رسالة المثقفين الشجعان : ورثة الاستعمار الجديد يتممون مخططات الاستعمار التقليدي

حرر بتاريخ من طرف

أثار تحويل جزء من جنان الحارثي إلى متحف و معرض للتوابل و الشاي ، من طرف المجلس الجماعي لمراكش ، جدلا كبيرا و ارتفعت أصوات المعارضين ، سواء عبر الفضاء الأزرق او عبر مقالات صحفية ، بعضها أصر على تأييد قرار المجلس البلدي ، في الوقت الذي ارتفعت أصوات المنددين بالمشروع ، قبل أن يتدخل محمد صبري، والي جهة مراكش- آسفي بالنيابة، لرفض المصادقة على مقرر المجلس الجماعي القاضي بتحويل الحديقة التاريخية ” الحارثي ” إلى متجر كبير لعرض وبيع التوابل والشاي .

وفي هذا الصدد تقدم ” كش 24 ” قراءة للاستاذ الباحث عبد الصادق شحيمة لنيل دبلوماسي الدراسات العليا المعمقة سنة 2006 في تحقيق مخطوط ” التنقيب على ما في المقامات من الغريب ” لابن ظفر الصقلي ، الكاتب العام السابق لفرع حركة الشبيبة الديمقراطية بورزازات ، و من مؤسسي الفرع الجهوي للنقابة الوطنية للصحافة بمراكش .

مدينة مراكش في تاريخها العريق كما يخبرنا بذلك كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار بقعة أرضية عبارة عن مخافة يعترض فيها اللصوص القوافل التجارية ، يطير فيها الطائر فيسقط من العطش والرمضاء ،وبفضل المرابطين تحولت المدينة إلى جنات غناء ،الأمر الذي عملت دولة الموحدين على تطويره والاستمرارية فيه …. كان ذلك بفضل نظام للري “هو المعروف بنظام الخطارات ” الذي اقترح من طرف مهندسين أندلسيين في مقدمتهم عبد الله بن يونس ،والذي سينضاف إليه لاحقا نظام “السواقي ” من جبال الأطلس،الشيء الذي نتج عنه العديد من الجنان والعراصي ( الجنانات والعراصي ) ،هذه التي تعددت وتنوعت ملكياتها ،حيث كان منها ما هو في ملك السلاطين والأمراء ،أو في ملك الوزراء والعلماء ،أو في ملك بعض المتصوفة ،أو حتى الطبقات المتوسطة والفقيرة ، ومنها ما كان ملكا خاصا ،ومنها ما تم تحبيسه على الأضرحة والمساجد ،ودور العلم والمدارس وكراسي العلماء ،ومناصب القضاء والحيوانات .

والملاحظ أن أجود هذه العراصي والجنان قد آلت نزعا أو أخذا أو شراء لشخصيات نافذة لها سلطة بالمدينة كما هو الشأن بالنسبة لأحمد بن موسى (باحماد) ،أو التهامي الكلاوي وبوستة باشا المدينة ،والمختار بنعبيد نائب قنصل اسبانيا ،والطاهر الغنجاوي نائب قنصل انجلترا .

وإذا كان الاستعمار الفرنسي بعد فرض الحماية على المغرب قد سن سياسة توزيع الأراضي على المعمرين الأجانب ،وفي مقدمتهم المقيمون العامون ،فإن مدينة مراكش لم تسلم من هذه الممارسة الكولونيالية ،بل شملت أجود أراضيها وعرصاتها وجنانها . وعوضا عن أن تسن مجالسنا منذ الاستقلال وإلى الآن ممارسة بديلة تراعي مصالح البلاد والعباد ، خرج المجلس بمقرر جهنمي

جديد بصدد ما تبقى من جنان المدينة ،إنه جنا ن الحارثي في قلبها النابض ،حيث حبك للتفويت إخراج مسرحي جديد عنوانه متحف للشاي كأننا الصين في الإنتاج أو التسويق .

وحتى لا أتحدث كمراكشي عن مجموعة من الجنان أقمنا فيها نزها ،وقطفنا منا ثمارا ،وقضينا فيها طفولة وشبابا يعز نظيرها عند أبنائنا وفلذات أكبادنا ،إذ باستطاعة كل المراكشيين فعل ذلك ،أشير على سبيل المثال لا الحصر إلى الجنان القريبة من مسقط رأسي باب أيلان ،وما آلت إليه في فترات متلاحقة ،وفي مقدمتها جنان ابن درا ،وجنان بالقاضي ،وجنان ماسي ،وجنان التونسي ،وجنان ابن الكحيلي ،

إنها الجنان التي تحول البعض منها إلى سكن صفيحي ،وأوكار للدعارة وبيع الخمور والمخدرات وقطاع الطرق ،واغتنى بواسطتها سماسرة العقار وحماتهم من ذوي النفوذ والسلطة .

لقد آل الدور على جنان الحارثي ،وبطرق ملتوية اشتم منها المراكشيون الشرفاء ،جميعا وبدون استثناء،إلا عرابو المدينة رائحة الرأسمالية المتوحشة ،ونتانة الجشع والتغول ،فأين هم عقلاء مجلسنا الموقر من مفهوم التنمية المستدامة وعنصر البيئة وما يلعبه من أثر إيجابي فيها .

ولنضف إلى ما تضمنته رسالة الأستاذ الجليل أحمد شحلان ” مقدرين فيه شهامته وشجاعته وهو يتوجه إلى عمدة المدينة ،ومعترفين له بحق الأستاذية أستاذا لمادة العبرية ،ومنوهين بأخلاقه العالية وصدق سريرته وصفاء قيمه ، ابنا من أبناء هذه المدينة البررة ، ورثة ابن رشد … ” للذين لا يعرفون جنان الحارثي وقيمته الرمزية .

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة