قطر.. “كورونا” تنقل الحياة الى العالم الافتراضي

حرر بتاريخ من طرف

أمام هول جائحة “كورونا”، وسرعة انتقالها في متواليات مرعبة، واستعجالية تدبير مخاطر انتشارها، والتنزيل المتسارع لعدد من التدابير الاحترازية التي شلت الحياة في مناحي عدة، غدا العالم الافتراضي في قطر وعدد من بلدان المعمور بديلا لتصريف أنشطة قطاعات حيوية شتى؛ كالتعليم وغيره مما يستساغ تأديته عن بعد.

بل أصبح المتنفس الوحيد للتواصل بالآخر في زمن الحجر المنزلي.

وتأكيدا، أن كثيرين لم يستفيقوا بعد من صدمتهم إزاء عجز دولي وأفق ضبابي أمام تحرك خفي لجائحة انبثقت بشكل فجائي. وتواصل بصمت، انتشارها وحصدها للأرواح، بل ت مع ن في تدمير طمأنينة العالم. ولا شك أنها في طريقها الى تغيير كثير من سلوكيات البشر وكثير من اليقينيات السابقة عن قوة العلم وتفوق وهيمنة الكائن البشري على الطبيعة. وستنحت، لامحالة، أثرها السلبي عميقا في الوعي الجمعي لبعض المجتمعات الأكثر تضررا. ولعل من استهلالاتها؛ الانتقال المتزايد بأجزاء وافرة من حركية الحياة إلى العالم الافتراضي.

وقد يكون من حسنات تداعياتها رفع الصحة الى رأس أولويات الأمن القومي، والتفطن إلى أن الإنفاق فيها، مهما عظم، استثمار بعوائد مجزية، وليس صيحة مكتومة الصدى. ولعل زمن الأوبئة الذي يعطل الاقتصاد والتبادلات بأنواعها بين المجتمعات والدول يكشف بما لا يحتاج الى دليل أن الاستثمار في القطاع الصحي جسر العبور الأول نحو ضمان سلاسة ودينامية الحركية الاقتصادية، وممرها الآمن إلى الطمأنينة والرفاه الاجتماعي.

كما أن من تداعياتها النابضة بالأمل والتفاؤل استنهاضها للوعي بأهمية العمل التطوعي، واستشعار قيمة الآخرين في إعطاء الحياة دلالتها الحقيقية التي لا غنى عنها لتوازن وطمأنينة كل فرد، مهما بدا قويا وقادرا على اعتزال الآخرين.

“سلامتك هي سلامتي وسلامتي هي سلامتك”، هو شعار المرحلة في قطر حاليا، خاصة وأن الأيام القليلة القادمة، كما أكدت المتحدثة الرسمية باسم اللجنة العليا لإدارة الأزمات، لولوة الخاطر؛ “ستكون حاسمة لكسر السلاسل الانتقالية للفيروس، وهي تستوجب تكاتف الجميع ومراقبة الذات”، والالتزام بالبقاء في المنازل واتباع التعليمات والإرشادات الصحية.

ت عليق عدد من الأنشطة كان خيارا ضروريا وملزما للحد من انتشار الفيروس، خاصة في الوسط التعليمي. فكان اعتماد التعلم عن بعد بديلا مناسبا، ولعله الخيار الأمثل في بلدان عدة؛ إذ انبرت وزارة التعليم والتعليم العالي القطرية، وفي ظرف وجيز، وتحت شعار “التعلم عن بعد منصة قطر للمستقبل”، الى إعداد المحتوى التعليمي بتصوير وإنتاج فيديوهات الدروس اليومية والورشات العملية، وبناء روابط إلكترونية عبر منصات رقمية وفرتها لهذا الغرض.

وارتأت الهيئة المشرفة على هذه العملية أن تشرك أولياء الأمور وأن تكون العملية التعليمية بين أطرافها الرئيسيين تفاعلية، ويكون بمقدور المتعلمين تسجيل الدروس المصورة وحصص المشاهدة، ليتمكنوا من الوصول إليها في أي وقت.

والجميل في هذه العملية، التي تم تدعيمها ب”دليل التعلم عن بعد”، انها طالت أيضا، بحسب الوزارة، فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال تمكينهم من محتويات التعلم عن بعد، وفقا لمستويات الإعاقة وأنواعها.

وتتوقع الجهود المبذولة على هذا المستوى أن يمنح التعلم عن بعد الطلاب، في هذه الظرفية الصعبة، فرصة الوصول إلى المحتوى التعليمي بيسر، ومواصلة مقررات الموسم الجاري تفاديا لإهدار الوقت، وحل الواجبات لضمان تقييم متواصل لمستوى التحصيل، وإجراء محادثات فورية مع المدرسين لتعميق الفهم والتحصيل.

ومن المرتقب أيضا أن يخفف هذا النمط من التعليم عن المدرسين جهود عملية التقييم اليومية والأسبوعية، ويضمن بالتالي مستوى الأمان والسلامة المطلوبة، الى حين انكشاف هذا الوضع الوبائي العالمي.

وقد تكون هذه التجربة، بالنسبة للبعض، فرصة عملية لاكتشاف مدى فاعلية هذا النمط التعليمي، الذي قد يصبح مستقبلا، بحسب بعض التوقعات، جزءا من النظام التعليمي العام. وقد يسحب البساط من تحت سلطة المؤسسات التعليمية وأنظمة الحضور الصارمة.

ولا يقتصر توظيف الفضاء الافتراضي على التعليم، بل كان واضحا، من خلال قرارات الحكومة القطرية، أنه يشمل، وعلى غرار دول أخرى، أيضا مجموعة من الوظائف الإدارية القابلة لأن تنجز عن بعد، من خلال تمتيع 80 بالمئة من موظفي القطاع الحكومي، وعلى مدى أسبوعين، بإمكانية العمل عن بعد من منازلهم، باستثناء القطاعات العسكرية والأمنية والصحية.

وتمثل هذه التجربة أيضا، بحسب البعض، فرصة لاستكشاف مدى مردودية وفاعلية نمط الاشتغال عن بعد بالمنازل، بعيدا عن المكاتب، والمتوقع له أن يصير مستقبلا النمط المعتمد لترشيد النفقات ومنح حرية أوفر للعاملين، لكي يكتشفوا جوانب أخرى من قدراتهم وفي الحياة من حولهم. وليدرك المهووسون منهم بصدارة قوائم العائدات المادية، أن العمل جزء من الحياة وليس الحياة كلها.

ويتعزز هذا الميل الى الاستنجاد بالفضاء الإلكتروني وجود ألف خدمة حكومية رقمية على مستوى قطر، وأكثر من 40 تطبيقا حكوميا للهواتف الذكية، ناهيك عن تطبيقات البنوك والشركات التي يمكن الوصول إليها في أي وقت ومن أي مكان دون الحاجة الى مراجعة أي جهة. ونفس التوجه الى الشبكة العنكبوتية، طال الصحف المحلية التي أعلنت إيقاف الطباعة الورقية لأعدادها كصحف (الراية) و(الوطن) و(العرب) التي دعت قراءها إلى اعتماد نسخها الإلكترونية.

وفي أجواء الحجر الصحي الملزم هاته، بما يصاحبها من قلق، وأحيانا كثيرة، هلع وحيرة أمام ارتفاع أرقام المصابين بالفيروس في العالم، والذي تواظب شاشات القنوات التلفزيونية على عرضه بين لحظة وأخرى أو تثبيت شرائطه الإخبارية المحينة تباعا على هامش بث برامجها، يكاد يكون العالم الافتراضي المفر الى لحظات التفاعل مع المحتويات الثقافية والفنية والأدبية، تأثيثا لوقت أصبح لدى البعض هادرا، بما هو فائض عنه، وانفلاتا، في نفس الوقت، من عقدة واقع مقلق ومربك للأحاسيس.

وفي هذا السياق، تم إطلاق هاشتاغ “فن الكورونا”، استجابة لمبادرة الفنانة القطرية التشكيلية، منى البدر، التي أطلقت معرض “كوفيد 19” الإلكتروني على حساب الإنستغرام، في دعوة منها لعدد من الفنانين التشكيليين والفوتوغرافيين في قطر، إلى إشراك الجمهور، عبر الفضاء الافتراضي، بعضا من أعمالهم ومشاريعهم الفنية الموجودة قيد الإنجاز.

نفس الأريحية أبانت عنها مكتبة قطر الوطنية، التي وإن أغلقت أبوابها أمام جمهور المستفيدين منها، فقد أتاحت رصيدها الرقمي للقراء، في إجراء سلكته مجموعة من المكتبات الشهيرة والعريقة في العالم، بغية تقديم جرعة ثقافة لقراء محتملين اضطرهم الوباء إلى ملازمة البيت، وبإزائها اتجهت بعض المؤسسات والمعاهد، على مستوى قطر، إلى نقل بعض برامجها، بما فيها بعض دوراتها التدريبية إلى المجال الإلكتروني.

وتبقى نقطة الضوء الجميلة هي ما أبان عنه الكثير من الفاعلين بالمجتمع القطري، وعموم الناس، من وجوه التضامن مع جهود الدولة في الوقاية والحد من انتشار الفيروس، حيث تم تدشين وسم “نتكاتف من_أجل_قطر” على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، تعهد من خلاله المغردون على الالتزام بكل الإجراءات والتوجيهات الحكومية الوقائية، ومنهم من عرض بعضا من أملاكه من فنادق او فلل وعمارات لتكون تحت تصرف الدولة أو وزارة الصحة لتستخدمها في مجال إيواء الحالات المشتبه بها الموضوعة رهن الحجر الصحي، وبعضهم وضع نفسه تحت تصرف الجهات الحكومية المعنية بتدبير أزمة كورونا، كمتطوع لتقديم أي خدمات قد تتطلبها الظرفية ومستجدات الوضع الوبائي.

لحظة تاريخية بالتأكيد، يقف عندها العالم ليراجع فيها الكثير من يقينياته، ولعلها الفيصل بين عالم ما قبل وما بعد “كورونا”، إذ لم يدر بخلد أحد حتى في الأحلام الأكثر رعبا أن يستيقظ يوما ليجد العالم شبه عاجز أمام معضلة وباء، فيما قرائن تفوقه التكنولوجي كانت ترسخ القناعة لدى الجميع بأنه بلغ من العلم والقوة والتفوق، ما يبدي بجزم أنه تجاوز أزمنة الأوبئة والمجاعات.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة