عين على أولياء مراكش.. الولي الصالح أحمد السوسي – الحلقة الرابعة

حرر بتاريخ من طرف

بدر الدين البوعمري

يعد ضريح سيدي أحمد السوسي، و قبته ،من أروع المعالم التاريخية بالمدينة الحمراء،و فلتة من فلتات الدهر.. حين تجيل النظر في أرجائه تبهرك جدرانه المبثوثة بالزليج الفاسي، و أقواسه، و سراياه العالية المطلية بالجبس المنقوش. أما قبته فتحفة معمارية فريدة أجاد الصناع في إبداعها، و كلما اشرأب عنقك نحوها طوقتك الدهشة، و فتنتك روعة خشبها المزخرف الذي ينضح بسر الصنعة، ومهارة اليد المراكشية آنذاك.

عند الحديث عن الضريح، و القبة، يتبادر إلى الذهن اسم من أسماء الحفدة، و ابن كريم من أبنائها. رجل أفنى حياته في رعاية المسجد،و الضريح،و مرفقاته.عاش خادما أمينا لها ما يربو عن الخمسين سنة،دون كلل أو ملل، ومن غير طمع، أو مكر. تشهد على ذلك سيرته الزكية التي تتداولها الألسن في كل بيت، و تتناقلها العوائل جيلا بعد جيل. إنه السي محمد بن أحمد بن بوعزة ولد الشيخ ” 1929 ـ 2019 ” أحد أحفاد الشيخ سيدي أحمد السوسي البررة ، رجل خدوم، عزيز النفس، دمث الأخلاق.

لا يمكن النبش في سيرته العطرة دون الحديث عن خصاله، و تضحياته، و مواقفه النبيلة التي لا زال الجميع يحتفظ بها . فمن فرط حبه للمسجد، و الضريح، روى لي الاستاذ عبد الرحيم الريشي سبط الشيخ، و أكثرمن عاشر المرحوم “عزيزي”، أنه ذات يوم من أيام الشتاء، هطلت أمطارغزيرة أدت إلى اختناق المجاري المائية، و ارتفاع السيول لتتجاوز العتبة الرخامية بمدخل الضريح، ففاضت المياه و تسللت إلى الصحن المقابل للضريح، و إلى دار الزاوية، و المنازل المجاورة لها. كان الكل مفزوعا من هول المياه المنهمرة ، و الجميع يهرول في محاولة لتفريغ المياه، وإخراجها من المنازل، و إنقاذ ما يمكن إنقاذه. استمر الحال لساعات، و الأهالي تبحث عن عزيزي الذي لم ير له أثر.

و في الأخير عثر عليه الراوي داخل مراحيض المسجد و هو ممسك بقضيب حديدي في محاولة لتسليك المواسير خشية تدفق المياه النتنة إلى داخل المسجد حرصا منه على نظافة، و حرمة بيت الله… وضل حفدة الشيخ يحملون لقب السوسي طيلة ثلاثة قرون و نيف، إلى غاية منتصف القرن المنصرم حين عمدت المؤسسات المختصة إلى ضبط و حصر مجموعة من الألقاب فتم اختيار لقب ولد الشيخ ككنية لحفدة الولي الصالح نسبة لما كان رائجا أنذاك، حيث دأب أبناء الحي على مناداة حفدة الولي بأولاد الشيخ، فيما عرف المنزل الملاصق للضريح بدار الزاوية التي تحمل ذات الإسم إلى اليوم، و التي تداول على أرجائها ما يربو عن ثلاثة عشر جيلا منذ رحيل الشيخ المؤسس سيدي أحمد السوسي رحمه الله.

حي سيدي أحمد السوسي
مسرح مفتوح…و ملتقى الأحباب

حي سيدي أحمد السوسي من أقدم الأحياء العتيقة بالمدينة الحمراء. حيث يرجح تاريخ تأسيسه إلى ما قبل مجيء الشيخ نفسه. حوالي القرن الثامن أو التاسع الهجري اعتبارا لكون الإمام الجزولي لم يدفن بحي سيدي بن سليمان إلا حوالي سنة870 ه مما يؤكد أن الحي كان قائما قبل دفنه به، علما أن حي سيدي أحمد السوسي امتداد جغرافي لحي سيدي بن سليمان، يشهد على ذلك تركيبته العمرانية، و تداخل مجموعة من المنازل فيما بينها، بل توفر بعض منها على بابين يفضي كل واحد منهما إلى حي.

سيدي أحمد السوسي حي صغير يحمل اسم الشيخ،كان – و على غرار باقي الأحياء المجاورة – مكونا من بضعة منازل معدودة تتخللها بساتين، و عراصي، و اصطبلات و فنادق تقليدية كانت و إلى عهد قريب قائمة البنيان. له مدخلان، أولهما من جهة عرصة بن ابراهيم مرورا بالمطعم الشهير ” الياقوتة” فيما الآخر من جهة رياض العروس، مرورا بدكاكين مولاي علي الخراز، و الصويري باتجاه حي سيدي بن سليمان .

تداول على الحي مجموعة من الأسر و العائلات العريقة، و المشهورة التي أثثت فضاءه، و شغلت حيزا مهما منه.بعضها لا يزال يقطن بالحي، فيما رحلت غالبيتها، و يممت صوب أحياء جديدة سيما بعد التحولات الديموغرافية ، و الإجتماعية التي طرأت على هذه الأسر، و كذا للطفرة المعمارية و الحضارية التي شهدتها المدينة و التي ألقت بظلالها على نمط العيش، و أسلوب الحياة . دون الحديث عن الغزو الأجنبي الذي صار معه الحي عبارة عن روض، و ووحدات سياحية، فقد معها معالمه، و رونقه العتيق.وأزقة مغلقة يتيه وسطها السكان الأصليون.

أحيانا أغمض عيني كي تغوصا بين غياهب الأمكنة، و أرخي العنان لمخيلتي المحبطة كي تمتطي صهوة الزمن الجميل لتحلق بين دروب ، و أزقة حيينا الوديع الذي لم يكن مجرد مسكن، و مقر إقامة. بل عنوانا للفرح و السعادة. مشتلا للمواهب، و الطاقات. السي محمد زروال شيخ من شيوخ الخشبة، و أحد ركائز المسرح المراكشي منذ زمن عبد الجبار الوزير، و بلقاس، مليكة الخالدي…أما الرياضة فحدث ولا حرج ، فريق أتلتيكو بن مبارك بقيادة المدرب القدير عبد المجيد بلخلفي” مبارك” و ثلة من نجوم المستديرة التي كان لها بالغ الأثر في المشهد الكروي المراكشي خلال الثمانينات و التسعينات، رفقة السوغالي، السبحاني ،بن سيدي “حيشابون”، بوسبوعة “كاطصا” ، بلخلفي، جواد، مولاي ادريس، بن الشيخ، عقة ـ جمال، السحمي، وكاتب هذه السطور…ناهيك عن ثلة من الرجالات

التي بزغت في أرجاء الوطن من قبيل الشيخ و المقرئ الفذ، و العلامة السي عمر لقزابري،و الدكتور المجدوبي، وبرحال، وزمرة من الأطر الأمنية ، و المحامين، والأستاذة، و رجال الأعمال …

لم نكن نعرف للحزن معنى، فمجرد الجلوس بالقرب من مصطفى” بزيقو” و الإنصات إلى طرائفه، وحكاياته، و مغامراته متعة لا تضاهيها متعة،ونشوة عارمة تزين ليالي الصيف القائضة، التي لا تكتمل إلا بوجود لمعلم وحيد ليستمر السمر إلى غاية الفجر..

كانت ليلة النصف من كل شعبان موعدا سنويا للفرح، و الحبور، كرنفالا للبهجة و السرور.ليلة روحانية من ليالي الزمن البهي يستحيل فيها الضريح، و “الصحن” إلى فضاء حافل بالذكر و الترتيل، و التهليل. فرق الصوفية “صحاب الدليل ” تنشد، و تترنم بأذكارها، فيما تصدح حناجر المقرئين بآي الذكر الحكيم على نفحات العود الطيب، و العطور. ليلة ماتعة نمطط فيها طفولتنا البريئة بين أرجاء الضريح، فرحين بأطباق الكسكس الشهي المتراصة على طول الفناء، وبراريد الشاي المنعنع.

في الختام، نود أن ننفض الغبار عن مجموعة من الأسر التي شغلت حيزا من هذا الحي، و كانت في يوم من الأيام جزءا لا يتجزأ من منظومته الثقافية

و الإجتماعيةـ حيث توزعت على عدة دروب كدرب الجامع، درب السمارية، درب التلموذي ، درب الجزار، درب الكرمة، و صابة الضريح، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
ناضر- بن فايدة – الدرجلي – الشلبي – بلقزيز ــ يسار- الريشي – ولد الشيخ – حوتيس – عقا – أيت ميجة – أراك – صوروح – السبحاني – أبو الصبر – شينبو – بن سيدي – القريطة – بيدي – زروال – بومقلة – السوغالي – الزلزولي – ميدان- نقاب – بلفاسي – السحمي – بلخلفي – علوان – سومير – بومارت – الشناق – الدقاق – لقزابري – البوعمري – حكيك – بلخلفي – وحيد – قشار – العافي – الهرمي – جواد – بوناشريطـ – بوسبوعة – أيت العربي – بلكوج – أبورفيع – الزبري – الغنيمي – ـ بناني – الوضاف – بوروطو – الخرجلي – الزخيري – بولوز – بوصحرا – محافض – مضرور – بلمرزوكـ – الشكيح – تيميجا – أبو الربح – بلمرزوك – ميدان – الفرزدق – صادوق – النجيمة – زريقة – و آخرين…

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة