قضية العفو الملكي عن السفاح دانييل وتداعياتها القانونية والمجتمعية

حرر بتاريخ من طرف

قضية العفو الملكي عن السفاح دانييل وتداعياتها القانونية والمجتمعية
لا صوت اعتلى هذه الأيام الأخيرة على مجريات واقعة قرار العفو الملكي بمناسبة عيد العرش التي تحولت إلى قضية رأي عام عن السفاح صاحب الجنسية الإسبانية المسمى دانييال غالفان وما خلفته من تداعيات على مشاعر المغاربة الغاضبين من هذا العفو في مقدمتهم عائلات وأسر الأطفال المغاربة الأبرياء ضحايا المجرم الإسباني المعفى عنه سابقا. وفي تفاعل مع موجة الاحتجاجات الشعبية العارمة ومع نبض وضغط الشارع المغربي الرافض والمستنكر لهذا العفو الملكي، صدرت عقب أحداث متسارعة بلاغات لديوان الملك بشكل يومي ومتوالي تضمنت توضيحات للرأي العام الوطني جاءت مصاحبة لقرارات وُصفت بالاستثنائية والمتتالية.

1- قراءة في بلاغات الديوان الملكي بشأن القضية :
بعد بلاغ الديوان الملكي الأحد 4 غشت 2013 بسحب قرار العفو عن المسمى دانييل، أصبح هذا العفو ملغيا بقرار صاحب القرار الذي استجاب لضغط الشارع المغربي ولإجماع المغاربة الذين حركتهم الصدمة نحو الاحتجاج، ولم يمنعهم قرار العفو ذو الصيغة الملكية من الخروج إلى شوارع المدن المغربية للتعبير عن الرفض والامتعاض من هذا العفو، هناك من طالب باعتذار ملكي وهناك من طالب بإعادة السفاح الإسباني إلى السجون المغربية، ليأتي الرد من القصر بإصدار بلاغات على مدى ثلاثة أيام متتالية، بلاغ يوم السبت 3 غشت الذي قدم توضيحات للرأي العام على أنه لم يتم إخبار الملك بخطورة الجرائم التي اقترفها المدعو دانييل الذي أدانه القضاء المغربي ب30 سنة سجنا نافذة والمستفيد من العفو الذي ألغي لاحقا، وأنه لم يكن للملك قط ليوافق على إنهاء إكمال دانييل لعقوبته نظرا لفداحة الجرائم التي اتهم بها. في قراءة لهذا البيان وما تضمنه من قرارات يطرح السؤال: بما أنه لم يتم إطلاع الملك على خطورة الجرائم التي اقترفها المعني بالأمر، فأين يمكن أن ندرج قرار العفو الملكي عن 48 سجين إسباني من بينهم المسمى دانييل كالفان، هل ندرجه في إطار ما يسمى بالعفو الجماعي العام أو ما يسمى بالعفو الفردي الخاص؟
الجواب: إذا كان قرار العفو عن دانييل كالفان يندرج في إطار عفو جماعي، فإذن من البديهي ألا يتم إطلاع الملك بشكل خاص على عناصر ملف دانييل كأحد المرشحين للاستفادة من العفو ومن البديهي أيضا ألا يدقق الملك بنفسه في ملفه باعتبار أن هناك من ينوب عنه من محيطه ومن الإدارات العمومية المختصة في هذه المسائل، ولكن على الرغم من ذلك وجب الانتباه إلى أن المستفيد من هذا العفو هو شخص أجنبي والعفو عنه ليس عفوا عاديا أو روتينيا كما جرت عليه العادة في قرارات العفو الجماعي التي تصدر لصالح عشرات ومئات الجناة المغاربة في المناسبات الدينية والوطنية، وعليه إذا توقفنا بالتعليق على نص البلاغ، كان ينبغي التدقيق في حالة هذا السجين الإسباني وعلى ما اقترفه من جرائم قبل ترشيحه للاستفادة من العفو وتمتيعه به. أما إذا شئنا أن ندرج هذا العفو في إطار العفو الخاص، فإن الملك لا يصدر قرارا بالعفو عن سجين أو متهم أو مدان في قضية معينة بصفته الشخصية إلا عندما يكون مطلعا تمام الإطلاع على قضية المتهم المحكوم والمعاقب بشأنها سواء بمبادرة منه أو من خلال طلب من الجاني. أما فيما يخص قرار الملك بفتح تحقيق معمق في هذه النازلة من أجل تحديد المسؤوليات في هذا الإهمال ومعاقبة المتورطين حسب نص بلاغ يوم السبت 3 غشت، بقي المتتبعون يتساءلون عن من هي الجهات التي ستتولى مباشرة تلك التحقيقات، وهل سيتم بعد ذلك إبلاغ الرأي العام بمجريات ونتائج هذه التحقيقات أم لا، ولو أن ما يهم عامة المغاربة الآن هو صيانة أعراضهم وكرامتهم والدفاع على حقوق أطفالهم.
اعتبارا لموجة غضب المغاربة العارمة ولضغط الشارع الذي كان قويا، جاء مباشرة يوم الأحد الموالي بلاغ الديوان الملكي الثاني المعلن في نصه للرأي العام الوطني بسحب العفو الملكي الذي سبق وأن استفاد منه المسمى دانييل كالفان. طبعا هذا القرار ينآى عن اعتذار الملك الذي طالبت به فئة من المغاربة المحتجين، حيث يعتبر سحب هذا العفو تراجعا غير مسبوقا للملك عن قرار اتخذه تفاعلا مع نبض الشارع المغربي، وهنا نثمن بكل حرارة وفخر على الضمير الحي والوعي المتنامي لكل المغاربة الذين صرحوا وصرخوا وأعلنوا منذ أول يوم عن استنكارهم واحتجاجهم على قرار العفو الملكي على المجرم دانييل، في المقابل، ربما من بين الحسنات القليلة التي أفرزتها هذه الواقعة هي أنها أسقطت أقنعة عدة وعرت وجوه عدد من قيادات الأحزاب السياسية وبعض الجهات الحقوقية الرسمية منها وغير الرسمية ومنهم بعض الأفراد والوجوه الإعلامية والفنية المعروفة التي طالما ظلت تتغنى وتصيح بالدفاع عن مبادئ حقوق الإنسان وحقوق الطفل وها هي الآن في أول اختبار حقيقي ابتلعت ألسنتها والتزمت الصمت، والتي خرجت لتوها بعد بلاغ الديوان الملكي بسحب العفو تنوه بجرأة الملك باتخاذ هذا القرار، وأما عن صمت الحكومة المخزي وتصريح أحد أعضائها بعدم علمه بما جرى، لا نستغرب ذلك مادامت “الحكومة عندنا محكومة”
على إثر هذه المستجدات المتنامية جاء البلاغ رقم 3 ليوم الاثنين 5 غشت 2013 ليعلن بشكل سريع عن أولى نتائج التحقيقات المفتوحة في هذه الواقعة ليحدد موطن ومنبع المسؤولية، حيث تحدث عن كون المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج هي من تتحمل المسؤولية كاملة فيما وقع من أخطاء مسطرية وانزلاقات وربما تواطؤات فيما يخص مسطرة العفو عن السفاح دانييل التي أدت إلى تشويه صورة المؤسسة الملكية، وتقرر على إثرها إقالة حفيظ بنهاشم المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، في المقابل أفادت بعض الصحف الإسبانية بأن ما وقع هو خلط بين لائحتين لأسماء السجناء الإسبان المطلوب العفو عنهم وآخرون المطلوب ترحيلهم لإتمام عقوباتهم السجنية بإسبانيا كانت قد أعدتها القنصليات الإسبانية بالمغرب وأرسلتها إلى إدارة السجون المغربية.
وقوفا عند هذه المعطيات يتضح أن المتورطين في هذه القضية ظنوا بأن قرارات العفو الصادرة باسم الملك، وبما أنها قرارات ملكية سوف تمر مرور الكرام على القوى الحية بالمغرب، حيث لم يتخلوا ولم يضعوا في حسبانهم في أن يجرئ أحد على مجابهة قرارات ملكية واستنكارها، مما دفع بهم للتخطيط والتلاعب واستغلال المواقع والمناسبات بكل أريحية واطمئنان.

2- مساءلة الشارع المغربي للملك :
لا تخرج بلاغات الديوان الملكي المتتالية عن كونها بلاغات تواصلية مع الرأي العام المغربي وتنفيسية في نفس الآن جاءت كردود أفعال وقائية لتقويم ما أمكن تقويمه من تسيب واختلالات وأخطاء في نظام العفو الذي ظل يشهده النظام القانوني والقضائي المغربي لعقود طويلة، فيحين تحسب هنا الجرأة والشجاعة والإقدام لعموم الشعب المغربي اليقظ ومنهم نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي الذين خرجوا لشوارع المدن المغربية منددين ومستنكرين ورافضين لقرار العفو عن المجرم دانييل، وبناء عليه يستنتج ما يلي:
على الرغم من أن الملك لا يساءل ولا يحاسب بحكم الدستور، فهذا ليس معناه أنه لا يخطئ، وعليه تبث من خلال هذه القضية غير المسبوقة أن الشارع المغربي أصبح الآن هو من يسائل الملك، فقد تلتقط المؤسسة الملكية درسا عميقا من هذه الواقعة بأنه لا مزايدات على كرامة الإنسان المغربي التي لا تقدر بثمن أو بمصالح سياسية واقتصادية كيفما كانت، وأن المواطن المغربي دائما يقظ ومستعد للدفاع عن عرضه وشرفه وكرامته، كما أنه ليس بالضرورة أن يأتي تهديد للملك وللمؤسسة الملكية من حركة أو تنظيمات معينة بقدر ما قد يأتي التهديد والخطورة من المحيطين بالملك أنفسهم ومن المنعم عليهم بالرضى والتمكين والمناصب السامية.

3- إدانة الجهات الأمنية في تعنيف المتظاهرين:
لا تقل محاسبة ومعاقبة المتورطون والمخطئون في قضية إدراج اسم المجرم دانييل كالفان ضمن لائحة المستفدين من العفو الملكي، أهمية عن محاسبة ومعاقبة المسؤولين عن تعنيف وقمع المتظاهرين المغاربة الذين خرجوا إلى شوارع المدن المغربية للاحتجاج في مسيرات ووقفات سلمية، فلولا يقظة وفطنة المغاربة الذين عبروا عن رفضهم واستنكارهم بطرق حضارية وسلمية، لما انتبه أحد لما وقع في هذا من الملف من تجاوزات واختلالات، وحتى المحيط الملكي نفسه ما كان لينتبه، لذا لم يكن بمقدور أي إنسان مغربي عاقل وصاحب ضمير إنساني يقظ أن يعلم عن إطلاق سراح مغتصب الأطفال المغاربة ويظل صامتا ومكتوف الأيدي، وعليه انطلقت موجة الاحتجاجات العفوية لعموم المواطنين المغاربة في شوارع مدن المملكة، فعوض أن تمارس الجهات الأمنية عملها الشرعي المحتم في حماية المتظاهرين السلميين، تم استقبالهم من قبل هذه الأجهزة الأمنية التي عبرت عن همجيتها بالضرب والجرح والاعتقالات والتعنيف المفرط، وبناء عليه وكما تم فتح تحقيق في نازلة العفو الملكي على المسمى دانييل والذي أدى إلى إقالة المندوب العام لإدارة السجون المغربية، يجب كذلك فتح تحقيق جاد لكشف المتورطين في قمع وتعنيف المتظاهرين المغاربة وفضح من أعطوا الأوامر والتعليمات بذلك.
في نفس الاتجاه نتوقف عند تصريح وزير العدل عندما سُئل في لقاء تلفزي عن رأيه وموقفه في مسألة القمع المفرط ضد المتظاهرين من طرف أجهزة الأمن، والذي أجاب على إثره أن القانون في هذه النقطة واضح باعتبار أن كل من أراد التظاهر والتجمع بالشوارع والفضاءات العامة يجب عليه أخذ تصريح بذلك، وكأن وزير العدل هنا يبيح ضرب المتظاهرين وقمعهم. نرد هنا على مصطفى الرميد وزير العدل والحريات أننا كلنا مع تطبيق القانون ولكن جوابك هذا كان مجرد هروب إلى الإمام، لأنك تعلم أنه لو انتظر المغاربة أخذ تصريحات للاحتجاج على قرار العفو الملكي عن ذاك الشخص لمؤكد أنهم انتظروا أياما وشهروا وسنوات لاستخراج هذه التصريحات، فكافكم مزايدات وعدم واقعية وتنصل من المسؤولية.

4- استقلالية السلطة القضائية وممارسة حق العفو:
أعادت قضية العفو الملكي عن طريق الخطأ عن المدعو دانييل فتح النقاش من جديد حول حيثيات ممارسة حق العفو ومسوغاته القانونية والاجتماعية، وتعود آخر فترة تم فتح نقاشات عمومية حول ممارسة حق العفو وارتباطه باستقلالية ونجاعة المنتوج القضائي التي حاول بعض القانونيين والحقوقيين الخوض فيها ولو بشكل محتشم، تعود إلى فترة التحضير لدستور 2011 الجديد، حيث سرعان ما تم إقفال النقاش في هذه المسألة بعد أن حسم المشرع الدستوري من جديد في المراجعة الدستورية الأخيرة في هذه النقطة من خلال تنصيصه على أن الملك هو الذي يمارس حق العفو، وحتى الندوات التي نظمتها وزارة العدل والحريات في إطار ما يصطلح عليه بإصلاح منظومة العدالة لم يسبق أن طرح بها موضوع العفو بالمغرب كعنصر من العناصر الأساسية للنقاش، وعليه فإعادة فتح النقاش في هذا الموضوع لا يجوز تجزيئه عن النقاش العمومي حول استقلالية مؤسسة القضاء بالمغرب.
منذ دخول المغرب العهد الجديد والخطب الملكية تتوالى وتدعو إلى العمل على ترسيخ استقلالية القضاء وإصلاحه، الآن بعد 14 سنة، لم تأتي هذه الدعوات والتوجيهات الكتابية والشفهية بما ينفع في هذا الورش، بل إن وضع القضاء بالمغرب وواقع منظومة العدالة ككل ازداد سوءا وتراجعا بينا، والكل هنا من المعنيين بالأمر يتحملون مسؤولية هذا التراجع.

مع مرور الأيام والسنوات، تأكد باليقين أنه لن يكتب للقضاء في هذا البلد أن يصبح سلطة مستقلة طبقا لمبدأ فصل السلط المتعارف عليه عالميا في الأنظمة الدستورية الكبرى، ليس فحسب لأن وزير العدل كممثل للسلطة التنفيذية في قطاع العدل بقى يبسط يده على جهاز قضائي اسمه “النيابة العامة” بغض النظر عن تجريده وفق الدستور الجديد من نيابة رئاسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وإنما لاستمرار وجود نظام اسمه -حق العفو والعفو الشامل- دون مراقبة ودون تقنين أو تأطير.

طبعا لا توجد أدنى توافقات بين مضامين بعض الخطب الملكية الداعية إلى ضرورة التعجيل بإصلاح مؤسسة القضاء وضمان استقلاليتها وإصلاح منظومة العدالة عامة، وبين إصدار قرارات عفو فردية وجماعية في شكلها ومضمونها مس بكرامة الإنسان المغربي.

عندما نتحدث عن استقلال السلطة القضائية، نقصد استقلالها عن ماذا وعن من؟ “عن السلطتين التنفيذية والتشريعية طبعا”، وبما أن الملك هو رئيس للسلط الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، علاوة على أن الفصل 58 من الدستور يمنح للملك ممارسة حق العفو، فعلى أي اعتبارات يمارس الملك هذا الحق؟ هل لصفته كرئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية (الفصل 115 من الدستور)، أم باعتباره دستوريا الضامن لاستقلال السلطة القضائية (الفصل 107 من الدستور)، أم لأن الدستور والقانون الجنائي المغربيان يخولان له هذا الحق (الفصل 58 من الدستور والفصل 53 من القانون الجنائي) ؟

هذا إن دل على شيء، فهو يدل على ضبابية الدستور المغربي في هذه النقطة بالذات.
يشار إلى أن المقتضيات القانونية التي تؤطر ممارسة حق العفو في النظام القانوني المغربي تتمثل أولا في كون الملك يمارس حق العفو بموجب ظهير 12 فبراير 1958 والمعدل مرتين بمقتضى ظهير 5 غشت 1963 وبمقتضى الظهير بمثابة قانون ل 8 أكتوبر 1977 بشأن العفو، وكذا بموجب الفصل 53 من القانون الجنائي المغربي الذي يحيل على ظهير 1977، وأخيرا بموجب الفصل 58 من دستور 2011.

5- في تصور عام حول تقنين معايير وشروط العفو:

ما يعاب على المقتضيات القانونية المعمول بها حاليا في شأن العفو أنها أصبحت متجاوزة وغير دقيقة وغير مفصلة ولا تتماشى مع التوجهات الحديثة للدولة المغربية، وعليه صار جزما العمل بكل جدية على تقنين وتنظيم شروط وكيفية ممارسة الحق في العفو من خلال إدخال تعديلات وتغييرات في التشريع الجنائي المغربي وإعادة النظر في الظهير المتعلق بممارسة هذا الحق، وذلك بتحديد شروط ومعايير مسبقة لكيفيات ممارسة حق العفو وتوسيع مفهوم “عدم المساس بحقوق الغير”، وللشروط الواجب توفرها في الأشخاص الأولى استفادتهم من العفو. أما أن يظل الوضع هكذا بدون تأطير أو تقنين واضح وصريح وبشكل استعجالي، فهذا أمر لا يمكن تقبله، لأنه في الغالب ما يكون لهذا العفو انعكاسات سلبية على المواطن المغربي وعلى الحياة العامة ككل أكثر مما هي انعكاسات إيجابية وإنسانية نافعة.

يجب أن يصبح الحق في ممارسة العفو العام بيد البرلمان بصفته التمثيلية بمعايير وشروط محددة سلفا بتنسيق مع وزارة العدل في إطار مستجدات قانونية صريحة يجب على السلطة التشريعية أن تشارك وتسهم في إعدادها، لا أن تحتكر اقتراحها وإعدادها وزارة العدل وحدها، فيحين يمكن أن يمارس الملك حق العفو الخاص بصفته رئيس الدولة بمعايير وشروط محددة سلفا كذلك.
كما يمكن لهذه الشروط والمعايير على سبيل المثال أن تحدد العقوبات التي يطالها العفو والعقوبات التي تستثنى من العفو كالعقوبات المتعلقة مثلا بالجرائم الجنسية والجرائم المخلة بالآداب العامة والجرائم الماسة بالنظام العام…، إضافة إلى تحديد الحالات الإنسانية والاجتماعية لنزلاء السجون الذين يمكن أن تعطى لهم الأولوية في تمتيعهم بالعفو الجزئي منه والكلي، إضافة إلى تشديد المراقبة الصارمة من طرف جهاز أو لجنة خاصة من الأرجح أن تكون تابعة لرئيس الحكومة باعتباره المسؤول الحكومي الأول أمام الشعب، حيث تعمل هذه اللجنة على تدارس طلبات العفو مع الجهات الإدارية المختصة وعلى تتبع مسطرة العفو المحددة في القانون الجديد خصوصا مرحلة إعداد قوائم المستفيدين من العفو، وذلك للحيلولة دون وقوع أية اختلالات أو خروقات على مستوى ممارسة هذا العفو والتمكين منه. كما يجب ألا يمس العفو حقوق الغير، ليس في جانب التعويضات المادية فقط، وإنما يجب مراعاة الجوانب النفسية والاجتماعية لحقوق الغير من ضحايا الأفعال الجرمية المعاقب بشأنها.

6- أية سبل ممكنة لحماية حقوق الطفل ؟
لن تكون الجريمة النكراء التي اقترفها المدعو دانييل في حق 11 طفل مغربي بمدينة القنيطرة أول أو آخر اعتداء على أطفال وقاصرين مغاربة واستغلالهم جسديا، لهذا وحتى نضمن عدم تكرار ما وقع، يلزم العمل حاليا وبشكل مستمر على توفير المزيد من الحماية والعناية بالأطفال والقاصرين ومراعاة مختلف الجوانب في ذلك وبشكل مركز، ليس على مستوى الجانب القانوني والتشريعي فقط، بل كذلك على المستوى الاجتماعي والنفسي والتربوي المتعلق بالطفل، هذا ما يتطلب معه تكثيف الجهود بين جميع مكونات المجتمع (الأسرة والدولة والمجتمع المدني).
بالنظر في الجانب القانوني المتعلق بحقوق الطفل، أقر المشرع المغربي عدة مقتضيات قانونية لحماية الأطفال وشؤون القاصرين، نذكر منها المادة 54 من مدونة الأسرة التي ألزمت الأبوين في عدد من المرتكزات باحترام حقوق أطفالهم ومن ضمنها اجتناب العنف المفضي إلى الإضرار الجسدي والمعنوي والحرص على الوقاية من كل استغلال يضر بمصالح الطفل..كما اعتبرت المادة 54 من نفس المدونة أن الدولة مسؤولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال وضمان حقوقهم ورعايتها طبقا للقانون، إضافة إلى أن نفس المادة ألزمت النيابة العامة بالسهر على تنفيذ أحكامها، كما جرمت بدورها مقتضيات القانون الجنائي المغربي الاعتداء على الأطفال والقاصرين والمعاقين واستغلالهم جسديا وجنسيا، وعاقبت على هذه الأفعال الجرمية بمدد حبسية وسجنية تتراوح بين سنتين و 30 سنة سجنا وذلك بمقتضى الفصول 484 و485 و486 و487 و488 من القانون الجنائي، هذا علاوة على الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب فيما يخص حقوق الطفل وكفالته.
على الرغم من توافر كل هذه الأسس القانونية في التشريع المغربي المتعلقة بحقوق الطفل، إلا أنه عادة ما لا تمنع هذه القواعد القانونية الزجرية من وقوع حالات جديدة من الاعتداء والاستغلال الجنسي للأطفال، وهذا لا يدل على قصور في القاعدة القانونية بقدر ما هو قصور في التطبيق والتفعيل. وحتى يسهل أكثر على أصحاب المسؤولية للقيام بصيانة حقوق الطفل وحمايته من الناحية التشريعية وجب الآن على المشرع المغربي التفكير والعمل على إصدار مدونة خاصة بحقوق الطفل يقوم من خلالها بتجميع القوانين الوطنية المنظمة لحقوق الطفل وملاءمتها مع الاتفاقيات الدولية المصادقة عليها في هذا المجال، كما يتعين على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها في صيانة حقوق الأطفال وكفالتهم وحماية حاضرهم ومستقبلهم، والعناية بدور ومراكز حماية الطفولة وإنشاء مزيد منها في مختلف أنحاء التراب الوطني، هذا إن شئنا أن نرقى فعلا إلى مصاف البلدان الديمقراطية الحديثة.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة