الأندلسي يكتب: التجسس الكبير و الخبث الأكبر

حرر بتاريخ من طرف

وصلت الهيستريا إلى أوجها و سكنت عقولا كانت تعتبر نفسها بعيدة عن الافتراء و قريبة إلى التحليل الملموس للواقع الملموس. هذا الشعار كان  و لا زال كبيرا لمعرفة الواقع  و ليس للافتراء عليه.  من يعرف و لو بطريقة مبسطة آليات التحليل المادي للتاريخ،  ولا اظنني أختلف عن هذه الشريحة  رغم سنوات القراءة  و البحث، تصبح له القدرة على فرملة غراءز تصديق محتويات الخطابات و لحظات إنتاجها وكيفية توزيعها و أسلوب إدارتها إعلاميا  و سياسيا.

اذا فهمنا هذا أصبحت قراءة الهجوم  الإعلامي المدعوم  استخباراتيا على المغرب تكتسي نوعا من السهولة و بالتالي تسهل  فهم الأهداف التي بحثت و عملت على تحقيقها القوى التي   أرادت أن تصور المغرب كدولة  تستهدف الشرق  و الغرب و ذات أطماع امبريالية تخيف دولا عظمى و لا تستثني جيرانا كانوا دائما في صف المدافعين عن الإنصاف  ووحدة الشعوب وتغليب مصلحة التاريخ المشترك على كل مشروع لا يسير في إتجاه  خدمة مصالحهم الضيقة جدا.

و بقدرة قادر و بعد أن تأكد عدد من أصحاب القرار الأوروبي و حتى الأمريكي على أن الإتجاه الذي يمضي فيه المغرب لا حدود له في إتجاه بناء إقتصاد يحاول إحداث قطاءع كبيرة مع قواعد تدبير العلاقات الإقتصادية الدولية التي يراد لها أن  تستمر إلى الأبد ، نشأت نزعة استعداء المغرب . كثيرا ما استهزء دعاة الانفتاح المطلق على الغرب بكل من قال أن هذا الغرب  له مصالح تاريخية تبيح الدوس عن كل المبادىء  و الأخلاق  و المؤسسات التي يمكن أن تقف ضدها.

من قتل باتريس لومونبا  في الكونغو  و أطاح بزعيم مالي موديبو  و غيرهم  كتب و شجع أنظمة قادها خونة تربوا في أحضان جيوش الإستعمار و رتبوا في أدنى درجاتها . الكابران أصبح جينيرالا  و قائد النضال من أجل الحرية خرج من سجن المستعمر ليدخل سجنا مفاتحه بين أيدي أبناء  وطنه.  ولأن فهم التاريخ أساسي لتشريح الحاضر، وجب القول أن الغرب حاول إنقاذ مصالحه عبر بوابة المعونات و المنح و تمويل نوع من التعليم و صنع نخب تسجد  و تركع حامدة  و شاكرة أفضاله.  أما الاختيارات التي تؤسس لاقتصاد جديد يتعدى تعويض الواردات بالتصنيع المحلي ليرقى إلى التخطيط الاستراتيجي و التدبير الوطني الحر فهي أفعال ترقى ،في نظرهم،  إلى الإجرام و إلى انتهاك الحقوق بل  و تؤسس لأفعال  تسيء إلى المبادىء الإنسانية   و تستدعي تفعيل القانون الدولي الإنساني  بل  و حتى التدخل العسكري لاحقاق الباطل .

قد تتأثر بخطاب حول الديمقراطية  و حقوق الإنسان  و قد تكون صادقا،  و قد تشارك في دورات تدريبية  حول حقوق الإنسان في فنادق مصنفة  و قد  تتوصل بمبالغ لتغطية نفقات تنقلك بأسعار كريمة   و قد تصادق على توصيات ندوة و مؤتمر،  و قد تنسى أن شبكة تمويل أنشطة شاركت فيها قد لا تشاركك في اختياراتك إن ناضلت من أجل إستقلال القرار الإقتصادي في بلدك.  نعم لدينا تجار الدين  و تجار الريع  و تجار الاستيراد غير النافع  و لدينا مافيات العقار و لدينا أيضا تجار حقوق الإنسان داخليا  و خارجيا .  و لكن ذلك الغرب لن يحمل الهم الذي تحمله من أجل التغيير و لن يدخر جهدا في إحباط أي برنامج كبير يهتم بالاستخدام التشاركي لخيرات البلد. هل تتذكر تراجع البنك الدولي و العديد من الدول و المؤسسات عن تمويل السد العالي بمصر في عهد جمال عبد الناصر   و هل يمكن أن ننسى محاربة الغرب لمصنع الحديد الصلب في الناظور في بداية الستينات في عهد حكومة عبد الله إبراهيم  و هل يمكن أن ننسى معارضة الغرب لسياسة السدود ببلادنا.  هذا المنطق مستمر حتى  اليوم. ألمانيا اليوم لم تخف عدوانيتها بعد اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء  و ذلك في سبيل إستمرار سيطرتها على سوق السيارات  و استياءها من موقع المغرب في هذه السوق.  و جاء ما قيل عن جبل التروبيك الذي سيشكل الكنز الأكبر في المستقبل   و ما أحدثته عمليات ترسيم الحدود  البحرية المغربية مع جزر  محتلة من طرف إسبانيا  من بعثرة أوراق إسبانيا  و ألمانيا  مع تسجيل نوع من التروي من جانب فرنسا في هذا المستجد الإقتصادي و الإستراتيجي الكبير.  و للتذكير فيسار إسبانيا لا يختلف عن رعونة فرانكو في رؤيته لحقوق المغرب التاريخية.  و لنا في الوزيرة اليسارية الإسبانية السابقة للخارجية خير مثال عن حقيقة أحفاد ايزابيلا الكاثوليكية و حتى اليساريين منهم أمثال اكليزياس الفتى.

المشكل المهم ليس في الأنظمة القديمة للتفاوض مع الدول ذات الموارد الطبيعية الكبرى  و التي تسعى إلى بيعها كما هو الشأن بالنسبة لسوق المحروقات، المشكل يكمن في  الطموحات  و الخطط المستقبلية  و الإستراتيجية لبلد له نظرة مستفزة لطبيعة تدبير إقتصاده.  حين قال ملك البلاد أن النموذج التنموي المغربي قد أصبح متجاوزا، شعر الغرب  و مؤسساته أن الأمر يكتسي خطورة كبيرة بالنسبة لمصالحه.  و في هذا الإطار يمكن قراءة الرسائل القصيرة و المستفزة لسفيرة فرنسا بعد تواصلها مع شكيب بن موسى حول سير أعمال اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي.  و في نفس هذا الإطار يمكن قراءة رد فعل أنجيلا ميركل بعد أن تبين لها عمق تأثير اعتراف النظام الأمريكي بمغربية الصحراء على الإقتصاد العالمي و موارده المستقبلية.

و لأن تباذل المعلومات بين المؤسسات الاستخباراتية مجال مهم بالنسبة للدول اقتصاديا  و سياسيا  و عسكريا، فإن التعاون في هذا المجال فعل يومي.  و لكن هذا النوع من التعامل الاستخباراتي ليس كافيا لإدارة الصراعات حول البحث العلمي  و المنتوج الإقتصادي و غيره فلن نجد بلدا في العالم لا يستخذم كل الوسائل لحماية مصالحه.  و للدول الكبرى الكثير من السبق في هذا المجال نظرا لحجم الوسائل المتاحة.  و لكل هذا يمكن اعتبار الهلوسة الإعلامية التي سكنت أعداء المغرب ذات ارتباط كبير مع وضعه الحالي كبلد يريد أن ينتفض على نفسه أولا لكي يصنع نموذجا يخرجه إلى فضاء الاقتصادات الصاعدة.  و تتزامن هذه الإرادة مع صمود كبير طيلة حوالي 50 سنة في حماية الوحدة الترابية رغم ما أنفقته الجزائر من مليارات بالدولار للسيطرة على الصحراء المغربية  و الإستمرار  في سجن آلاف الصحراويين المغاربة في أكبر معتقل في العالم في ضواحي تندوف. و بالطبع  و من المؤكد ان جزءا كبيرا من هذه المليارات من البترودولار سكنت تحت ظل موجودات بنكية لمن يحاولون حماية ثورة أبناء الجزائر المناضلين  من غضب أبناء جزائراليوم  الذين ينتظرون حليبا  و زيتا  و مدرسة  و مستشفى  و كرامة.

لكل هذا عاهد تجار حقوق الإنسان مموليهم الذين يسيطرون على الأموال  و المعتقلات على الإساءة للمغرب بكل الوسائل. قادة امنيستي بما فيهم المغاربة  لا يتكلمون عن حراك شعبي في الجزائر تجاوز سنته الثانية  و عن عمليات التعذيب  و المحاكمات الصورية التي طالت المواطن البسيط  و المناضلين  بل  و حتى ضحايا تصفية الحسابات بين الجينيرالات.  و رغم أني استنكر كل تجاوزات حقوق الإنسان ببلدي و أطالب بالمحاكمات العادلة لكل متهم و محاربة كل أنواع الحيف، إلا أنني أجدني غير قابل لما يحاك ضد  وطني  من مؤامرات تستهدف مستقبله و مستقبل أجيال تطمح للعيش في  ظل إقتصاد يخلق مناصب الشغل  و يصل فيه نصيب الفرد من  الناتج المحلي الإجمالي إلى أعلى  المستويات  يسقط فيه كل  ريع   و كل تهرب ضريبي  و لا أريد معونات مشروطة  من أي دولة.  لكل هذا قال محامي المغرب في  فرنسا في  وجه من  اتهموا بلدي،  أن القضية مفضوحة و أن من يتهمون المغرب لن يجدوا أي وسيلة إثبات لاتهاماتهم.  سوف يخفت مستوى كلامهم  و لكني أشك في أنهم سيعترفون و ذلك لأنهم يسكنون بيتا من زجاج قد تكسره فضائح مالية كبيرة.  و إن غدا لناظره لقريب.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة