عدالة مصطفى الرميد.. بين حلويات خالد عليوة وثروات الكائنات الانتخابية بمراكش

حرر بتاريخ من طرف

عدالة مصطفى الرميد.. بين حلويات خالد عليوة وثروات الكائنات الانتخابية بمراكش
أعترف أنني كنت، حتى حين، من المتحمسين المدافعين عن مقولة “عدم الإفلات من العقاب” بالنسبة لكل مسؤول امتدت يده بغير حق للمال العام، كيف ما كان حجم ومركز هذا الشخص، ومهما كان حجم تلك الأموال.

وأعترف، أيضا، أنني كنت من المطالبين بـ”القصاص” من خالد عليوة، القيادي السابق بحزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والمدير الأسبق للقرض العقاري والسياحي، ومن المطالبين بتطبيق العدالة، دون مراعاة لتاريخ الشخص النضالي، وبعيدا عن تأثير بعض الشخصيات الوازنة من حزب القوات الشعبية.

أعترف، أنني راجعت مواقفي لحظة مشاهدتي وتأملي في صور العشرات من المسؤولين السياسيين، الذين سبق وأن تقلدوا مسؤوليات في بعض أجهزة الدولة، قبل أو بعد، خالد عليوة، واغتنوا وراكموا ثروات خيالية على حساب المال العام، وكانوا ضمن المشيعين و المعزين، دون أن تتجرأ يد المساءلة وتمتد إليهم.

وأعترف أخيرا، أن الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة عن أجواء الجنازة والعزاء، وصور خالد عليوة، تحديدا، وهو يلقي النظرة الأخيرة على المرحومة والدته، او وهو يغطي جثمانها بالتراب، وخلال تلقيه التعازي… كلها صور، جعلتني أتوقف للحظة، وأراجع مواقفي السابقة وأنا أسائل نفسي:

لنفترض جدلا، أن التهم التي وجهت لخالد عليوة من قبل النيابة العامة لا يمكن الطعن أو الشك فيها قيد أنملة، من الناحية القانونية، ألا يتوفر هذا الشخص، على جميع الضمانات الكفيلة بالتحقيق معه في حالة سراح؟، بدل حبسه لما يربو عن سنة كاملة قبل إحالته على المحاكمة؟، وبالتالي حرمانه وحرمان المرحومة والدته من لحظة الوداع الأخيرة؟.

مناسبة هذا التساؤل، تزامنت مع مرور حوالي ست ساعات، من انتهاء، الأستاذ الزيتوني، قاضي التحقيق بالغرفة الثالثة بمحكمة الاستئناف بمراكش، من الاستماع الأربعاء 6 مارس الجاري، لـ”عبد اللطيف أبدوح” البرلماني وعضو اللجنة التنفيذية السابق لحزب الإستقلال، بعد متابعته من قبل الوكيل العام بمراكش، بتهم الرشوة، التزوير، استغلال النفوذ، التزوير واستعماله، ضمن ما بات يعرف بملف “فضيحة كازينو فندق السعدي” بمراكش.

حضرتني صورة القيادي الإستقلالي، النائب الحالي لعمدة مراكش، ورئيس بلدية المنارة جليز سابقا، وهو يخرج من مكتب قاضي التحقيق رفقة محاميه مزهوا، كمن حقق نصرا مبينا، على جميع الحقوقيين والمتتبعين الذين كانوا يتوقعون اعتقاله من قبل قاضي التحقيق.
ولأنني واحد من أبناء المدينة الحمراء، بل إنني ابن نفس الحي(حي القصبة) الذي ترعرع فيه عبد اللطيف أبدوح، فإنه لا بأس بأن أذكر بجزء من تاريخ هذا القيادي الاستقلالي، الذي يتمتع الآن بالسراح المؤقت، ولنقارن بين الشخصين:
نشأ عبد اللطيف في أسرة متواضعة، مثل أسرتي، ومعظم أسر هذا الحي الشعبي بالمدينة العتيقة لمراكش، والذي يعود تاريخ نشأته إلى الزمن الموحدي.. وكانت أسرة “ابدوح” تسكن بيتا بدرب “عيوش” على سبيل الكراء.

شب وترعرع، أبدوح، كأغلب سكان حي القصبة، داخل مقر حزب الإستقلال بمراكش، الواقع بمدخل حي القصبة. وتدرج في صفوف الحزب، حيث كان مسؤولا بقطاع الطلبة الإستقلاليين، وبالشبيبة.

وكان والده “مخزني” يقوم بدور الحراسة بدار مولاي ادريس، قبل أن يتم إفراغ الأسرة من البيت، بسبب عدم تسديد واجبات الكراء، لتنتقل إلى “ديور الخيرية” بباب اغمات.

وبعد حصوله على شهادة الإجارة من كلية الآداب بمراكش، أصبح موظفا مرتبا في السلم العاشر بمؤسسة “ليراك” سابقا، العمران حاليا. وحتى حدود سنة 1996، كان عبد اللطيف أبدوح مجرد موظف بسيط، يعاني نفس معانات جميع الموظفين مثله، ويركب دراجة نارية من نوع “بوجو 103”.
وخلال نفس السنة، والتي كانت سنة الاستفتاء على الدستور، وإجراء الانتخابات السابقة لأوانها، ترشح أبدوح للإنتخابات التشريعية ولم يتمكن من الفوز بالمقعد النيابي، ليدخل غمار الانتخابات الجماعية ويفوز بمقعد ببلدية المنارة-جليز، لينتخب بعدها رئيسا لذات البلدية.
قضى بعدها أبدوح ست سنوات في الرئاسة، وتمكن من الفوز بمقعد في مجلس المستشارين، وبعد انصرام هذه الولاية، كان قاب قوسين أو أدنى من الفوز بعمدة المدينة، لولا الخلاقات التي نشبت بينه وبين القيادي الإستقلالي محمد الخليفة على العمودية من جهة، وبين حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي، واللذان فازا معا على التوالي بالمرتبتين الأولى والثانية في انتخابات 2003 الجماعية.

تمكن عبد اللطيف أبدوح من الفوز مرة أخرى بمقعد بمجلس المستشارين صيف 2006، ولازال حتى الآن عضوا به ويرأس احدى لجانه.
ما بين سنتي 1997 و2003، أصبح عبد اللطيف أبدوح يحتكم على ثورة تقدر بملايير السنتيمات، وتحول إلى أحد كبار المنعشين العقاريين بالمدينة الحمراء، وانتقل من بيته المتواضع بمنطقة أمرشيش، الذي اقتناه من مؤسسة “ليراك” بواسطة قرض بنكي، إلى السكن في “قصر” بالمنطقة السياحية المشهورة “ممر النخيل” التي تضم عشرات القصور والفيلات، لكبار القادة السياسيين العرب والأوربيين، والمشاهير من عوالم السينما، الموضة والرياضة…
خلال الفترة التي تحمل فيها عبد اللطيف أبدوح مسؤولية تدبير شؤون بلدية المنارة-جليز، تمكن أيضا من الاستثمار في مجالات آخرى غير العقار، نظير الحمامات التقليدية، كما أصبح مالك مدرسة خصوصية بحي المسيرة بمقاطعة المنارة، وهي المدرسة التي كان سيشيد عليها عمارات من خمس طوابق، قبل أن يحتج سكان المنطقة ويتحول المشروع إلى مدرسة.
وتختزل هذه المدرسة بعض الطرائف، لا بأس من سردها، ونحن نتحدث عن المال العام، وتفنن بعض المسؤولين في الاستيلاء عليه بـ”القانون”.

كان العقار الذي شيدت عليه مدرسة أبدوح، خصصتها مؤسسة “ليراك-العمران” لبناء معهد للموسيقى، ووضعته رهن إشارة وزارة الثقافة، غير أن الأخيرة لم تعمل على اقتنائه، وبعد مرور أزيد من عشر سنوات، حسب القانون، أمكن للمؤسسة صاحبة العقار أن تعرضه للبيع على العموم.

توصلت مصالح ولاية مراكش، بتقارير تفيد أن هذا العقار، وتسع عقارات أخرى مماثلة بأحياء المسيرة الأولى والثانية والثالثة، لم يتم اقتنائها من الوزارات المعنية، وأصبحت تشكل نقطا سوداء بالمنقطة. وفي أعقاب ذلك، عقدت لجنة الاستثناء، على عهد الوالي السابق محمد حصاد، اجتماعا بحضور جميع المصالح المعنية: الوكالة الحضرية، بلدية المنارة برئاسة عبد اللطيف أبدوح، مؤسسة العمران، على عهد “لهبيل” عامل النواصر حاليا.. وتم السماح لصاحبة العقارات بعرضها للبيع، على أساس، أن تكون المشاريع التي ستقام عليها، قريبة من نفس الأنشطة المحددة في التصميم بالنسبة للوزارات التي لم تقم باقتناء العقارات.

اقتنى أحد المقاولين الكبار المعروفين بالمدينة الحمراء، والمتابع أيضا في ملف أبدوح ومن معه، هذا العقار بثمن لم يتجاوز 400 درهما للمتر المربع، على أساس أنه سينشأ مدرسة خصوصية، ولأن النشاط تعليمي تربوي، قريب من وظيفة معهد الموسيقى، فقد تمت الموافقة على عملية البيع. غير أن هذا المقاول، وفي ظروف غامضة تم الترخيص له من قبل بلدية المنارة التي يرأسها أبدوح، ببناء عمارات، بعدما “تعذر” على المقاول تشييد مدرسة فوق العقار، بمبرر وجود مدرسة خصوصية وثانوية عمومية بالمنطقة، ومن شأن إضافة مؤسسة أخرى، أن يتسبب ذلك في أزمة سير. وهكذا تم السماح للمقاول ببناء عمارات سكنية من خمس طوابق.
حصل المقاول على جميع التراخيص، والموقع عليها هو عبد اللطيف أبدوح رئيس المجلس، إلا أنه لم يعمل على بناء العمارات، حيث قام، في ظروف غامضة، ببيع العقار مرفوق بجميع التراخيص لشخص أخر، ولم يكن هذا الشخص، سوى عبد اللطيف أبدوح، رئيس المجلس البلدي.
انتظر الأخير حتى سنة 2007، وطلب ترخيصا جديدا بالبناء، بالنظر إلى أن رخصة البناء تنتهي صلاحيتها بعد انصرام سنة من تاريخ إصدارها، وتمكن عبد اللطيف أبدوح من الحصول على ترخيص جديد بالبناء من المجلس الجماعي، وشرع في حفر قبو العمارات، قبل أن يتصدى له سكان المنطقة، ويتم توقيف البناء بأمر قضائي. وفي ظروف غامضة، عادت آليات البناء للعمل من جديد، لكن هذه المرة من أجل بناء مدرسة خصوصية، وانتفت الشروط التي من أجلها تم تحويل المشروع من مدرسة إلى عمارات. علما أن أبدوح حصل على ترخيص ببناء مدرسة، بعدما فتحت مدرسة خصوصية أخرى، لتنضاف إلى المؤسستين التربويتين السالف ذكرهما، وانتفت مسألة “عرقة السير”.

كيف تمكن أبدوح من التدرج، في ظرف ست سنوات، من موظف بسيط إلى مليادير؟ سؤال سبق لي أن طرحته عليه عندما كنت صحافيا بمكتب الأحداث المغربية بمراكش، خلال سنة 2007، ورد عليه أبدوح بقوله: لقد سبق وأن أشتغلت سنوات عديدة بمؤسسة ليراك، واكتسبت خبرة في مجال العقار، وتمكنت من كسب المال عبر نشاطي في هذا المجال”. جواب أترك للقارئ المجال للتأمل فيه.
لست هنا بصدد اتهام عبد اللطيف أبدوح بشيء، ولكن أدعو معي كل مهتم بالدفاع عن المال العام، إلى إجراء مقارنة بسيطة، بين عبد اللطيف أبدوح، وخالد عليوة، والتأمل في ملف المتابعة بين النيابة العامة بالبيضاء ومثيلتها بمراكش، وموقف قاضي التحقيق هناك وقاضي التحقيق هنا.

أعترف الآن، وأنا أعيد تقليب النظر في موقفي من قضية متابعة خالد عليوة، أنني أسخر من نفسي، ومن الحماسة الزائدة في المطالبة بـ”القصاص” منه، خاصة وأنا أعيد استحضار ما جاء في بعض الصحف، والحديث عن اقتناء حلويات باسم خالد عليوة المدير العام للسياش… أستحضر ما جاء في تلك الصحف عما اقترفته يد خالد ، وأستحضر معها أسماء وصور بعض الكائنات الانتخابية، هنا في مدينة يوسف بن تاشفين، والتي يوجد من بينها من لا يخطه بيمينه، ومن كان حتى حين، يمتهن حرفا هامشية، ومن كان عاطلا عن العمل ويشحذ اللقمة قبل أن يتحمل مسؤولية تدبير الشأن المحلي، و يصبح من كبار أعيان المدينة.. ومع ذلك لم تتجرأ أية جهة معنية على مساءلته، أو البحث في مصدر ثرواته، رغم أنه معلوم.

كم من عقار بالمدينة الحمراء تم منحه لبعض المستثمرين بثمن زهيد يتراوح ما بين 10 و100 درها للمتر المربع، باسم دعم الاستثمار السياحي، وبالرغم من أن التفويت، كان مشروطا بتشييد تلك المشاريع، إلا أن معظم المستفيدين خرقوا القانون، وقاموا، بعد مرور سنوات طوال، ببيع تلك العقارات بأثمان خيالية مستغلين فورة العقار بمراكش.
ملف تفويت كازينو السعدي، بـ600 درهم للمتر المربع، في منطقة يتجاوز فيها المتر المربع 20 ألف درهم، والذي يتابع اليوم من أجله أبدوح، ومستشارون جماعيون آخرون، يوجد فيه شريط صوتي، يفضح عملية توزيع “الكعكة” بين أبدوح ومستشارين جماعيين قبل تصويت المجلس على التفويت. وقد مرت الآن أزيد من سبع سنوات على الملف، قبل الاستماع إلى ابدوح من قبل قاضي التحقيق تفصيليا صباح الأربعاء الماضي.

أستحضر ملف متابعة عليوة ومعها الحديث عن الحلويات، وتحضرني الجرأة الزائدة لبعض منتخبي مدينة مراكش، وكيف أمكنهم الترخيص ببناء عمارات في منطقة محرمة، لا يسمح فيها ببناء غير الفيلات، وتم تزوير تصميم التهيئة، وأضيفت إليه عبارة “أو عمارات”، وشيدت العمارات ضدا على القانون، وفي حرم الإقامة الملكية “الجنان الكبير” بمراكش، وتقرر هدم العمارات، وتم فتح تحقيق قضائي مع العديد من الأسماء، وسحبت جوازات سفرهم، واستمعت الفرقة الوطنية لعدد من الأسماء المغمورة والمعروفة.. ومع ذلك، وحتى الآن لم يتم إيقاف أو اعتقال أي شخص. بالرغم من مرور أزيد من ثمان سنوات على الشكاية التي سبق وأن قدمها المرحوم محمد الناصري، محامي القصر الملكي، للوكيل العام السابق الأستاذ عبد الإله المستاري.

عديدة هي الشكايات التي سبق للهيئة الوطنية لحماية المال العام بمراكش أن تقدمت بها للوكيل العام، والتي ترتبط بنهب المال العام، والاغتناء الفاحش على حساب أموال مواطني مراكش، إلا أنه وحتى حدود هذه اللحظة، لازالت تلك الملفات تتعثر، ولا أحد حتى الآن بإمكانه التنبؤ بمصيرها، وحدها دروس التاريخ علمتنا أن سارق الدجاجة، في هذا البلد السعيد، تقطع يده من خلاف.

لا أريد، من خلال ما تقدم، اتهام أحد.. كما لا أبحث عن مبررات لخالد عليوة، ولكن أريد فقط إجراء مقارنة ما بين خالد وبعض الكائنات الإنتخابية بالمدينة الحمراء. ولا أريد أن تكون هذه المقارنة بين خالد واسم بارز من منتخبي مراكش، ولكن صدقوني إن أخبرتكم، وأستثني هنا ساكنة مراكش لأنهم على علم بالأمر، أن أصغر كائن انتخابي، هنا، في مراكش، ومن خلال استغلاله لموقعه في تدبير الشأن المحلي، يحتكم اليوم على ثروة، يمكن بها استكمال مشروع نفق أوريكا-وارززات، الذي من شأنه إيقاف حرب طريق “تيشكا” التي تطحن مئات الأبرياء سنويا.

صدقوني إن أخبرتكم، أنه لو تمت مصادرة الأموال العامة المنهوبة من قبل الكائنات الإنتخابية بالمدينة الحمراء، وتم استثمارها في مشاريع تنموية لأمكنها أن توقف شبح العطالة وسط شباب المدينة من حاملي الشهادات وحتى أولائك الذين لا يحملون سوى شهادة طبية تؤهلهم للعمل في “الكرفي”.

صدقوني أأني بعد اليوم، لن أطالب باعتقال أي من مسؤولينا الذين امتدت أيديهم إلى المال العام، وأقول إنني اقتنعت، وآمنت إيمانا لا ريب فيه، بقناعة رمز الحمائم في حزب العدالة والتنمية، عبد الإله بن كيران، و بمقولته الشهيرة:”عفا الله عما سلف”، و لكن أدعو رمز الصقور، كما يحلو للبعض تسميته، في نفس الحزب، وزير العدل والحريات مصطفى الرميد إلى العمل على واجهة أخرى، وهي أن يتم التعامل مع المتورطين في نهب المال العام معاملة مغايرة. أن تتم مصادرة الممتلكات المسجلة باسمهم، هنا في المغرب وخارجه، والمسجلة باسم زوجاتهم وأمهاتهم وأبنائهم القاصرين، و الذين من بينهم من يمتلك عقارات بالملايير، وهو بعد في “القماط”.

إعمال مسطرة من هذا القبيل، لا شك أن حلويات خالد عليوة، ستكون فيها آخر حبة في العنقود. ورحمة الله على الفقيدة زبيدة بنت أحمد، التي أنصفت ابنها خالد وهي على فراش الموت، حتى أمكنه استنشاق هواء الحرية ولو للحظات.

عدالة مصطفى الرميد.. بين حلويات خالد عليوة وثروات الكائنات الانتخابية بمراكش

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة