خلوقي يكتب: من المسؤول عن ثقافة الشطح والنكح والذبح..؟       

حرر بتاريخ من طرف

قال الشاعر جميل الزهاوي.. إِذا بيئةُ الإِنسانِ يوماً تغيَّرَتْ ** فأخلاقُه طِبْقاً لها تتغيرُ.

هذا البيت الشعري يوجز في بلاغة جلية، ومنطق واضح وفاضح للعلاقة السببية والتفاعلية بين بيئة الانسان واخلاقه، وتأثير الواحد في الاخر.

من هذا المنطلق، نتساءل عن اسباب بعض المتغيرات التي لحقت منظومة القيم والسلوك والفكر في مجتمعنا العربي عامة، بحيث بدأت تتسلل الى ثقافتنا بعض الانحرافات و الممارسات السلوكية المشينة والغريبة عن اعرافنا، لم أجد لها من توصيف الا بعض العناوين الشديدة الرمزية مثل : النطح ، والجرح ، والشطح ، والنبح ، والنكح والذبح.

والواقع ان هذه المتغيرات السلوكية والفكرية اضحت تمس بالخصوص، فئة من شبابنا العربي، ممن تُركُوا دون قيادة او توجيه فكري سليم، أو تأطير ديني او حزبي سديد ، بحيث صارت شريحة منهم تتخبط، وسط ظلام من اليأس والاحباط.. وتجوب شوارع من الضلالة والتيه ،فتتخطفها مخالبُ التطرف، وتفترسها أنياب الاجرام والانحراف .

واذا حاولنا البحث عن الجهات المسؤولة عن هذا الوضع ، سنجدها كثيرة ومتشعبة، منها الظاهر و الخفي، والقريب والبعيد، والتابث والمتحول ،ولا تستطيع هذه السطور ان تحيط منها الا بالنزر القليل ، ويمكن من باب التمثيل لا الحصر ، ان نشير الى بعض الجهات التي تخلت عن مسؤولياتها تجاه الفرد والمجتمع ، فساهمت في تعميق الازمة ،وفي ظهور هذه الانحرافات ، ونذكر من ذلك :

1- تراجع الاسرة المعاصرة عن مسؤولياتها الجوهرية :
بحيث بدأت تفقد زمام التربية السليمة والتنشئة المتوازنة ، وانشغلت عن تربية ابنائها بصراعها اليومي المرير من اجل توفير الماديات ؛من مأكل و ملبس و مسكن وهواتف وسفريات  و… ،ونسيت  أوتناست ،وسط زحام الحياة، وظيفتها الحقيقية ،ورسالتها الجوهرية،وعلى راسها فن المحاورة ، وصدق المصاحبة ،و دقة المتابعة ، ويظهر ان ظروف العيش ومطالب الابناء ،أتعبت الاسر ، فاكتفت امام هذا الوضع بالجهد الاقل، والخاضع للظروف والمناسبات ،كاصدارها لبعض الافعال والاقوال والوعود والتوعدات تتراوح بين : النصح والفضح والقدح والنطح .

٢- تقزيم دور ومسؤولية المدرسة
فهذه الاخيرة تحولت الى محبس مكاني وزماني ، أكثر منه مجالا للتربية والتعليم ..فلم يعد فضاءُ مدارسنا يستهوي الطفل والشاب للاستمتاع والاستفادة من برامجها، وطرق تدريسها ، لانها صارت عقيمة وعجفاء لا تدر على النشئ كبير نفع ، وعوض ان تحسن من مستواها نجدها تغطي فشلها وعجزها بالنبح، من اعلى السطح ، أو تعاملُ النشئ باسلوب يتراوح بين : القدح والنطح والصفح . .

٣ تمييع دور ومسؤولية الاعلام

فإعلامنا قد زاغ عن اهدافه الجوهرية، كالتواصل و التوعية ، والتوجيه والتثقيف ، وانْساقَ وراء اشباع حاجيات الجسد من غناء و رقص وأكل وموضة ، بل استوطنه جيش من المرتزقة، فاقدي البصر والبصيرة .فتساهلوا مع الميوعة، وأصَّلوا  لثقافة الشطح والردح والنبح ،دون ان  ينجحوا  في تقديم اضافات فريدة ومتفردة ووازنة للمجتمع ولمنظومته الثقافية والقيمية والسلوكية .

٤- موت ضمير المسؤولية عند رجال السياسة والاقتصاد ،
فهؤلاءالقوم ، للاسف ، صاروا عُقَّرا ، ولم  تعد عقولهم الصغيرة قادرة على إنجاب افكار كبيرة ، أوحلول جديدة ، بحيث ان رصيدهم من التدبير والابداع ، قدتجمد ونفد من زمان ، فما عادوا يتقنون الا التهافت لاقتسام الكعكة، واكل الحلوى ،وتدريب حناجرهم على الصياح والنباح والصراخ .

وامام هذا التنصل -المقصود او غير المقصود- عن تحمل هذه الجهات لمهامها ولمسؤولياتها ، فان المشهد صار مقلقا ومخيفا ..ولهذا لا يجب ان نستغرب حين  نفيق ، في ليلة  حالكة وباردة، على وقع جرائم النطح والنكح والذبح ، وهي تمارسُ علينا وعلى غيرنا، من طرف اخطاء بشرية ، همشتهم الاسرة ، وطردتهم المدرسة، وخدرهم الاعلام ،ومصهم السَّاسة ، فأشهروا في وجوه الابرياء سيوف القتل ، ومخططات السَّحْل ..نعم لا يجب ان نستغرب اذا وجدنا أنفسنا وسط العراء، وأمام أعداء من بني جلدتنا ، يحقدون على الكل ..وينتقمون من هذا المحيط الذي همشهم ،بقصد او بغير قصد .. ولَم تقدم  لهمالتنشئة السليمة .. سنجد جيشا من الشباب وقد تسمَّر بعضهم على نواصي الدروب وعيونهم كلها شر وغدر، او استرخوا فوق كراسى المقاهي يتصيدون ضحاياهم الضعفاء والأبرياء بسيوف مسلولةٍ  للسلب والنهب والاغتصاب .. وسنجد فوجا آخر قد تسلل اليه اليأس من جدوى وفاعلية العيش وسط هذا النوع من المجتمع ..فينسلخ من احلامه وآماله ،وينعزل ، ويقوي في دواخله مشاعر الكره والنقمة على الحياة، فيصير عاشقا ومحبا لكل عناوين الموت ،والانتحار ،والتفجير والانفجار ، والنطح ، والذبح ، بل يعتقد جازما ان كل من يخالفه التصور والراي او المعتقد ، هو عدو  وكافر وطاغوت وذيوت ، لا بد ان يقهر   ويدمر ويفجر  ،وينطح  ، ويذبح .

تحركات مستعجلة

أَمام هذا المشهد المرعب ، إن لم يتحرك كل واحد منا من موقع مسؤوليته -كيفما كان حجم هذه المسؤولية – فان سيْلَ التدمير  سيتعالى وسيغرق الكل .. وسنفتقد  معه طعم السلم الاجتماعي .. ولن يستلذ لا الفرد والمجتمع بطيب الحياة والعيش.

لهذا من واجبنا  الاهتمام بالشباب ، ومن قبل ذلك العناية بتنشئةالأطفال ..لابد ان نعتقد ونجتهد ثم ننفذ ؛ نعتقد ان صلاح المجتمع في صلاح ابنائه ( ذكورا واناثا ) ، وأن البناء الحقيقي ليس في العمران الشاهق ، واللباس الرائق ، والعناية بالمظاهر الخادعة .. بل ان تجليات العمران الحقيقي تكمن في حسن تربية النشئ .. وغرس قيم الحب والاحترام والتسامح ،والتعايش ،وفعل الخير وإحقاق العدل ، ومحاسبة النفس .مع ضرورة الاجتهاد في ابتكار طرق للتقويم والإصلاح والبناء على نهج قويم وسليم ..ثم ننتقل الى التنفيذ من خلال التكليف والدعم والمحاسبة ، اي ان الكل مكلف ومسؤول  من موقعه و مجاله :الاسرة لها دورها ومسؤوليتها في التربية والاعداد ، والمدرسة كذلك لها مسؤوليتها في التكوين والتربية ، واهل الفكر والثقافة والاعلام لهم نصيبهم من هذه المسؤولية، بالعمل على خلق النسق والنظام ، وتجفيف منابع الفكر المتطرف بالتواصل الصادق والمحاججة الشرعية والفكرية ، واحترام حقوق الفرد وكرامته ، واهل السياسة والاقتصاد مسؤولون كذلك عن حسن تدبير الازمات ،وابتكار الحلول  والانفراجات، وتوفير مناخ الكسب الشريف لكل شرائح المجتمع، ومحاربة كل مظاهر الفساد والتفرقة .

والحقيقة الأشد إيلاما ،اننا  تأخرنا كثيرا في عملية النهوض والاصلاح، وصار اي تأخير اضافي عما صرنا اليه وعليه ، هو بمثابة شرارة  تائهة ،قد تشعل نار التطاحن والفوضى، وتخرجنا  عما كنا  عليه من حب وتعايش ، وصفح بلا أذى ،وعطاء بلا مَنٍّ، وحِلْم بلا ذل..
كما لا يجب ان  ننسى محاسبة ومعاقبة  كل من أخل بواجباته ومسؤولياته، المادية والمعنوية ، ليكون عبرة لغيره من المتهاونين او العابثين بمستقبل البلد وابنائه .

 بقيلم: الاستاذ محمد خلوقي

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة