الوجه الآخر لساحة جامع الفنا بمراكش

حرر بتاريخ من طرف

بين شموخ الكتبية، وألق حي روض الزيتون القديم،تمتد مساحة فرجة متجذرة في عمق التربة والتاريخ، حيث تفرد ساحة جامع الفنا لعشاقها أجنحة الإمتاع والمؤانسة، وتمنحهم إمكانية استكشاف عوالم غرائبية، تمتح من عبق الشرق وسحر أفريقيا كل الخصوصيات التي تمنحها إمكانية الفرادة والتفرد.
 
ووسط كل هذا الزخم الفرجوي، يمتد خيط رفيع عنوانه الحركية الإقتصادية والرواج المالي، حيث تتحول كل فضاءات الساحة إلى  سوق كوني، يحفل بكل أصناف المنتوجات والمعروضات،قديمها وحديثها، المحلي منها والمستورد، وكذا المباح منها والمحرم.فما هي إذن أوجه هذا النشاط ؟ وماهي مصادر البدخل المالي بهذا الفضاء المصنف كثرا شفوي للإنسانية من طرف منظمة اليونيسكو؟.
 
لعل التسمية المحلية،التي اختارت العبقرية الشعبية المحلية،إطلاقها على الساحة:”جامع الربح” تؤشر على الدور الحيوي لجامع الفنا، في الحياة الإقتصادية لساكنة المدينة، بالنظر لقوة الإقبال الجماهيري، وتوافد السياح وزوار المدينة على  فضاءاتها، على اعتبار ان زيارة المدينة لا تستقيم،دون زيارة الساحة،والوقوف على مختلف ما تحبل به من طرائق الفرجة،و أنماط الحلقة،ومن تمة  الإصرار على أخذ تذكارات وبعض”الباروك” للتأريخ لهذه الزيارات.
 
خريطة التجارة وسط الساحة:
 
شهدت الساحة خلال الفترة الأخيرة،مجموعة من الوقفات الإحتجاجية لشيوخ الحلقة،والذين انخرطوا في اشكال احتجاجية ،مع الإضراب عن تقديم الفرجة في أكثر من مناسبة، حيث كانت الدوافع والأسباب غالبا ما ترتبط بالتهميش والإهمال الذي تتعرض له هذه الشريحة، التي تنهض على اكتافها القيمة التاريخية والحضرية لمجموع الفضاء،مقابل فسح المجال لتناسل محلات بيع المأكولات، وكل أشكال التجارة التي طغت على ما عداها بشكل مستفز، يساعد في ذلك كثرة إقبال الزوار على موائد الهواء الطلق التي تؤثث هذا “المطعم الكوني”، مافتح شهية بعض الأجانب واصحاب “الشكارة” لمحاولة اقتحام هذا العالم، عبر عرض أثمنة  خيالية لاقتناء حق استغلال بعض هذه المحلات ، فعرضوا  ال”الجلسة”أ الواحدة التي لا تتجاوز مساحتها 4 امتار، مئات الملايين من السنتيمات ، وبالتالي فتح الباب على مصراعيه لنوع جديد من المضاربات.
 
وحسب الإحصائيات الرسمية، فإن “الجلسات”بالساحة تتوزع على مجموعة من الانشطة التجارية المدرة للدخل، منها 63  جلسة خاصة ببيع الماكولات المطهية بمختلف انواعها( السمك،النقانق ، الشواء، العدس واللوبيا، وحتى الحريرة وغيرها من الشهيوات المراكشية) فيما تتوسط هذه المحلات 59 عربة خاصة ببيع انواع العصير والفواكه الجافة، و6 عربات لمنتوج “خودنجال” و5 لبيع الحلزون ” او “البربوش” حسب التعبير المراكشي، و3  جلسالت لبيع انواع الكاسيط والاقراص المدمجة، وإلى جانب هذه المحلات،تمتد انماط تجارية أخرى هامشية، كبيع البيض وزيت الزيتون، وتجارة الاعشاب، وكذا بعض المهن الهامشية الخاصة بصنف”الحريم” كالنقش بالحناء، ورؤية الطاع عبر اوراق اللعب، وغيرها من المهن والحرف التي يتم التغاضي عنها،مقابل أجر معلوم طبعا،يتم صبه في جيوب بعض المسؤولين على تدبير شؤون الساحة.
 
ولانه وكما يقول المثل الشعبي المراكشي : “الميدة ميدة الله،واللي كرمو الله تايتكرم” فإن الساحة لا تبخل على كل راغب في توفير مصدر دخل، وبالتالي فسح المجال على مصراعيه أمام استغلال الملك العمومي بشكل مستفز خاصة بساحة الأمراء”البرانس” والتي تتحول في ساعات المساء والليل ، إلى بؤرة تغلي بمختلف أنواع السلع  التي يتم عرضها وسط الشارع العام، ما يسبب في حالة اختناق حرجة،ويدفع بأصحاب المحلات التجارية الرسمية إلى الدخول في شجارات يومية، مع بعض من يقتحمون مداخل محلاتهم لعرض سلعهم، حيث لم تنفع كل اساليب الإحتجاج والإستنكار لتحرير الملك العمومي، ومحاربة هذا الطوفان الهادر من الباعة المتجولين، مادفع التجار المعنيون إلى طلب لقاء الوالي المعين حديثا على رأس ولاية جهة مراكش، لوضعه في صورة هذه الإكراهات التي باتت تضرب تجارتهم المشروعة في مقتل، وتسد في وجوههم  مسالك الرزق والإتجار.

وهو ما عجل بتنظيم حملات مداهمة لمصادرة كل السلع المعروضة خارج الضوابط المنظمة للقطاع،في حركة غير معهودة،ما جعل الجميع يرفع أكفه بالدعاء،كي لا تكون هذه الحملة  كسابقاتها،مجرد حركة لرفع العتب،ودر الرماد في العيون،في انتظار أن تهدا النفوس والأجواء لتعود”حليمة لتجارتها القديمة.
 

شجرة التجارة المشروعة تخفي غابة التهريب:
 
خلف مظاهر التجارة المشروعة التي تحفل بها فضاءات الساحة،خاصة بالاسواق التقليدية المشهورة،كالسمارين والقصابين وسوق البهجة، يتربص نوع آخر من التجارة السوداء، التي يعمل اصحابه على ترويجه في الخفاء، وطبعا في إطار تواطؤات،تعتمد غض الطرف، وعدم”الحك على الدبرة” لتبقى الصدفة وحدها ما يفضح المستور،ويكشف ما تحت الغطاء، كما اظهرت مجموعة من الوقائع.
 
فقد عاش تجار وباعة المنقولات الفضية بالأسواق المحيطة بالساحة خلال منتصف مارس المنصرم ، حالة استنفار قصوى، عمدوا معها إلى  إلى إغلاق محلاتهم التجارية،وسد جميع منافذها ، تفاديا لرياح تفتيش ومراقبة عاتية، أنذرت  بها بعض الوقائع والمستجدات، بعد تمكن عناصر الجمارك من مصادرة حوالي كيلوغرامين من الفضة غير المعشر عليها بفضاء مطار المنارة.
 
وكانت إحدى الأجنبيات التي تملك محلا تجاريا لبيع التذكارات والهدايا بالمنطقة الحرة بالمطار،قد اقتنت كمية من معدن الفضة،من أحد تجار الجملة بمنطقة باب فتوح،على أساس إعادة بيعها بالتقسيط ،ومباشرة بعد شروعها
 
في عرض السلع، أثارت انتباه بعض عناصر مصلحة الجمارك، الذين تقدموا من الأجنبية، مطالبين إياها الإدلاء بوثائق التعشير، التي تؤكد الوضعية القانونية لمعروضاتها من الفضة،حيث أسقط في يد الأجنبية، ولم تحر جوابا،بعد عجزها عن تقديم الوثائق المطلوبة،ومن تمة مصادرة الكمية،والإنطلاق صوب محل تاجر الجملة،حيث تمت مصادرة كمية أخرى قدرت بأربع كيلوغرات، غير معشرة بدورها،ان بصدد تسويقها بمحله التجاري.
 
ولأن العملية، قد فتحت عيون الجمارك على ما يعتمل بهذه التجارة من خروقات وتجاوزات بالمدينة، خصوصا بالاسواق التقليدية المتواجدة بساحة جامع الفنافقد شرع في الإستعداد لتنظيم حملة تفتيش ومراقبة واسعة، بكل فضاءات  هذه الأسواق ، ما دفع ببعض تجارالمادة المذكورة،ي ضعون ايديهم على قلوبهم،خوفا من تبعات هذه الحركة،ومن تمةفضلوا التنحي إلى حين مرور العاصفة،عبر إغلاق محلاتهم التجارية،وغلق الابواب على منتوجاتهم المذكورة،تفاديا لكل ما من شانه.
 
ولان هذه الحركة قد همت عشرات المتاجر، المبتوتة على طول بعض الاسواق التقليدية المحيطة بالساحة ، كالسمارين،باب فتوح،سوق البهجة، والمواسين،فقد اتارت انتباه الجميع، لما تؤكده من اختلالات وتجاوزات تطال القطاع بمراكش،مع فتح الباب امام مصراعيه للتساؤل حول مصدر الفضة التي يتم ترويجها بالطريقة المذكورة.
 
ولم يستبعد بعض المهنيين الملمون بخبايا”الحرفة”، ان يكون مصدر هذا المعدن النفيس،هو منجم إمضير  بتنغير  إقليم وارزازات،حيث يعمل بعض المهربون،على سرقة كميات مهمة من المادة المذكورة،وترويجها بمجمل أسواق المملكة الشريفة،خاصة أسواق مدن الجنوب، حيث تبرز في هذا الصدد،قضية مصرع الدركي الشاب شهيد الواجب الرقيب أشرف مروان،على يد عصاية متخصصة في المجال. على خلفية محاولة تهريب كمية من معدن الفضة، تمت سرقتها من المنجم إياه ، كما أصيب زميل الراحل رئيس الدورية إصابات خطيرة على مستوى الرأس تطلبت نقله صوب قسم المستعجلات لتلقي الإسعافات الضرورية .
 
وبالنظر لكل هذه الوقائع، فإن قطاع تجارة الفضة،خاصة بالمناطق الجنوبية، يفرض أكثر من وقفة،لمراجعة الطريقة المعمول بها في تدبير المجال، والتي تعرف استنزافا خطيرا للمال العام، من خلال التهرب الضريبي، وبالتالي مراكمة الاموال والارباح من طرف فئة طفيلية محدودة، عرفت جيدا من اين تؤكل كتف هذه التجارة المربحة.
 
الدعارة والقوادة الوجه الآخر لتجارة الساحة:
 
عديدة هي الاسماء التي داب المراكشيون على إطلاقها على ساحة جامع الفنا،يحيل كل منها على معاني ودلالات ترتبط بمجموع القيم السائدة والمعتملة بهذا الفضاء الثراتي، ويبرز هنا اسم”جامع البلا” في إشارة إلى مجموعة من الظواهر السلبية التي يحفل بها المكان فمع انطلاق عملية تثبيت كاميرات مراقبة بالساحة، تمكنت عناصر شرطة الاخلاق  التابعة للمصلحة الولائية للشرطة القضائية من اعتقال مجموعة من الأشخاص ضبطوا  متلبسين بممارسة سلوكات مخلة بالحياء العام بساحة جامع الفناء.
 
وكانت كاميرات المراقبة التي تم نصبها ببناية مصلحة الضابطة القضائية قد مكنت من رصد المتهمين وهم بصدد الالتصاق والاحتكاك بمؤخرات بعض رواد الحلقة مستغلين في ذلك تزاحم الرواد خاصة النساء منهن ببعض الحلقات  وهي الظاهرة المعروفة لدى عموم المراكشيين بظاهرة ” السمير ” أو ” طلوع الكرمة “.
 
وتعتبر الظاهرة من مكونات هده الساحة الغرائبية والتي تدخل في اطار سحر الساحة وفتنة الجنس بها حيث تشهد رواجا لمجموعة من السلوكات الجنسية المثيرة من قبيل ظاهرة التربص ببعض الشواد الدين يعرفون اختصارا ب ” خرفان الحلقة ” حيث يتحولون إلى   طرائد متاحة لبعض ” هواة ” هدا النوع من الفعل الجنسي .
 
كما ان ظاهرة ” السمير ” غالبا ما تتم بتواطء مكشوف بين الفاعل والمفعول خصوصا بعض النساء اللواتي لا يجدن حرجا في التردد اليومي على الساحة رغبة في اطفاء ظمأ رغبة جنسية جامحة تؤطرها طقوس وقواعد متعارف عليها داخل هذه الساحة الغرائبية.
 
علما بأن  مجموعة من الاعتقالات المماثلة قد تم تسجيلها في أكثر من مناسبة، حيث تكون العقوبة شهرا حبسا نافذا و500 درهم غرامة مالية، ما يكشف ان هدا السوك الجنسي المثير يعتبر ركيزة اساسية ومكون ” مهم ” من مكونات فضاء هده الساحة التي تحفل بكل ما هو شاد وغرائبي .
 
وفي إطار غرائبية الساحة وفتنة الجنس، فغن جامع الفنا،تعتبر من أهم المواقع الأساسية بالمدينة الحمراء، التي يقصدها كل “هواة”اللذة، والباحثين عن اقتناص لحظات متعة جنسية،على اختلاف أصنافها وأنواعها، مع تحديد أوقات معلومة لكل ممارسة على حدة، إذ في الوقت الذي يفضل هواة”التطبيع “مع النساء،اختيار ساعات المساء،لممارسة غواياتهم وتحرشاتهم، فإن ذوي الميولات الشاذة يختارون ساعات الليل المتأخرة،حيث تقل درجة اليقضة،ويتحول سكون الساحة على ستار لاقتناص “طرائد”جنسية”،تتفنن بدورها في “التصريح بممتلكاتها” والكشف عن”بليتها”،كطعم يثير شهية الراغبين.
 
ووسط هذا الزخم من باعة ومشتري اللذة المحرمة، يتموقع طابور من القوادين والوسطاء، الذين اتخذوا من الساحة مواقع عمل مدرة للدخل الوفير، حيث يختار بعضهم أو بعضهن، التخفي تحت ستار بعض المهن الهامشية التي يحبل بها الفضا،وطبعا لكل شيء ثمنه،و”لكل مجتهد نصيب”.ما جعل العارفون بخبايا أمور ساحة جامع الفنا،يؤكدون بلغة اليقين بان الاموال التي يتمن ترويجها بهذه التجارة المحرمة،تضاعف حجم مجموع المبالغ التي يتم ترويجها باقتصاديات الساحة المنظمة.
 
وإذا كانت الجهات المسؤولة بالمدينة، قد عملت في إطار تنظيم الساحة على نصب مجموعة من الحواجز الحديدية، التي تمنع ولوج الشاحنات والحافلات لداخل الفضاء في أوقات معلومة،مع تسخير مجموعة من رجال الامن للسهر على  تنظيم العملية، فإن التجار والعاملون في الساحة، قد أـطلقوا عليها،إسم”باب سبتة”في إشارة واضحة إلى طبيعة اقتصاديات الساحة،وما تحبل به من انواع وأنماط مختلفة، وهو التعبير الذي يؤشر على تحول مجمل فضاء الساحة إلى سوق ظخمة، تتوزع فيها مصادر الدخل والتمويل، بتنوع القطاعات النشيطة، والتي  تتنوع طبعا من الإقتصاد المنظم، إلى الهامشي فالمحرم، الأمر الذي يجعل منها قطبا اقتصاديا أساسيا في حياة الساكنة، ومصدرا من مصادر توفير فرص الشغل لآلاف الأسر المراكشية والوافدة على المدينة،لتبقى بذلك الكرة في مرمى الجهات المعنية،قصد العمل على تنظيم هذه الإقتصاديات،ومحاربة الطفيليات التي تحولها على مجال لممارسات لا تستقيم والتاريخ العريق لهذه المعلمة المراكشية بامتياز.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة