رجاء قيباش تكتب: “الهاشتاغ” صرخة رقمية تقرع جرس الاحتجاج

حرر بتاريخ من طرف

” إن معرفة فن التأثير على مخيلة الجماهير تعني معرفة فن حكمها ” / ( جوستاف لوبون Gustave LE BON ).
– هل فعلا الثورة الرقمية تساهم في رفاهية البشر أم هي ستار يحجب جانبا مظلما ينذر بالمخاطر؟
– هل كلما ازدادت تقنيات الاتصال تطوراً وتعقداً ازداد العالم انشطارا؟
____________________________

إن دول العالم أقرت مبدئيا بأن الأجواء المشحونة و التغيرات الجيوسياسية و الاجتماعية المتزايدة التي تعيشها ، تقع جراء التدرجات الانتقالية من الأفكار الكلاسيكية ، رغم اتسامها بالعقلانية و المنطق – على ما يبدو – و هطول وابل من المعتقدات و القناعات المتجددة على الوعي الجمعي ، لكنها ، عمليا ، منبثقة عن ظروف معيشية غير متوقعة و متقلبة ، يتم التحكم فيها بواسطة ثورة اتصالات عالمية ، تُضفي صفة ما أطلق عليه “إيثان زوكرمان Ethan Zuckerman” : “الكونية الرقمية “، على أسلوب إدارة المجتمعات ، و تلعب دورا محوريا في عصر يشهد تمرد التواصل البشري على الحدود الجغرافية و السكانية.

نحن نعيش في حقبة باعثة على الاهتمام و مثيرة للجدل ، نتيجة تطور بشري متعاظم ، يواكبه تقدم هائل في سرعة انتشار الأخبار، وإمكانية تبادل الآراء ووجهات النظر، مهما اختلفت مشاربها ، فبين السخرية و التعبير عن حالات الحصر النفسي و النكتة العدائية و نقد الواقع، تتأرجح وسائل لفت النظر إلى قضية ما ، سواء بدعمها أو نقدها ، حيث يكفي إطلاق اقتراح ، ليصل بسرعة البرق إلى جميع بقاع العالم ، باستعمال الوسم أو علامة المربع أو ما يتداول ب ” الهاشتاغ Hashtagh ” على أي كلمة تبدأ بإشارة (# ) كي تصبح موضع نقاش مفتوح بين الناس، حيث بدأ استخدامه لأول مرة على موقع “تويتر Twitter ” بطريقة عفوية في تغريدة ل “كريس مسينا Chris MESSINA”سنة 2007، و اكتسى هذا الرمز ، بعد ذلك ،صبغة عالمية للتعبير عن المواقف عبر مختلف المنصات الاجتماعية.

لا يمكن أن ننكر ، أنه أضحى باستطاعة الأنترنت أن يكون من أهم الأنزيمات المحفزة للثورات عن بعد ، من أجل إرساء حوار سلس و ميسر بين المواطنين و الحكومات ، ما بين مؤيدين و مستنكرين لقضايا شائكة ، متأثرة بالانحيازات النفسية للأفراد التي تهدد المبادئ المؤسسية العامة ، لأنها قد تتركز في مواقف تتبنى ما يسمى ب ” مبدأ الهالة ” ، كسلوك (عادةً ما يكون غير واعٍ) إذ هو نوع من التفاوت في الحكم الفوريّ، أو في التحيز المعرفي من ناحية ، و كتقييم فرديّ يمكن أن يؤثّر على انطباعات القرارات، التصرّفات الفردية خاصة ، والكيان الاجتماعي عامة من ناحية أخرى .

و إذا نظرنا إلى التحقيب الزمني نجد أن تاريخ الاحتجاجات ينقسم إلى مرحلتين :مرحلة أولى اتسمت بقيادة مؤسسات ماكرواجتماعية ( المؤسسة العسكرية ، الأحزاب السياسية ، الطبقة الأنتلجنسية …) ، تليها مرحلة ثانية يكون فيها الاحتجاج نابعا من فعاليات فردية ، تتحول فيما بعد إلى قوة تعبوية / احتجاجية جماعية .

وفضلا عن هاجس التغيير، يهتم الاحتجاج بعنصر لا يقل عنه أهمية و هو عنصر الاستمرارية، و هذا ما يفتقده – إلى حد ما – الاحتجاج الرقمي ، نظرا لاستجابته غالبا لإغراءات ” أنترنيتية” لا عقلانية ، توجه المجتمع الرقمي نحو إصدار أحكام انفعالية لحظية حول مظالم أخلاقية و ثقافية و سياسية ، كمظهر بارز للمطابقة الاجتماعية ، و الانسياق خلف تأثيرات طائفية أو عصبية أو عشائرية ، و هذا ما سماه البعض” بسلوك القطيع” ، الذي يسبح عكس تيار “التوافق الاجتماعي” المبني أساسا على ردود فعل الأفراد نتيجة شعورهم بالأمن الاجتماعي أو افتقاده.

من المعلوم أن حماية المجتمعات من استشراء “الفيروسات الحياتية” بشتى أنواعها ، مرتبط –أساسا- بتقوية المناعة الأخلاقية للأفراد، لأن القيم الأخلاقية كما أثبتت الدراسات الأنتروبولوجية المعاصرة ، تجد صعوبة في الصمود أمام النزعة الأنانية و الحاجات الغريزية في غياب التمتع بالحصانة الذاتية و عدم الالتزام بعقد إنساني أبرز بنوده الحق في الأمن ، و من تم الافتقار لأبسط مقومات التعايش السلمي و سيادة زمن ” السيبة” .

على رأي ” آلان تورين Alin TOURAINE: ” يجب أن نترك الهدوء المطمئن للطوباوية و النبوءات ، كي ننزل إلى الحركة المقلقة ، و لكن الحقيقية ، للعلاقات الاجتماعية ” .

ذة رجاء قيباش / شاعرة / كاتبة / إعلامية / باحثة في علم الإجتماع /كوتش أسري و تربوي / مدربة معتمدة في التنمية الذاتية .

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة