البوعمري يستحضر بحنين ذكريات مسبح الكتبية “شاطئ المراكشيين”

حرر بتاريخ من طرف

بدر الدين البوعمري

كلما تصبب جبيني عرقا، وزلت قطرات الماء الدافئة بين منكبي و أنا أكابد لفحات الشمس الحارقة التي تشوي الوجوه. إلا و تقافزت أمامي شرائط الصبا و الشباب التي افنيناها بين ظهراني إحدى أجمل، و أروع المعالم الرياضية، و الترفيهية ببهجتنا الحمراء. مسبح الكتبية الفسيح، أو العرصة كما كان يحلو لنا أن ندعوه، أحد أقدم المسابح المغربية ، وأرقاها…

مئات ، إن لم نقل آلاف الأجساد المنهكة،الهاربة من لظى المدينة الحمراء كانت تضرب لها موعدا سنويا على مدى ثلاثة ، أو أربعة عقود من الزمن. لم يكن مجرد مسبح، بل مرفأ للسعادة، و الحبور. ملاذا ماتعا للبؤساء، والمحرومين، وشاطئا رحبا لمن لم يستطع إلى اليم سبيلا…

فسيفساء من الأجيال، والأعمار، والأطياف تلتئم كي تمطط لوعتها بين عتبات الفضاء الرحب، وتلوذ بصهاريج المياه الزرقاءـ التي تستحيل في آخر الأسبوع رمادية من فرط الأدران التي تعتريهاـ من لهيب الحر.

حين تجيل النظر بين أرجاء المسبح، تخال نفسك وسط غابة من الأشجار الباسقة، و الورود، و الأزهار الغناءة التي تحف جوانبه، أو كواحة خضراء تسر الناظرين.

لم تكن متعة المسبح تقتصر على السباحة، والتجول، أو حتى الجلوس بمحاذاة المقهى المتاخمة له، بل كانت سعادتنا تكتمل حين يعلن عن بدأ مهرجان الغوص، و الإرتماء من أعلى منصات الوتب “الكاتريام” لينبري لها بطلان ذاع صيتهما في عالم المسابح، مصطفى الحابا، و غريمه بزيقو.

وحدهما من يخلق الحدث. لينطلق العرض المدهش ، و المرعب في الآن نفسه بعدما يكون الصهريج الأكبر ذي 9 أمتار قد أفرغ من مرتاديه، و صارت جوانبه مرصوصة بالجماهير التي تشرئب بأعناقها لتنعم بتلك الحركات البهلولنية الساحرة، والإرتماءات الجنونية التي تنم عن شجاعة، ومهارة باذختين.

يستمر العرض تحت التصفيقات، و الهتافات، التي تؤجج المنافسة بين البطلين حتى إذا ما توارت الشمس خلف سعف النخيل، انطلقت الصافرات معلنة عن نهاية العرض، لتبدأ معها حصص السب والجلد للمتماطلين، ومن لا يرغب في مغادرة الصهاريج…

لم يكن في زمننا البهي سكارى يترنحون داخل المسبح، أو أشباه رجال ينفثون سمومهم بين المستجمين، أو رعاع يبثون الذعر و الرعب وسط الأطفال و الشباب كما صرنا نرى اليوم. لم تكن في أيامنا الجميلة قوات أمن لتنظيم عملية الولوج، وحده بوجمعة بجثته الضخمة، و سحنته السمراء المرعبة يفي بالغرض. يتسمر أمام مدخل المسبح و في يده قطعة من مخروط ” تيو” طويل يهش به على جحافل المرتادين، ليصطفوا في طوابير متراصة ، منتظمة، و كل من سولت له نفسه الزيغ عن الطابور فالمخروط هو مصيره…

ذاك هو مسبح الكتبية الشهير، مفخرة مراكش الذي كلما ذكر، تعالت الابتسامات، و تناثرت ذكريات الزمن البهي لأجيال حالفهم الحظ لتقاسم ساعات ماتعة بين جدرانه…

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة