التداوي بالأعشاب بساحة جامع الفنا

حرر بتاريخ من طرف

التداوي بالأعشاب بساحة جامع الفنا
في الجهة الشرقية من جامع الفنا يجلس العشابون وهم من جذور صحراوية أمام صفوف منتظمة من القنينات الزجاجية تحتوي على أعشاب طبيعية وزواحف محنطة وأخرى تتغير ألوانهاحسب محيطها بعضها مربوط من أرجله والبعض الآخر تعب العشاب من إرجاعه كلما ابتعد فهو الوحيد الذي يعرف مدى فوائدها.
 يبدأ العشابون عروضهم بعبارات تثبت واسع اطلاعهم بالأعشاب ما من ورقة نابتة إلا وتحتها حكمة ثابتة هذا الدواء طبيعي ،عشوب طبيعية كل عشبة ” بوحدها كاين اللي مطحون وكاين حتى حب ” والإنسان إلى ” عندو شي مرض تنشوفو له المسائل ديالو عندنا التجارب وعندنا الكتب”.
ويرجع سبب هذا “الاحتلال” حسب مرتادي هدا الفضاء إلى تقلص حلقات مروضي الأفاعي والرواة الحكواتيين الدين تركوا المجال للعديد من ” العشابة ” ليحولوه إلى فضاء خاص لعلاج كل الأوبئة والأمراض ،كما تحولت أماكنهم إلى عيادات متعددة الاختصاص لا تظهر منها سوى قنينات من الزجاج وأوان تحوي أعشاب مختلفة الأشكال والأحجام تعالج كل الأمراض كما يدعون.
يقول أحد أقدم عشابة سوق الرحمة القديمة “كانت حرفة العشابة منظمة كجميع الحرف،ودراية العشاب جاءت نتيجة تراكم زمني لعدة أخطاء وكوارث تسببت في عاهات ووفيات، لكنها جعلت العشابة يكتسبون خبرة معينة”. وأشار إبراهيم من أقدم العشابة بالساحة مند 45 سنة إلى أن العشاب يجب أن يكون ملما بمختلف الأعشاب والنباتات وأدوارها وفوائدها،إضافة إلى اطلاعه على الكتب التي تهتم بمجال الأعشاب ككتاب شرح النباتات ليونس ابن اسحاق وكتاب الرحمة وغيرها.
وذكر م- س أحد العشابة من منطقة سوس ورث المهنة عن أجداده ومارسها مند حوالي 40 سنة في مدينة سلا ،بينما كانت يده منشغلة بتعديل مجموعة من الكتب فوق طاولته الصغيرة “اشتغلت بساحة جامع الفنا مند 35 سنة رفقة العشابة الأخوين الصحراويين سي عباس العيدي والحاج بوجمعة كحل العيون كنا ثلاثة فقط ،أما اليوم فقد انتشرت هده المهنة وأصبح الكل يشتغل بها،وأضاف قائلا”يوجد حاليا بالساحة أزيد من 30 عشاب،لكن لكل واحد زبناؤه الخاصون”. على طاولة صغيرة يضع العشاب السوسي قنينات صغيرة بها أعشاب مختلفة ك”الشيح والعكاية وتكوت والزعتر والريحان الأحمر والعادي والخزامة والحلحال والعرعار وغيرها”أسماء متعددة وميزان نحاسي صغير الحجم،لأن الدوا بالميزان يؤكد العشاب السوسي ،كما تتضمن طاولته مجموعة من الكتب العتيقة يعتبرها المرشد الأساسي في عمله ويعود اليها كلما استعصت عليه أمور التداوي قائلا”لابد من الرجوع الى كتب الطب والحكمة لأخد المقاييس وطرقة العلاج”.وفي الوقت الدي يرفض فيه العشاب السوسي خلط الأعشاب”رأس الحانوت والمساخن”،كان بجواره عشاب صحراوي يشرح مزايا خلطها لتتفاعل داخل الجسم وتقضي على المرض،ف”عنبر كاكا” يؤكد العشاب الصحراوي كفيل بإخراج البرد من الجسم والمحافظة على” فحولة الرجال” ويضفي “جمالية المرأة”،عبارات وغيرها جعلت حلقته تكتظ بالجمهور،وما ان احتشد جمع غفير حوله ،حتى وضع العشاب الصحراوي احدى رجليه بحركة رياضية فوق عنقه ،وبعد دلك تمدد على الأرض في إشارة الى رشاقة يستمدها من تناول”عنبر كاكا” وهي مادة تؤخذ غالبا مع الشاي كما هو الشأن لدى جميع العشابة بالساحة.

وفي الطرف الآخر وأمام مقر غرفة الصناعة التقليدية يجلس عشاب يحمل سبحة ويضع شارة على صدره وبعض الشواهد فوق طاولة عليها بعض الأكياس كتب عليها نوع المرض ك: “فقرالدم، السكري، القصورالكلوي”،تقته بنفسه واعتقاده بأنه يقدم خيرا للناس جعلاه يمتنع عن الكلام والصياح لاستقطاب الجمهور،واكتفى فقط باحاطة المكان الدي يتخده ببعض الكراسي للزبناء لاحتساء محلول أحمر،وعندما اقتربنا منه صادفنا إرغام شاب أحد مرافقتيه على تناول المحلول،في حين اندهشت الأخرى بعد أن وقعت عيناها على شخص ملتحي يتناول ماقدمه له”الحكيم”.
ويعمد بعض العشابة إلى استغلال أكبر قدر من المساحة بوضع قنينات مختلفة الأحجام وأواني وأكياس وبعض الصور ومجسمات لجسد الانسان تثير انتباه الزائرين وتعفيهم من الكلام لاجتذاب المارة ،في حين يلجأ العشابة المنحدرين من الأقاليم الجنوبية إلى إثارة انتباه المارة بعرض بعض جلود الأفاعي الضخمة ، وبعض الطيور،والحجم الكبير لبيض النعام،وما إن اقترب بعض المارة من أحد هؤلاء العشابة الذي كان يتحدث بشكل عادي حتى غير لغته وأصبح يتكلم بالحسانية ويذكر مزايا” الضب”وكيفية اصطياده ،ولم يذكر أي نوع من الأعشاب مكتفيا بذكر مزايا المناطق الحارة مقارنة بباقي مدن المغرب حيث العلل والأمراض على حد قوله واستمر في تهويل الحاضرين قبل أن يفاجئهم بخليط من الأعشاب في قطعة بلاستيكية صغيرة تعيد الفحولة للشيخ الهرم على حد تعبيره.
اقتربت سيدة من عشاب شاب وهمست في أذنه قبل أن يفاجئها بعدم درايته بالمقادير الخاصة بدائها ليضرب لها موعدا آخر ريتما يعود” لمعلم”،في حين قدم لزبون آخر خليطا من مساحيق مختلفة رغم أن العديد منهم يلح على عدم سحق الأعشاب قبل استعمالها،لأنها تفقد حرارتها إذا دقت سابقا حسب الاعتقاد السائد لديهم.
وبالقرب من هؤلاء العشابة كان أحدهم يحيط به مجموعة من المجلات والكتب ويحمل صورا شفافة لجسم الانسان لا أثر لأعشاب حوله باستثناء حقيبة جلدية،يحذر بنبرة حادة من استعمال الأعشاب ،معتبرا أن حلقته مجالا علميا إخباريا يقدم فيها النصائح والإرشادات حول البروستات والبرودة والانتصاب وطريقة الممارسة الجنسية قبل أن يفتح الحقيبة ويعرض هو الآخر مادة كفيلة بمعالجة ما تحدث عنه.
لمعرفة نوعية المرض الذي يعاني منه زوار هده الدكاكين المتنقلة ،يستفسر العشابة عن بعض الأعراض لتقديم الوصفات الجاهزة ،لكن تبقى الأمراض الجنسية أهم ما يبحث عنها الزائرون للساحة الذين يجدون ضالتهم عند العشابة المنحدرين من المناطق الجنوبية.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة