المجلس الأعلى للسلطة القضائية: على طريق بناء الثقة

حرر بتاريخ من طرف

القاضي العادل ليس فقط رمزا لبناء جسور الثقة مع المواطن مؤسسات الدولة و لكنه الركن الأساسي و العماد الاوثق للملك. منظومة العدل ليست فقط مجموعة من القوانين و المساطر و بنايات تضم محاكما من درجات مختلفة، و لكنها بيت كبير يضم نساء و رجالا يدخلون الطمأنينة في قلب المواطن و الوطن. القضاء يمكن أن يكون حافزا للمستثمر و مساهما في صلابة الميزان التجاري و ميزان الاداءات و ميزانية الدولة و في تحقيق أعلى مؤشرات أداء الإقتصاد. كما يمكن أن يسهم بفعالية في ضمان استقرار الأسرة و الحي و المؤسسات الثقافية و الإجتماعية و السياسية.

ويمكن أن نستمر في جرد كل المجالات التي يؤثر فيها القضاء دون أن نتمكن من الإحاطة بها على الوجه الأكمل. لكل هذا أصبح من اللازم متابعة أعمال السلطة القضائية ببلادنا بروح يملؤها الطموح في الوصول إلى أعلى درجات الثقة بينها و بين المواطن و كل المؤسسات الإنتاجية و الإجتماعية و غيرها.

لكل هذا كان من اللازم التعامل بمسؤولية و بكثير من التقدير مع قراءة القرارات التأديبية التي صدرت عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية. القارئ لمسببات عزل بضع قضاة لا يمكن إلا أن يلاحظ أن التكييف القانوني كان في غاية الوضوح. الكلام عن الرشوة و حجم الممتلكات و رصيد الودائع لدى البنوك ينتمي إلى جسم قاموس الواضحات من المفضحات. لا أريد الخوض في النصوص القانونية لأنها كاملة و شاملة و فيها جميع آليات محاربة الفاسدين و المفسدين. و لكن الأمر يحتاج إلى الكثير من الإرادة و إلى من وصلوا إلى مستوى النفس اللوامة كما يقول أهل التصوف . ستة قضاة ادانهم من هم أعلم بصعوبة ممارسة سلطة الميزان و ما أدراك ما الميزان. ستة قضاة فقط في فضاء صعب يعرفه المتقاضون أكثر من غيرهم. ستة قضاة شاء القدر أن يتولاهم الرحمان و تصل أفعالهم إلى الأسماع وتنتقل إلى مرحلة القرار و تشفي غليل من أصابه الأذى بفعلهم و ما أسوأ الفعل إذا خالف الميزان. ستة قضاة فقط و هنالك قضاة يعدون بالمئات صدقوا ما عاهدوا الله عليه و انصفوا الفقير و المظلوم و الأرامل و الأطفال و المستثمرين و خلقوا بهيبتهم آلاف الفرص لدعم المقاولة و التشغيل و تحفيز الإستثمار.

سؤال كبير لم تتم الإجابة عليه لحد الآن. هل سننتظر فتح مسطرة في حق قاض سجلت ضده مخالفات قبل أن يفتح ملف ما راكمه أو لم يراكمه من عقارات أو أرصدة بنكية و غيرها ؟

ناقش المشرعون مشروع القانون المتعلق بالمفتشية العامة للقضاء و لاحظ الكثير من المتابعين كيف تم ربط عمل هذه المفتشية و برمجة اشغالها بالكثير من الشروط التي ستؤثر حتما على استقلاليتها و على تقاريرها و قراراتها . إذا كانت الإرادة الإصلاحية حقيقية فقد وجب خلق آليات رقابية حقيقية تحد من حجم الفساد و ترجع الثقة في القضاء كملاذ لمن لا ملاذ له. فلنقرأ ما جاء في تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي و الذي تم تقديمه لعاهل البلاد ،و لنفهم الرسالة التي وجهها أعضاء هذه اللجنة بعد لقاءاتهم مع فعاليات مجتمعية في كافة مناطق المملكة، في موضوع علاقة المواطن بالقضاء. الثقة مفقودة رغم ظروف العمل و ثقل المسؤولية و ما تم تسخيره من موارد مالية و بشرية لتحصين القضاء ضد كل من يستهدفه من الداخل و الخارج. صحيح أن العمل التأديبي لا يجب أن يخفي العمل التحفيزي للقضاة المجتهدين و النزهاء و لكن إنتظار فتح بحث أو مستطرة تأديبية للإطلاع على حجم الممتلكات و الأرصدة البنكية لا يمكن أن يبشر بالخير.

إن دولة الحق و القانون لا يمكن أن تضع قانون التصريح بالممتلكات و لا تطلب من مدبري الشأن العام تبرير حجم ما راكموا من ثروات و أن يكن هذا التبرير عملية مستمرة .إذا كان بالإمكان أن أطلع على رصيد وزير في أية دولة أوروبية لدى أي بنك و أن أعرف حجم رصيده العقاري و لا يمكنني أن أعرف الوضعية المالية و العقارية للمدير و رئيس القسم و القاضي و الوزير و رءيس الجهة و المجلس البلدي و غيرهم في بلدي ، فما جدوى دستور يربط المسؤولية بالمحاسبة.

تتراكم الثروات و الأرصدة البنكية و لا سبيل إلى المحاسبة إلا إذا أقترف مسؤول فعلا أدى به إلى الوقوف أمام سلطات المساءلة. بناء جسور الثقة في الدولة و مؤسساتها يتطلب المحاسبة اليومية لمن ظهرت عليه علامات الثراء غير المشروع. كم يسعد المواطن حين ينجح المستثمر في مشاريعه و كم يحزن حين تحول الرشوة أناسا عاديين إلى أصحاب ثروات و نفوذ و سلطة و لا من يحاسب. سلطتنا القضائية مكسب سياسي و حقوقي لا يجب أن نفرط فيه. يجب الدفاع عن القاضي النزيه الذي لا يرفض أن تنشر على الملأ كل مكونات ما يمتلك. لكل هذا وجب جعل المحاسبة وقول ” من أين لك هذا ” نهجا في تثمين عمل أي مسؤول. ما عدا المحاسبة هو هدم للثقة في كل شيء.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة