علامات الكبر ” تذكر ما غبر ونسيان ما حضر”

حرر بتاريخ من طرف

كثير من أصدقائي يبعثون لي رسائل عبر شبكات التواصل مفادها أن تجاوز سن الستين شيء جميل. النصائح تتقاطر بالمئات حول نظام غذاءي و رياضي و كثير من التغني بمقولات تشبه الشعر الرومانسي.

العطاء الفكري يزيد عمقا و المتقاعد يمكن اعتباره خبيرا ينطق ذهبا و يفكر حقائقا ناصعة كالفضة و يعطي من النصائح ما قد يفيد الحاضر و المستقبل. المهم أن الرسائل المطمئنة عن ما بعد سن الستين و السبعين تزاد حجما و موضوعا كلما انتفخ أعلى الهرم السكاني. لا أدري من يروج لهذه الأخبار الجميلة و يربطها بدراسات علمية و يوزعها يمينا و شمالا. الذي لا يخفى حتى على “المغفلين” أن خبراء التسويق اخترعوا إسما لما يمكن أن يزيد من استهلاك من تجاوز الستين و سموه الإقتصاد الفضي. و لعل الفضة ناصعة البياض تشبه كثيرا مساحات الشيب التي تكتسح من بدأ الطريق في إتجاه اؤلئك الذين “بلغوا من الكبر عتيا”.

صحيح أن ” السن الثالث” هو عبارة عن تغير عدة معطيات ديمغرافية . و صحيح أن تمدد الفئات العمرية الكبيرة شيء يعكس معطيات عن تقدم العلم و الطب و الثقافة و الاعتناء بالجسم و تنوع آليات الترويح عن النفس. و لكن، و في نفس الوقت، يقول كل خبراء المال و الأعمال و أصحاب البنوك و العاملون بالمراهنات في البورصات العالمية و مدبري الإحتياط الإجتماعي أن التقدم في السن من الأخطار المحدقة بالتوازنات المالية. و لذلك لم تنفع الإصلاحات المقياسية في ضمان ديمومة أنظمة التقاعد و التغطية الصحية.

كم هي مضحكة تلك الدراسات التي تريد أن تبين أن من تجاوزوا سن الستين و السبعين حكماء و خبراء و ذوي فكر متقد. الأمر غير ذلك تماما. من كان طوال حياته المهنية مجرد موظف أو عامل بسيط لم تمكنه ظروف الحياة على الولوج إلى قمة الهرم الوظيفي لا يمكن أن يصبح صاحب خبرة لمجرد أنه بلغ سن الحكمة و قبول أمر واقع. ثم أن الفئة العمرية المتقدمة لا تلعب أي دور في توسيع قاعدة الهرم السكاني. و المسألة هنا ترتبط بيولوجيا بتأثير السن على المساهمة في “نهضة ” انجابية مفترضة.

أجمل ما في ما يقال عنها أنها دراسات، أنها تؤكد على اتباع نظام غذائي متوازن و على ضرورة الحفاظ على رياضة تناسب الإمكانيات الفيزيولوجية و هي رياضة المشي و المحافظة على نشاط فكري بالإضافة إلى شيء من الممارسة الجنسية لمن استطاع إليها سبيلا. أما الباقي فله ارتباط كبير بالإمكانيات المالية التي توفر العناية الطبية و السفر و المبيت بالفنادق المريحة و تناول وجبات ، من حين لآخر. بمطاعم جيدة. هناك نصائح كثيرة بالاهتمام بالأناقة و الرياضة و الإهتمام بالرغبات الشخصية و الصرف عليها بسخاء. و كل هذه النصائح ترتبط بقدرة شرائية و بماض و بتربية و بوسط اجتماعي في ماض مضى منذ زمن كبير.

أن تكون من العلماء و الشعراء و الأطباء الافذاذ و المهندسين الأوائل و الوزراء السابقين و غيرهم منن كانوا متميزين و لكنهم افرطوا أو فرطوا، فبلوغ سن التقاعد و التقدم في السن كان بالنسبة لجلهم موعد من النحس و شيء من الندم الذي لا يجب أن نربطه بحسد أو بعين نفاثة. الموضوع بسيط و مرتبط فقط بما يحمله كل إنسان من توازن داخلي. من أخطأ الموعد مع العلم أو الحكمة أو التواضع أو مع تهييئ ظروف تدبير الاحتياجات المالية خلال فترة التقاعد، فلن يكفيه الرأسمال الذي يقال أنه سيأتي بعد أن يشتعل الرأس شيبا.

لكل هذا تظل الحكمة الوحيدة التي يمكن اعتبارها ثمينة هي قبول فكرة البحث عن الجمال في أبسط الأشياء. الوصول إلى السن الفضي يمكن أن يكون مرحلة جميلة لمن لا يصدق المعجزات المتعلقة بتصديق دوام الحال على ما هو عليه. إن هذا الوضع يمكن أن يتحول إلى فرصة للاستفادة ممن يتقدمون في السن.

من بين هاته الفئة العمرية من يمكن أن يتقاسم تجربة كبيرة في الجامعات و المؤسسات العمومية و جمعيات المجتمع المدني و حتى في القطاع الخاص. لو كان للديمقراطية ثقل حقيقي في ميزان الأحزاب لكانت جل هذه الخبرات التي تحملها فئة السن الفضي في مراكز القرار أو الاستشارة أو رسملة الخبرة في البرلمان و المجالس الترابية عوض كثير من الوجوه غير البريئة و غير الكفؤة التي تسيء إلى الوطن و مستقبل الشباب.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة