جمال المحافظ يكتب.. الاعلام الغائب الأكبر في برنامج الحكومة

حرر بتاريخ من طرف

د. جمال المحافظ

من خلال التوقف عند المحاور الكبرى للبرنامج الحكومي، يلاحظ أنه لم يول الأهمية المتوخاة لقضية الاعلام والاتصال، حتى أنه لم يشر ولو بكلمة واحدة الى هذا القطاع الحيوي، الذي بمن المعروف أنه بدون الارتقاء به، يكون كل حديث عن أي ” إصلاح اقتصادي وسياسي وديمقراطي وانصاف”، غير ذي معنى خاصة في مواجهة التحديات والرهانات المطروحة في سياق دولي أصبح فيه الاعلام آلية لا غنى عنها لتحقيق مقومات التنمية المستدامة بأوجهها المتعددة .

فكيف إذن سيتم الخروج من الأزمة بسبب تداعيات جائحة كوفيد 19 المستجد، وتدعيم ركائز الدولة الاجتماعية الذي يشكل أحد المرتكزات التي استند عليها البرنامج الحكومي، في ظل غياب تصور واضح لإستراتيجية إعلامية كفيلة، بتحفيز الرأي العام على “مواكبة”، وتملك الاجراءات والتدابير المعلنة من لدن حكومة وصفت نفسها بأنها ” موثوقة وطموحة وبراغماتية”، وذلك من أجل ترجمة ما أعلنته من التزاماتها العشرة، لتحقيق مشروع ” الدولة الاجتماعية” الذي بشرت به حكومة الأحزاب الثلاثة.

أية مكانة للإعلام في برنامج الحكومة
فمنذ تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة عزيز أخنوش رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، يطرح العديد من المهنيين وهيئاتهم التمثيلية، تساؤلات عن أية مكانة ستكون للإعلام في برنامج الحكومة الجديدة. وبغض النظر عن السياقات التي رافقت اجراء انتخابات الثامن من شتنبر 2021، والنتائج التي تمخضت عنها تصدر كلا من أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، فإنه يلاحظ، أن هذه الهيئات السياسية الثلاث – وكما هو شأن الأحزاب ال 32 المشاركة في انتخابات ثامن شتنبر الماضي- بدورها لم تعر السلطة الرابعة الاهتمام الذي يستحقه في برامجها، في الوقت الذي ركزت على ” قضايا حيوية” في مقدمتها الصحة والحماية الاجتماعية والتعليم التشغيل، وهي القطاعات التي كانت ” حصانة طروادة “، لاستمالة جمهور الناخبات والناخبين، مع تغيب يكاد يكون شبه تام للتوجهات الأيديولوجية والبرامجية.
إعلام لا يساير إيقاع الزمن السياسي والاجتماعي

لقد ظل الإعلام دوما لا يساير إيقاع الزمن السياسي والاجتماعي، على الرغم من أنه يعد “مؤسسة ديمقراطية”، مما يفرض في المرحلة الراهنة، بن يقوم بدوره الحقيقي، إسوة بما يعتمل في البلدان الآخذة بالديمقراطية. فمهمة الرقابة التي يقوم بها الإعلام، حولته من سلطة رابعة الي سلطة أولى، على خلاف ما يعتمل ببلدان الهشاشة الديمقراطية التي ظل يقوم بأدوار الدعاية. ويلاحظ من جهة أخرى أن قدرة ميديا الاعلام على تعزيز الديمقراطية، مازالت بصفة عامة جد محدودة، لكن عندما تفقد مؤسسات الوساطة، ( الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني)، مصداقيتها، فإن وسائل الإعلام تظل حاضرة، لأنها الأداة الرئيسة لتشكيل الرأي العام وتوجيهه.

فدستور 2011، نص على الحق في الاعلام، وحرية الصحافة، التي لا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية، مع ضمان حق الجميع في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء بكل حرية، مع الزام السلطات العمومية بالتشجيع على تنظيم قطاع الصحافة بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية، مع الالتزام بما  يحدده القانون من قواعد تهم تنظيم وسائل الإعلام العمومية ومراقبتها، واحترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع.

عدم استيعاب دور الاعلام في دعم الديمقراطية

وفي هذا السياق فإن الحكومة الجديدة، مطالبة بالتفعيل الأمثل للدستور الذي ما زالت بعض مقتضياته تصطدم بإكراهات ذاتية وموضوعية، منها عدم استيعاب العديد من الفاعلين لدور الاعلام وضعف بيئة الممارسة الإعلامية، والنقص الحاصل في التربية الإعلامية، وتراجع منسوب أخلاقيات المهنة. لذا يتعين الإيمان بأن وسائل الاعلام والاتصال، ليس فقط في مجال النهوض بحرية التعبير وحقوق الإنسان، ولكن أيضا المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة.

لذا فالمطروح على الحكومة الجديدة، وباستعجال اعداد برامج واتخاذ مبادرات فعالة لتحفيز النقاش العمومي، وتوطين موقع ووظائف الاعلام وطنيا وجهويا، وتوفير السبل الكفيلة بالارتقاء بمستوى تواصل الحكومة مع الرأي العام، حول مختلف القضايا بتدبير الشأن العام، وترسيخ دور وسائل الاعلام كجهاز إنذار وأداة لليقظة المجتمعية وللرقابة، مع الانتقال من علاقة الصراع، والتوتر وسوء الفهم التي ميزت دوما العلاقة ما بين السلطة والاعلام، الي علاقات مبنية على مبادئ التكامل والتعاون، مع التوعية والتحسيس بأهمية ممارسة حرية التعبير والصحافة والإعلام وادماج قيم ومبادئ حقوق الانسان في برامج التكوين الموجهة لفائدة مهني الإعلام والاتصال.

من أجل مصالحة الرأي العام مع اعلامه

وإذا كانت الحكومة، شددت في برنامجها على ” أن بناء الديمقراطية ورش اصلاح جماعي لا رجعة فيه.. ترسيخا لدولة القانون والمؤسسات، وإصرار كل القوى الحية على بناء النموذج الديمقراطي المتفرد في المنطقة..”، فإن ذلك لن يستقيم بدون اتخاذ عدد من التدابير لمصالحة الرأي العام مع وسائل اعلامه بتوفير الظروف الملائمة للممارسة المهنية وتوسيع هوامش حرية التعبير ومنها حرية الصحافة والاعلام، وأن تقويته يمر تنقية أجواء المشهد الصحفي، بخلق بيئة ومناخ ايجابي يسمح بقيام الاعلام، بدوره كسلطة مهنية مستقلة، تضطلع بمهام الاخبار والتثقيف والتوعية، وتوفير إمكانيات إعادة تأهيل الاعلام العمومي، حتى يكون في مقدوره القيام بوظيفة تقديم الخدمة العمومية، والمنافسة وبالتالي التعاطي مع القضايا المصيرية، وترسيخ الديمقراطية وتكريس العدالة الاجتماعية والمجالية، لرفع التحديات التي قارب عناصرها، النموذج التنموي الجديد، ووضع تصورات آليات مواجهتها.

بيد وإن كان إيجابا ما عبرت عنه الحكومة بوضوح في برنامجها من أن الإصلاحات المرتقبة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، ” التي تعد مسؤولية جماعية، حكومة وبرلمانا، أغلبية ومعارضة، أحزاب سياسية وقوى حية ومجتمع مدني..،” لن تستقيم الا بمواصلة وتعميق مسار الإصلاح السياسي والديمقراطي ببلادنا”، فإنه بالمقابل يتعين أن ترافق وسائل الاعلام هذه الديناميات، مما سيعزز في حال ما إذا ما توفرت الإرادة من أجل إعلام حر وديناميكى ويئة ملائمة تسمح له بالقيام بدوره، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي طالت ميدان الاتصالات والمعلومات، مع التفعيل الأمثل لما ينص عليه دستور 2011 في مجال الاعلام.

إطلاق حوار واسع حول قضية الاعلام

وإن كانت بعض المقتضيات الدستورية في مجال الصحافة والإعلام، جرى تفعيلها، الا أن عدد غير يسير لازال، يصطدم بإكراهات ذاتية وموضوعية، في مقدمتها بيئة الممارسة الإعلامية، والنقص الحاصل في التربية الإعلامية، وتدنى منسوب أخلاقيات المهنة، فضلا عن عدم استيعاب مختلف الفاعلين، بما يكفي، للأدوار التي تضطلع بها وسائل الاعلام والاتصال، ليس فقط في مجال النهوض بحرية التعبير وحقوق الإنسان، ولكن في تحقيق التنمية المستدامة أيضا.

وفي هذا السياق، إن من شأن المبادرة في الظرف الراهن، بإطلاق حوار واسع، حول كافة القضايا، بإمكانه الاسهام  في الارتقاء بوسائل الاعلام التي تعد في حقيقة الأمر جهاز إنذار وأداة لليقظة والرقابة المجتمعية على تدبير الشأن العام، وبالتالي الانتقال من علاقة الصراع، والتوتر والتوجس وعدم الثقة والتفاهم التي ميزت دوما العلاقة بين السلطة والاعلام، الي علاقات مبنية على مبادئ التكامل والتعاون، مع الحفاظ على استقلالية كل طرف واختصاصاته.

فحسب واضعي مشروع قانون المالية لسنة 2022، الذي صادق عليه مجلس الحكومة، في 16 أكتوبر الجاري قبل عرضه على مجلسي البرلمان، فإنه يأتي في ظل سياق دولي يطبعه عودة التعافي التدريجي للاقتصاد العالمي، وارتفاع مؤشرات الثقة في قدرته على تجاوز التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كوفيد- 19 المستجد، ويستند على ” فرضيات واقعية”، تأخذ بعين الاعتبار على المعطيات المرتبطة بالظرفية الوطنية والدولية، وتأثيرات تطورات الأزمة الصحية العالمية، وكذا الفرضيات المرتبطة بأسعار بعض المواد الأساسية في السوق العالمية، ومستوى المحصول الزراعي المرتقب على الصعيد الوطني. كما يركز المشروع الذى يهدف إلى توطيد أسس الاقتصاد الوطني على مواصلة ارساء أسس الدولة الاجتماعية.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة