الحقوقي أربيب يكتب: لسان بوعياش تجاوز ما لم تقله الدولة

حرر بتاريخ من طرف

صرحت السيدة أمينة بوعياش رئيسة المجلس الوطني لحقوق الانسان، لوكالة الأنباء الاسبانية بأنه ليس هناك معتقلين سياسيين ببلادنا، وأن معتقلي حراك الريف أدينوا بسبب ممارستهم العنف.

لم أتفاجأ بتصريح السيدة أمينة، وقبله تقرير المندوب الوزاري لحقوق الانسان، ولا تقرير وزير الدولة المكلف بحقوق الانسان، بل عادت بي الذاكرة الى شهر يوليوز من سنة 1994 حينما تم اطلاق ما يفوق 400 معتقل سياسي بعفو، ولا زلت أتذكر كيف صنف البلاغ الصادر آنذاك المعتقلين حسب انتماءاتهم السياسية.

وقبلها بسنوات تم اطلاق مجموعات من المعتقلين السياسيين على دفعات امتدت من سنة 1989 الى بداية 1992 باطلاق سراح ثلاث معتقلين كآخر ما تبقى من مجموعة محاكمة الدار البيضاء الكبرى لسنة 1977، والذين كانوا ينتمون الى حركة اليسار الجديد أو ما يعرف بمجموعة ابرهام السرفاتي الذي تم نفيه سنة 1991 الى فرنسا ليعود الى ارض الوطن عام 1999.

خلال حقبة مليئة بالاعتقالات والمحاكمات السياسية، لم تعترف الدولة بالاعتقال السياسي، وإن كان الحسن الثاني اعترف بأن هناك معتقل سياسي واحد اسمه ابرهام السرفاتي، وأن الاحتفاظ به في السجن هدفه حمايته من بطش المواطنين.

انه اعتراف على الاقل بمجموعة السرفاتي والتي كانت تضم ما يقارب 185 معتقلا سياسيا، هذا الاعتراف الرسمي من أعلى هرم السلطة فتح الباب لتصفية ملفات المعتقلين السياسيين عبر دفعات، وفتح الباب امام اقرار الدولة بممارستها للانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، منذ نهاية 1958 الى 1999 المحددة لمجال اشتغال هيئة الانصاف والمصالحة.

كما اعترفت الدولة بممارسة الاعتقال التعسفي، القتل خارج نطاق القانون، الاختطاف، الابعاد القسري، التعذيب، المحاكمات غير العادلة و… وأصدت قرارات وتوصيات عبر هيئة الانصاف والمصالحة لازالت الحركة الحقوقية تطالب المجلس الوطني والدولة بمؤسساتها بتنفيذها، واهمها الكشف عن الحقيقة كاملة خاصة بالنسبة لبعض القضايا الهامة العالقة المتعلقة بالاختطافات والاغتيالات السياسية، وايضا وضع وتوفير كل الضمانات بعدم التكرار.

لكن يبدو أن السيدة أمينة بوعياش قفزت على الواقع، وللتنصل من مسؤوليتها في تدبير قضايا حقوق الانسان ومعالجة الملفات المرتبطة بحرية الرأي والتعبير والحق في التجمع والتظاهر السلمي، التي تعتبر مؤشرات دالة لاحترام الحقوق السياسية والمطالبة بالديمقراطية، سارت السيد الرئيسة للمجلس إلى نفي وجود الاعتقال السياسي.

خطاب امينة بوعياش يفتقد الى قول الحقيقة ولو جزئيا، ولا يرقى حتى الى مستوى الخطاب الديماغوجي والتبرير الذي عادة ما تلجأ له السلطات العمومية، انه تصريح بكل بساطة منزوع من سياقه التاريخي وبعده الاقليمي والدولي ومنازع للواقع، فالسيدة امينة بتنكرها لوجود معتقلين سياسيين تعتقد انها سوت المشكل وأن الحركة الحقوقية الدولية والوطنية ستبتلع لسانها وتسوق ماتروجه الدولة.

ان الاعتقال السياسي قائم، وجزء منه معتقلي حراك الريف باعتراف كل المنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الانسان والعديد من الهيئات الحقوقية الوطنية، ولن أجازف اذا قلت حتى الدولة عبر إجراءتها واقرارها بعدالة ومطالب الحراك وما واكب الاعتقالات والمحاكمات من تصريحات واهتمام يضفي نوع من الاعتراف بمشروعية سلميه الحراك وعدالة مطالبه.

إن نوعية التهم التي توبع بها معتقلو الحراك، كلها سياسية، من قبيل التآمر على الدولة والمس بأمن الدولة و… وكلها تهم منصوص عليها في القانون الجنائي وتوبع بها أغلب المجموعات السياسية ومناضلين سياسيين، اضافة طبعا الى تهم أخرى تمس مجال الحريات العامة من قبيل التظاهر، التجمهر، وباقي أشكال الاحتجاج المتعلقة بحرية الرأي والتعبير.

ثم إن تهم متابعة نشطاء الحراك تحولت تحت تأثير بلاغ الاغلبية الحكومية من جنحة بسيطة متعلقة بعرقلة حرية العبادة الى جنايات الانفصال وخدمة اجندات خارجية وتلقي اموال لزعزعت استقرار البلاد وغيرها من التهم المشابهة للماضي الاسود من قبيل التآمر الداخلي والخارجي.

كما أن تخصيص تقرير خاص بحراك الريف، واستقبال عائلات المعتقلين من طرف السيد رئيسة المجلس، وقبها متابعة الملف والوعد باصدار تقرير شامل حول الاحداث والمحاكمة ، كلها تؤشر على اننا امام ملف ذو طبيعة سياسية وليس ملفا جنائيا كما تحاول ايهامنها بذلك الاستاذة امينة بوعياش.

عبر التاريخ وحتى في اعرق الدولة الديمقراطية، ليس هناك اعتراف بالاعتقال السياسي بشكل مدون ومحدد قانونيا، لكن هناك اقرار سياسي و عملي عبر التهم وطبيعة الاعتقال وحتى الوضع داخل السجن بالاعتقال السياسي، وقد بلورت الحركة الحقوقية بناء على مضامين الشرعة الدولية لحقوق الانسان وتطور الصراع السياسي، مفهوم المعتقل السياسي، وحددت نوعان من المعتقلين السياسيين، معتقلي الرأي او كل من عبر عن قناعاته اما عبر التظاهر او الاحتجاج بشكل سلمي، والصنف الثاني هو ما يعرف بمعتقل الجريمة السياسية، والمعني بكل من استعمل العنف لتحقيق اهدافه السياسية.

وبعيدا عن التفاصيل فإن معتقلي الريف كما جرادة وزاكورة وكل المعتقلين الذين اعتقلوا بسبب تعبيرهم السلمي عن مطالبهم يندرجون ضمن المعتقلين السياسيين الواجب اطلاق سراحهم لأن اعتقالهم تعسفي، اما اولائك الذين ارتكبوا جريمة سياسية فالحركة الحقوقية عالميا تطالب بتمتيعهم بالمحاكمة العادلة، وبكل تأكيد فان معتقلي حراك الحسيمة وباقي الاحتجاجات الاجتماعية لا يندرجون ضمن هذه الفئة الثانية، ويصنفون ضمن المعتقلين السياسيين وبالتالي فاعتقالهم تعسفي.

يبدو أن رئيسة المجلس الوطني لحقوق الانسان، وضعت نفسها في خدمة السلطة، و أعلنت نتيجة تقريرها الموعود حول حراك الريف، واعتقد أنه يلزمها الكثير من الوقت لعدم إضفاء صفة المعتقلين السياسين على نشطاء الحراكات بما فيها الحسيمة، فمهمة المجلس وباقي مؤسسات الدولة المعنية بحقوق الانسان تجاهد من أجل التغطية على ملف الاعتقال السياسي، وقضايا التعذيب ومصادرة الحريات، كما أنها تفتقد للشجاعة للاعتراف بواقع لا يرتفع، لتبرير عجزها عن طرح مبادرات وخيارات تشكل مدخلا لإحداث انفراج سياسي، بدل استقبال الامهات والاباء والزوجات وايهامهن بانسانية مفتقدة في زمن الاعتقالات وتنكر الدولة لابسط الحقوق الانسانية وفي مقدمتها الكرامة.

عمر أربيب / مناضل حقوقي

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة