الاندلسي يكتب عن بن بركة ومحاولة الاغتيال الثانية

حرر بتاريخ من طرف

إدريس الاندلسي

بعد حوالي ستة عقود عن اختطافه و اغتياله و إخفاء جتثه و السعي إلى معرفة أسرار تغييبه، تظهر من جديد ايادى قيل أنها تبحث في التاريخ و تقرأ في علاقات المهدي بن بركة مع مؤسسات المعسكر الإشتراكي من خلال وثائق رفع عنها طابع السرية. جريدة الكارديان الإنجليزية فتحت صفحاتها لباحث مبتدىء في التاريخ قيل أنه إطلع على وثائق تثبت أن هذه الشخصية المغربية كانت تتقاضى أجرا من مخابرات شرق أوروبا. الخبر تم زرعه في المجال الصحافي المغربي و اتسع نشره كانتشار النار في الهشيم. و تم تصوير المهدي بن بركة كعميل بسيط لجهات استخباراتية كأنه جندي من الدرجات الدنيا في عالم المخابرات.

قد يختلف الناس في تقييم تاريخ الرجل . صحيح أن اعداءه كانوا كثر و لم يشكل أبدأ محورا للاجماع. أختلف مع القيادات التقليدية و حتى العصرية لحزب الإستقلال و أختلف بعد 1959 مع رفاقه في الإتحاد الوطني للقوات الشعبية و كذلك مع قيادة الإتحاد المغربي للشغل. و بالطبع أختلف مع النظام و هو الذي كان من المقربين من الملك الراحل محمد الخامس وولي عهده آنذاك الراحل الحسن الثاني . و غادر المغرب بعد أحداث سياسية ظهرت فيها قوى جديدة إلى جانب الراحل الحسن الثاني و توارى خلالها جيش التحرير و تولت خلالها أطر مغربية تكونت على يد مؤسسات الجيش الفرنسي و الإسباني شؤون الدفاع و الأمن. و عرفت سنة 1963 بداية طلاق بين الحركة الوطنية الممثلة آنذاك بحزب الإستقلال و الإتحاد الوطني للقوات الشعبية و بين القصر استمرت إلى غاية 1965 حيث تكسرت جسور التواصل التي سادت خلال النضال صد المستعمر.

و خلال كل هذه الفترة كان المهدي بن بركة ذلك الفاعل السياسي الذي لا يهدأ له بال و المسكون بكل مشاريع التغيير بالمغرب. تراه إلى جانب الملك و ولي العهد خلال أشغال طريق الوحدة مع آلاف الشباب كما تراه في المجلس الاستشاري الذي يعد أول برلمان مغربي منشغلا باوراش بناء مغرب ما بعد الحماية. و بالطبع تراه أيضا إلى جانب الرءيس الجزائري الأول بن بلة الذي كان يعتبره أحسن وزير خارجية لديه. و هذه القرابة مع النظام الجزائري بعد حرب الرمال لم تكن موضوع قبول من طرف الكثير من المسؤولين المغاربة في ذلك الزمن.
و انطلقت شخصية المهدي بن بركة لتعبر آفاق القارات بين آسيا و إفريقيا و أمريكا الجنوبية و ليصبح زعيم منظمة القارات الثلاث.

و للعلم فكل تحركات المهدي بن بركة كانت تجري في أوج الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي و الغربي الذين يفصل بينهما جدار برلين الذي انهار في 1989 . و لا يمكن لعاقل أن يفصل العمل السياسي في تلك الفترة عن صراع أجهزة المخابرات. فموقع المهدي بن بركة و طموحاته القيادية لا يمكن أن تغنيه عن التعرف على كل الأجهزة الحزبية و السياسية و المخابراتية. و ليس بالغريب في إطار حرب باردة أن يتموقع زعيم كالمهدي بن بركة و أن يكون مستهدفا من طرف المعسكر الغربي.

و ليس غريبا أيضا أن تنظم مؤتمرات يستعمل فيها الخطاب الإيديولوجي و تستغل فيها المعلومات الاستخباراتية لمواجهة الآخر. أما أن ينعث المهدي بن بركة بصفة عميل يتلقى مالا من جهاز مخابرات ثانوي بالنسبة للمنظومة الشرقية إبان الإتحاد السوفياتي فهذا ينقصه التحليل السياسي الرصين. زعيم من هذا المستوى لن يحتاج إلى البحث عن المال عبر كتابة تقارير استخباراتية لأن كثير من الدول التي كانت تعتبره صديقا قد تغدق عليه من الأموال ما يتجاوز حاجياته. و قد سبق للراحل بن بلة أن قرر منحه نفس الراتب الذي كان مخصصا له كرءيس للجزائر.

لا أحد يدري ما هي الغاية من إغتيال ثان و ذو مغزى سياسي للمهدي بن بركة الذي لا زال ملف اختفاءه غامضا. نعم كان له أعداء و كثير من أعضاء حزب الشورى و الإستقلال و حزب الحركة الشعبية كانوا يعتبرون خصما شرسا بل و عدوا في الميدان. و لكنه يظل ذلك الرجل الذي ناضل من أجل الإستقلال و الذي ترك وراءه اجيالا تحمل رسالته حول الإختيار الثوري و بعد ذلك تراجعت . أما اليوم فقد تغير الواقع و الخطاب و غاب الإختيار الثوري كتقرير إيديولوجي و تفتقت العبقريات حول التماهي مع العصر بكل أريحية.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة