامل التي أدت إلى نتائج إيجابية في المنظومات التربوية الأفريقية جنوب الصحراء هو «التدخلات البيداغوجية (التربوية) المنظمة» والتي تركز على «تخطيط الدروس وتكوين المعلمين» وعلى إيجاد مضامين تربوية جديدة للمتعلمين، وكذا «استعمال اللغة الأم في التدريس»، وكذا البرامج الموجهة للمدَرِسين، سواء كانت مؤدى عنها أو غير مؤدى، عنها (إفانز وأكوستا، المرجع المشار إليه أعلاه). نفس المقال التركيبي لعشرات من الدراسات يقول بأن الإطعام المدرسي يُحسِن من الولوج ومن التحصيل التربوي، بينما يكون للإعفاء من الرسوم المدرسية نتائج إيجابية على المستويين الابتدائي والثانوي (المرجع نفسه).

هذه بدايات حسنة، ولكن المطلوب هو مضاعفة الجهود لتحسين الأداء بشكل ملحوظ لا غبار عليه.
البعض من هذه الأمور تبنتها الحكومات بشكل مختلف هنا وهناك. واختلاف الوضعية من بلد إلى آخر يعتمد على نجاعة السياسات العمومية في المجال، وكذا على طبيعة الحكامة السياسية والتدبيرية وعلى تاريخ وجغرافية كل بلد على حدة.

على مستوى الاتحاد الأفريقي، ومباشرة بعد تبني أجندة 2063 في 2013، جرى اعتماد استراتيجيات قارية من ضمنها استراتيجية 2016 – 2025 حول التربية والتعليم، وهي استراتيجية تعتمد على رؤيا تتوخى بلوغ «نظام للتربية والتكوين نوعي الهدف منه تمكين القارة من موارد بشرية ناجعة مناسبة للقيم الأفريقية» («الاستراتيجية القارية للتربية والتكوين»، 2016). وهذا يقتضي إعادة توجيه المنظومة لكي تتجاوب مع حاجيات القارة من «المعرفة والكفايات والقدرات والاختراع والتجديد» لكي تساعد في تحقيق أهداف التنمية المستدامة (المصدر نفسه).

والمبادئ الرئيسية لهاته الاستراتيجية هي ضرورة بناء «مجتمع المعرفة الأفريقي على أسس الرأسمال البشري الحامل لكفايات» جيدة، واعتماد أنظمة تربوية «عادلة ومنصفة ودامجة مبنية على التعلم مدى الحياة وأهداف التنمية المستدامة»، وحكامة تربوية جيدة معتمِدة على المسؤولية والتدبير بالنتائج، وتجانس وتداخل المعارف والخبرات الأكاديمية على المستوى الأفريقي، ووضع أسس تربية وتكوين نافعين ومبنيين على «البحث والاختراع العلمي والتكنولوجي والإبداع والتفاؤل»، وأخيراً دعم الصحة البدنية والغذائية والنفسية للمتعلمين (المصدر نفسه).

على الدول الأفريقية ترجمة هذه المبادئ إلى سياسات عمومية وإجراءات عملية للرفع من الولوج والجودة والقابلية للتشغيل بمساعدة الاتحاد الأفريقي والمانحين الدوليين المتعددي الأطراف والمنظومة الأممية، ووكالات التنمية الدولية التابعة للدول الغنية.

أخيراً، يؤثر تحسين أداء المنظومة التربوية إيجابياً على الناتج الداخلي الخام. حسب دراسة للبنك الدولي قامت بها كريستن ماجغارد وآلان مينجا («التربية والتعليم في أفريقيا جنوب الصحراء: دراسة مقارنة» 2011)، فإن العلاقة ما بين السنوات المتوقعة في المدرسة وبين الناتج الداخلي الخام تطورت في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء ما بين 1990 و2009، خصوصاً على مستوى الدول الفقيرة التي لا يتعدى الدخل الفردي لديها 150 دولاراً. إذن، فالتربية مدخل أساسي لبلوغ أحد أهداف أجندة 2063 المتمثل في محاربة الفقر وتحقيق التنمية البشرية المستدامة. ولكن هذا لا يتأتى من دون سياسات وطنية لمحاربة الهدر وتحسين الولوج وتحقيق الجودة وتحفيز المعلمين والمتعلمين على حد سواء. الحلم الأفريقي المتمثل في بناء قارة متطورة ومزدهرة ومستقرة ممكن والتربية مسلك لا محيد عنه لتحقيق ذلك.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة