رشيد الصباحي يكتب: المدخل إلى اﻟﺳﱢﻠْم الإجتماعي بالمغرب

حرر بتاريخ من طرف

منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش المغرب في 30 يوليوز سنة 1999، والمجتمع المغربي يبحث عن صيغ متعددة لإقرار السلم الإجتماعي في فترة كان على المغرب فيها أن يؤكد انخراطه في دعم ما بدأ يُعرف في ذلك الوقت بالعهد الجديد، خصوصا مع ظهور بعض المفاهيم التي ارتبطت ببداية فترة أخرى من فترات الحكم في المغرب، إذ أنه مع تولي جلالة الملك محمد السادس الحكم بالمغرب ظهرت بعض المفاهيم والمصطلحات التي رأى فيها المجتمع المغربي مرحلة تغيير قد يقود إلى تطوير الحياة وتنمية المجتمع من بينها على سبيل المثال المفهوم الجديد للسلطة، ربط المسؤولية بالمحاسبة، الشخص المناسب في المكان المناسب وما بات يعرف أيضا بالعدالة المجالية المرتبطة بالعدالة الإجتماعية.

وانخرط الشعب المغربي بصفة عامة بمختلف مكوناته الاجتماعية في مرحلة هدوء وهو ما اعتبر في ذلك بالسلم الإجتماعي كان يرى فيه البعض فرصة للحكومات المتعاقبة على إيجاد الحلول للعديد من المشاكل التي كان يتخبط فيها المجتمع المغربي والإقتصاد المغربي كذلك، من بينها التكوين والتعليم والتشغيل، وهي المشاكل التي ظلت قائمة إلى اليوم، وظل هذا الهدوء الذي هو سلم إجتماعي قائما وساري المفعول بتلقائية وعفوية من المجتمع المدني المغربي، رغم بعض الانتفاضات التي فرضتها ظروف معينة، والتي لم تكن سوى انتفاضات ظرفية بسبب أوضاع ظرفية.

وإلى غاية سنة 2011 ومع مصادقة الشعب المغربي على دستور فاتح يوليوز، وتنظيم الانتخابات البرلمانية يوم 25 نوفمبر من نفس السنة، والتي أفرزت حصول حزب العدالة والتنمية على أغلب مقاعد مجلس النواب والمغاربة ينخرطون في سلم اجتماعي لم تعكر صفوه سوى انتفاضة 20 فبراير سنة 2011 التي عبر فيها المغاربة عن عدم رضاهم عن الوضعية الإقتصادية والإجتماعية وطرق تدبير الشأن العام، تماشيا مع أوضاع العالم العربي أو ما عُرف بالربيع العربي، أو الربيع الديمقراطي.

وعندما تقلد السيد عبد الإله بن كيران مقاليد تدبير الشأن العام مع ما حمله الدستور الجديد من إصلاحات جوهرية في بعض المجالات، وما حمله من صلاحيات لرئيس الحكومة، شرع هذا الأخير في مباشرة إصلاحات لم تكن سوى الفتيل الذي أشعل النار في أوراق كان من الممكن أن تبقى راكدة هامدة، ومن هنا تكسر ذلك الجدار الذي هو جدار السلم الإجتماعي وبدأت الإنتفاضات والإحتجاجات مستمرة هنا وهناك، وأصبحت مدينة الرباط وقلب شوارعها الكبرى محط اهتمام وسائل الإعلام الوطنية والدولية لما شهدته من احتجاجات يومية أصبحت من مكونات الحياة اليومية لهذه المدينة، علاوة على تلك الإحتجاجات التي كانت تشهدها المناطق النائية والتي لم تعرف من التنمية سوى القشور إذا كانت هناك قشور، فهناك بعض المناطق التي لم تشملها التنمية بأي حال من الأحوال وظلت مُقصاة ومهمشة مما أدى إلى ساكنتها إلى الإنتفاضات والاحتجاجات على ما يجري.

ولم تكترث الحكومة الأولى ولا الثانية ولا تلك التي هي بصدد القيام بعملها الآن برئاسة الدكتور العثماني لهذه المطالب والانشغالات، وظلت انشغالات الشعب المغربي حبيسة الخطب الملكية في المناسبات المختلفة حيث عبر جلالة الملك في كثير من المناسبات عن انشغاله بالوضعية الإجتماعية التي كانت تؤطرها الاحتجاجات والانتفاضات وعدم الرضى مع ارتفاع وتيرة البطالة والإجرام وكل مظاهر الإنحراف التي تكسر مبدأ السلم الإجتماعي، وتلعب على نمط آخر من الحياة أو من الممارسة وهو نمط الإحتجاج وعدم الرضى والإضراب في القطاع العام والخاص الذي كانت تدعو إليه و تخوضه المركزيات النقابية في محطات عديدة.

واليوم بعد 18 سنة من حُكم جلالة الملك محمد السادس يرى المغرب نفسه في وضعية تدعو إلى إيجاد صيغة مناسبة لإعادة هذا السلم الإجتماعي أو كما سمينا ذلك في عنوان “إلى مدخل مناسب يؤطر سلما اجتماعيا يطلبه المغاربة جميعا”، ذلك أن الكل يعلم أن المجتمع المغربي هو مجتمع مسالم إذا وفرت له الظروف، وأعطيت له الإمكانيات، فأي مدخل مناسب لهذا السلم الإجتماعي؟.

إن المدخل الأساسي من بين المداخل الكثيرة التي قد تؤدي إلى سلم اجتماعي وهدوء يساعدنا جميعا على بناء المجتمع المغربي المتطور النامي، هو أن انعكاف الحكومة على ممارسة أدوارها في إيجاد الوسائل المناسبة التي تضمن للشعب المغربي الكرامة والحرية والعيش المناسب دون تمييز بين الأشخاص والمناطق والجهات، ولعل الخطاب الملكي الأخير لذكرى ثورة الملك والشعب قد وضع بعض الأسس لهذه الوضعية المرتقبة، والتي ننتظرها جميعا كما أكد عليها أيضا خطاب عيد العرش في 30 يوليوز الماضي.

إن التصالح مع الشعب يقتضي إيجاد الوسائل وضمان الشروط المناسبة التي تمكن من العيش الكريم وتعطي لكل ذي حق حقه دون تمييز ولا تفاضل، ويبقى الأساس في ذلك ونقطة الإرتكاز الشباب. إن وضعية الشباب في حالتها الراهنة لا تعطي أي ضمان لمجتمع مسالم أو لسم اجتماعي، فما دام الشباب لا يجد منفذا للعمل، وما دام الشباب لا يجد مكانا آمنا للتعليم والتكوين المناسب، وما دام الشباب يلتجأ إلى الانحراف والإجرام، فإن مجتمعنا بعيد كل البعد عن ما يعرف بالسلم الإجتماعي.

لقد عرف المغرب العديد من الإحتجاجات كانت آخرها احتجاجات الريف وجرادة وزاكورة وغيرها من المناطق المغربية، وقد حاول جلالة الملك في الأيام الأخيرة من خلال قرارات وإجراءات عملية أن يخفف من وطأة هذه الوضعية، وما خطوة الإفراج عن عدد من نشطاء حراك الريف إلا دليل على أن هذه الخطوة، لا يمكن أن تكون إلا إيجابية في أفق مرحلة واضحة.

واعتبارا إلى أن المؤسسات الدستورية المغربية، تعمل كل حسب صلاحيتها، فإن الحكومة مدعوة إلى تفعيل المبادرات الملكية والتوجيهات الملكية لفائدة المجتمع الذي لا يمكن أن يكون ناجحا دون سلم اجتماعي مستحق، ومستحق هنا تدل على أن لكل ذي حق حقه، فالحكومة تقوم بدورها والشعب يقوم أيضا بمهامه في إطار التوازن بين الحقوق والواجبات، وإن الأمل في أن يفتح الحوار الإجتماعي المرتقب آفاق جديدة من أجل صياغة توافقات تضمن لكل مكونات المجتمع ما يمكنها من الحياة الكريمة العادلة التي ستخرجنا من النفق الذي نعيش فيه والذي نرجو أن نخرج منه أقوياء كما كنا في عهود سابقة.

الحكومة والشعب مؤسستان دستوريتان رمزيتان وبصفة خاصة، رمزية الشعب، ذلك أنه رمز السيادة الوطنية وأساسها، انطلاق من مفهوم السيادة في القانون الدولي، ومن دون ضمان حقوق الشعب لا يمكن أن نضمن لهذا المجتمع وجودا واستقرارا واستمرارا.

تحرير: رشيد حدوبان/ رشيد الصباحي

رشيد الصباحي

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة