رمضانيات : سوق اللبادين … تحول الدكاكين إلى بازارات

حرر بتاريخ من طرف

رمضانيات : سوق اللبادين ... تحول الدكاكين إلى بازارات
 
اللبدة هي تشابك شعيرات الصوف فيما بينها ومزجها بالماء والصابون الأسود (البلدي)، ثم فركه بقماش مبلل يمزج بالماء والصابون حتى تصير جزرا واحدا أو قطعة واحدة، بعد غسل المتوج الملبد يمكن أن يصبغ أو يحتفظ بلونه الأصلي بعد أن يعرض لأشعة الشمس ليجف، لا يعرف بالتحديد أصل هذه المهنة والتي يبدو أنها من مخلفات الحضارة العثمانية بدول جنوب البحر الأبيض المتوسط ومن هنا يبدو أن ممارسة هذه الحرفة تفوق 100سنة من الأقدمية.
 
كان عدد الصناع يتجاوز60 صانعا إلى أن تقلص العدد ليصل 4 صناع فقط.
 
يقول أحد ” لمعلمين” القدامى:” تتأثر هذه الحرفة بالتقلبات المناخية حيث تفوق نسبة الكسور أحيانا27 في المائة من وزن الصوف الذي يتأثر بالرطوبة خلال فصل الشتاء، مما يؤثر على وزنها صيفا بعد تعرضها للحرارة مما يؤثر على هذه المادة ذات الأصل الحيواني.ويتراوح ثمن الصوف بعد خضوعه لكل العمليات ما بين”6 و35 درهما حسب الأنواع التي يحددها أحد الصناع في: “صوف الواد، حلوانة، العطارية، اللباطية، دزة ودحة، الدزة المغسولة، البر وال وصوف الرأس…”
 
ويستغرق مدة إنجاز لبدة واحدة من حجم(1، 100م)×(1، 10م) يوما واحدا، ويغلب على هذا المنتوج الطلب من طرف مستعملي المنتوج إماّ للصلاة كسجاد أو استعمالات أخرى كعنصر ضروري لصناعة السروج، أو الطربوش الأحمر في الزي الرسمي التقليدي.وتعاني هذه الحرفة من مضايقة بعض المنتوجات المستوردة والمصنعة بطرق ممكنة.
 
وهي حرفة في طور الانقراض حيث لم يبق في مدينة مراكش إلا  ثلاث معلمين لبادين: الأول يزاول حرفته بسوق اللبادين في دكان هو الوحيد الذي لا زالت تمارس فيه هذه الحرفة بينما تحول الباقي إلى متاجر لبيع منتوجات الصناعة التقليدية (بازارات). المعلم الثاني يشتغل في منزله. و المعلم الثالث الذي استجوبناه له محترف بمجمع الصناعة التقليدية بمراكش.
 
يقول المعلم ( ب ل ) إنه أخذ اللبادة عن معلم من أسرة تنحدر من سجلماسة بواحة تافيلالت مارست هذه الحرفة لأجيال متعددة، قدم أحد أجدادهم المتقدمين مهاجرا إلى مراكش بسبب قضية شرف. ذلك أن هذا الشخص كان يملك حديقة نخيل في بلده و وجد في أحد الأيام سارقا يجني ثمار إحدى نخلاته  فانتهره، لكن السارق أجابه باستخفاف “حتى الدجاجة أصبحت تجيد الركل”. عندها أحس المالك بالإهانة و قرر بيع أملاكه و النزوح إلى مراكش حيث استقر ممارسا لمهنة اللبادة التي أورثها لأبنائه و حفدته.
 
يضيف المعلم ( ب ل) أنه حتى نهاية الستينات من القرن الماضي كان عدد المعلمين اللبادة يناهز الأربعين وأن عددهم كان أكثر قبل ذلك. في أيام العز هذه كان زبناء الحرفة من علية القوم : قياد، تجار، فقهاء، كبار الفلاحين. و كان اللباد من رواج حرفته و سلعته يملك الأراضي و العتبات و الدكاكين. و يحكى أنه كان يجمع أمواله من سكة “الحسني”  في “الشواري”  و أنه لتهافت الناس عليه يطلب من الزبون أن يمهله أياما حتى يهيئ له طلبه في الوقت الذي تكون نسخ من المطلوب متوفرة في دكانه.
 
أما الآن لم يعد هناك مستعملون لمنتوجات اللبادة. يحكي المعلم ( ب ل) أن أحد زملائه صنع لبدة و لكن لم يتقدم أحد لشرائها فبقيت في دكانه حتى أصابتها القرظة (التونيا). فقد كان من زبناء الحرفة التقليديين مستعملو اللبدة كفراش لأداء الصلاة. أصبح هؤلاء يفضلون السجادات المنسوجة التركية الأصل لأنها أخف وزنا و أكثر مقاومة و أقل حجما و تكلفة. وهناك من الزبناء من يستعمل”الترشيح” و “العراقية” كواقيات على ظهور الخيول و البغال.
 
لكن زبناء الحرفة الأساسيين ضعفت و شحت مواردهم المالية و قوتهم الشرائية منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي بسبب توالي سنوات الجفاف. و أيضا قل مستعملو الطرابيش التقليدية التي ينتجها اللباد، لأسباب ثقافية تكمن في عصرنة المجتمع و تأثره بالنموذج الأوروبي في اللباس.
 
و يتكون فريق اللبادة عادة من معلم وصناع و متعلمين. فالمعلم هو صاحب الدكان، مالك رأس المال و مرجع الحرفة و الخبرة. يزاول الصنعة أحيانا إضافة إلى إدارة محترفه و أحيانا يكتفي بالتسيير : شراء المادة الأولية، مراقبة الصناع ، بيع المنتوج، التواصل مع الزبناء…
 
الصانع أكمل تعلم الحرفة منذ مدة، يتقن الحرفة و لكنه لا يتوفر على الموارد المادية أو المهارات السيكولوجية الضرورية للاستقلال بمحترفه الخاص.
 
المتعلم :يكون مبدئيا صغير السن حديث عهد بالحرفة، يتدرج في التعلم و تلزمه في المتوسط حوالي عشر سنوات ليتقنها و يصبح صانعا.
 
المعلم (ب ل ) يشتغل غالب الوقت بمفرده و يساعده أيام العطلة الصيفية متعلمان و هما شابان يتابعان دراستهما في الثانوي و يشتغل معه أقدمهما و أفضلهما منذ سبع سنوات بمعدل شهرين كل سنة.
 
ويعد الصوف من أهم المواد الأولية الضرورية لهذه الحرفة، و هو ثلاثة أنواع :
صوف “الدزة”، أفضل هذه الأنواع، و هو صوف يؤخذ من فوق ظهر الأغنام الحية مرة كل سنة في الفترة ما بين نهاية إبريل و بداية ماي،
الصوف اللباطية و هي التي يقتلع اللباط من على جلود الأغنام المذبوحة (“البطاين”)،
الصوف العطارية و هي صوف سبق أن استعملت كحشوة للفراش مثلا فيعاد استعمالها كمادة يشتغل عليها اللباد.
 
الصابون “البلدي” : يخلط مع الماء للحصول على محلول صابوني تعالج به قطع الصوف.
أما أدواتها فهي:
 
 الطبلة و هي طاولة خشبية مربعة يبلغ ضلعها حوالي 1.50 متر. ترتفع بحوالي 5 سنتيمترات على الأرض بفضل أرجل قصيرة و عريضة. حين يجلس الصانع مباشرة وراء الطبلة على الأرض تكون المادة التي يشتغل عليها في متناول يديه.
 
القوالب : مجسمات من الطين تستعمل لصناعة الطرابيش و البلغات توضع عليها المادة المراد تصنيعها لتأخذ الأشكال المطلوبة.
 
 القياس : وهي عصية خشبية يبلغ طولها نصف متر تقريبا تستعمل لضبط القياسات حسب الأبعد المطلوبة.
 
الحلاب : إناء طيني يخلط فيه الماء و الصابون “البلدي” للحصول على محلول رغوي يعالج المادة الأولية.
 
اللبدة : فراش مستطيلي الشكل طوله 1 إلى1.10 متر و عرضه ما بين 0.8 و 1 متر، يفترش كغطاء للأرض تؤدى فوقه الصلاة أو يستعمل كفراش إضافي يجلس عليه مستعمله فيوفر له الدفء و الملمس الرطب. هناك أيضا لبدات بمقاسات أكبر تستعمل لتغطية فضاء يخصص لصلاة جماعات محدودة العدد.
 
العراقية : لبدة لها شكل إهليج يبلغ طول محوريه 1 متر و 0.80 متر، توضع فوق ظهر البغلة كفراش نظيف و مريح يكون للراكب تماسا لينا و للبغلة رداء يتشرب بالعرق الذي يخرج من جسمها إثناء الحركة.
 
الترشيح : يتكون من 7 إلى 10 لبدات تبلغ أبعاده 1 و 1.10 متر، ذات ألوان مختلفة ، تكون اللبدة السفلى  بيضاء و العليا حمراء. تجمع اللبدات بخياطة و بقطعة جلدية تجمع أطرافها الأمامية. توضع فوق ظهر الحصان ثم يوضع فوقها السرج فتنقص من حدة احتكاكه بظهر الفرس، و تتشرب بعرقه كما توفر في نفس الوقت مجلسا لينا و رطبا للراكب.
 
 الطرابيش التقليدية ذات “قبوشة” في الأعلى و التي تتدلى على جانبها “شوشة”، تستعمل  لتغطية الرأس. كانت تميز شرطة المخزن و موظفيه.
 
الطرابيش العصربة بمختلف أشكالها.
 
غطاء العنق le châle .
 
القفة الصوفية.
 
بلغة للاستعمال داخل المنزل لتسخين الأرجل في ليالي البرد القارس.
 
وتتم عملية التصنيع بتهييء الصوف فيؤخذ الصوف من أحد الأصناف التي تقدم ذكرها فيغسل جيدا بالماء وحده ؛ إذا غسل بالصابون أو “تيغيغشت” تفقد شعيراته تشعباتها و يصبح غير صالح لصنع لبدات جيدة. ينشر في الشمس حتى يجف ؛ يكفي لذلك يوم واحد أيام الصيف بينما تزداد مدة النشر كلما كان الجو رطبا و باردا. هذا العمل تقوم به نساء متخصصات قبل أن يتسلمه اللباد نظيفا و جافا. يعيد متعلم اللباد تنقية الصوف المغسول الجاف من الشوائب التي قد تعلق به. ثم يقوم بضربه بقضيب خشبي حتي تتفرق خيوطه وتقل كثافته؛ وتسمى هذه العملية “التقطاب”. يعاد إلى النساء اللواتي تعالجنه “القرشال” لكي يصبح ناعما متشعب الشعيرات. و” القرشال”  زوج قطعتين خشبيتين مربعتين، يبلغ ضلعها حوالي 15 سنتيمتر،  تبتت على مجمل وجهها مسامير صغيرة متقاربة. توضع قطعة من الصوف على الوجه الذي تبتت عله المسامير و تبدأ المرأة في حكه على الوجه المماثل له من فردة القرشال الثانية و هكذا تستمر قطعة الصوف تنتقل من فك إلى آخر حتى تصبح رطبة و قليلة الكثافة.
 
ولتصنيع المنتوج يجلس الصانع على الأرض و يضع “الطبلة” أمامه، يأخذ قطع الصوف المهيأ و يصففها جنبا إلى جنب حتى تكون طبقة أولى بأبعاد المنتوج المبتغى صنعه. يضع فوقها طبقة ثانية ثم ثالثة. يخلط المتعلم الماء و الصابون “البلدي” في الحلاب بواسطة قطعة ثوب صوفية بالية تسمى “الكدوار” حتى يحصل على محلول صابوني برغوة كثيفة. يبدأ الصانع عملية “سقي” الصوف المرصوص فوق الطاولة حيث يعصر فوقه “الكدوار” المشبع بالمحلول و يمرر يديه على أعلى الفرشة الصوفية ليدخل المحلول في الصوف. يعيد العملية مرات يكون عددها أكبر كلما كان الصوف المستعمل أحرش.   يضيف الصابون مباشرة بحكه بيده فوق المادة و يرشه بقطرات من الماء و يضغط بيده لكي يتشرب الصوف بالصابون المضاف. يتوقف عن إضافة الصابون عندما يتبين أن المادة قد تشبعت به.

ياخذ “كدوارا” يابسا و يبدأ عملية حك وجه اللبدة. يقلبها بعد ذلك و يحك قفاها بنفس الطريقة. إذا تبين له أن اللبدة استوت يبدأ بعصرها حتى يخرج منها أكبر قدر ممكن من الصابون.

يدورها و يلولبها بعد ذلك و يتركها بضع دقائق على هذا الحال لكي تشد شعيرات الصوف المعالج بعضها ببعض ؛ و تسمى هذه العملية “العقير”. يعيد تسريح اللبدة فوق الطاولة و يساعده الصانع على “تجبيد” أطرافه حتى تأخذ شكل المنتوج المطلوب ؛ و تسمى هذه العملية “النتير”. تبدأ بعد ذلك عملية السقي بالماء. تؤخذ اللبدة قرب أنبوب ماء و توضع على سطح الأرض.

تطوى مرة واحدة و يقف الصانع فوقها. يسكب الماء تدريجيا و يتحرك ماشيا فوقها من جهة إلى أخرى ضاغطا برجليه ليخرج الماء و الصابون المشبعة بهما. يتابع العملية حتى يخلص اللبدة من الصابون نهائيا فيقال أنها “صفت”. تعلق على خشب حتى تفقد ما علق بها من ماء.تنشر في فناء مشمس حتى تجف. تدفع للصباغ إذا كان الزبون يرغب في لبدة مصبوغة. يعاد غسل اللبدة بالطريقة أعلاه. توضع اللبدة المغسولة و المجففة فوق “الطبلة” و يعاد “تجبيد” أطرافها حتى تأخذ الشكل المطلوب. تطوى على أربع و توضع على طاولة أولى تقلب فوقها أخرى و توضع على هذه الأخيرة أحجار وازنة.

تترك هكذا يومين أو ثلاثة لكي تصبح سهلة الطي فتسلم للزبون. يبيع المعلم ( ب ل ) منتوجاته مباشرة للزبناء الذين يزورونه في دكانه بمجمع الصناعة التقليدية أو بالمعارض المحلية و الوطنية التي يشارك فيها أحيانا.  ولكي لا تنقرض اللبادة ـ يقول المعلم ( ب ل ): يجب التوفر على متعلمين محفزين يثقون بأنها ستؤمن لهم مستقبلا فيتابرون على التعلم بجدية ليتشربوا أسرار الحرفة.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة