…فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

حرر بتاريخ من طرف

ماذا دفع أمير الشعراء شوقي لكي يحدد مقياس بقاء أو ضياع الأمم بأخلاقها؟ من قرأ أشعار أمير الشعراء الذي جاءت مبايعته  بلاغيا على فم إبراهيم حافظ،  لا يمكن أن يربط الأخلاق بطقوس  و عادات،  و إنما بسلوك  و تمظهرات في مجالات العلوم  و الفلسفة و الطب  و التفرغ لخدمة الأوطان. لقد ربط الشاعر بقاء الأمم ببقاء الأخلاق  و ديمومتها في كل مناحي الحياة. الأخلاق سلوك في الدنيا يتمحور حول الصدق  و الأمانة  و العلم  و الإخلاص لكل القيم النبيلة.  الأخلاق لا تدخل في مجال الإعتقاد الذي هو سر بين العابد  و المعبود. الأخلاق منهج في الحياة بين الإنسان و الإنسان  و بين هذا الأخير  و باقي المخلوقات من نباث  و حيوان  و بحار  و جبال  و وديان  و غيرها.

لماذا الكلام عن  الأخلاق في الوقت الراهن.  المسألة فيها كثير من  الذاتية المرتبطة بذكر أصدقاء  و زملاء غادروا هذه الدنيا  و لم يشهد لهم من أحبوهم إلا بأخلاقهم خلال تأديتهم  لواجبهم المهني  و بطبيعة علاقاتهم بالناس عامة  و بأقربائهم خاصة. الغرور سلاح ضعاف النفوس  و سرعان ما ينقلب عليهم و يدحرجهم إلى أسفل سافلين.  نعم التواضع  و صون الأمانة و المسؤولية تعتبران من الأخلاق الرفيعة التي لم يبليها الزمان  و لا  المكان. كم أسعد حين أكون شاهدا على إجماع قوم على حسن أخلاق من عرفته  و اقتربت منه و استفدت من نصائحه  و تمتعت بخفة روحه.  نعم إنما الأمم الأخلاق  ما بقيت…
خلال الأيام الأخيرة شاء الله عز وجل أن أشهد  وباقي أصدقائي رحيل زملاء  اجتمعت فيهم من الصفات  و الأخلاق  و السلوكات القويمة ما تفرق في غيرهم. الأخلاق أن لا تذهب سلطة المنصب بعقلك   و تبعدك عن الناس و تفسد ذوقك  و تقربك من  المعاصي  و أكبرها معصية خيانة الأمانة المرتبطة بالمسؤولية. و كثير من مخلوقات الله في هذا البلد الأمين ينسون أن كل ما فوق التراب تراب.  و كثير هم من رأى في دنياه أفقا تحده ممتلكات عقارية  و سيارات فارهة  و بعض المال،  ولم يأبه للفناء الواجب حتما على كل خلق ألله.

الأخلاق هي أيضا حرص على المحاسبة  و إعطاء كل ذي حق حقه.  قد تكون من الشرفاء  النزهاء،  ولكنك إن أغمضت العين عن مفسد و لم تقم بدورك المؤسساتي  و القانوني لتقويمه، فإنك خرجت من نطاق الأخلاق إلى منحدر السكوت عن الحق  و صرت شيطانا أخرس. قال الحكماء ، و ألله أعلم ، أن محبة الأوطان من  الإيمان.  و الأمر يرتبط بالسلوك الدنيوي الذي يبتغي تغيير الواقع  و محاربة المنكر بسلاح المؤسسات  و القانون  و ضمان حقوق الإنسان.

و مجمل القول أن الأخلاق تعيش أزمة حقيقية في واقع تسيطر فيه ممارسات سياسية قليلا ما يتم ردعها  و إيقاف أضرارها . سيطر أعداء الأخلاق على لوائح المرشحين للانتخابات  و كونوا ثروات  و سيطروا على مساطر  و قرارات.  منهم من سقط و يحاكم على ما جناه على نفسه  و منهم من لا زال في غيه مستمر و هو في غاية الانتشاء  من افلات مؤقت من العقاب. الوطن تزيد حصانته بقوة مؤسساته  و بأخلاق مسؤوليه  و كافة المواطنين. حين يجمع الناس على نزاهة مسؤول حالي أو سابق يعيش بيننا أو  راحل، فلنعلم أن ” الأمة لا تجتمع على ضلال” . الرحمة  و الغفران على كل من جعل الأخلاق سبيلا  و نبراسا.  بالمحاسبة  و الضبط  و المراقبة  و العلم تبنى الأوطان،  و هذه هي الأخلاق  الفضلى التي تقوي أركان الوطن.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة