الجزيرة تسلط الضوء على طعام الشعب وسلاح المحرومين بشتاء مراكش

حرر بتاريخ من طرف

“بيصارة، خبز شعير وشاي” تلك هي الجملة التي تسمعها تتردد بكثرة عند با المحجوب صاحب مطعم شعبي متجول، يتلقفها من زبائنه بكثير من الخفة والنشاط، ويلبي رغباتهم في أسرع وقت ممكن.

أغلب مرتادي المطعم طلبة جامعة خاصة تبعد عن مدينة مراكش بحوالي 14 كيلومترا. في مكان مقابل ينصب هذا الأربعيني صباح كل يوم خيمته من أجل تقديم خدماته.

يقول المحجوب وهو يسكب الشاي على طريقة الطباخين المهرة للجزيرة نت “في هذا المكان، تلاقت رغبتي في كسب قوت يومي مع رغبة هؤلاء الشباب في تذوق أكلة مشهورة، معدة على الطريقة الشعبية”.

يقول المحجوب مبتسما بكثير من الثقة في النفس “مع حلول الشتاء ودخول الليالي الباردة، لا يجد المرء بمدينة مراكش أفضل من هذه الأكلة يدفع بها البرد ويشحن بها طاقته في الصباح الباكر قبل الذهاب للعمل أو المدرسة أو الجامعة”.

فعلى طول شوارع الأحياء الشعبية، وقبل أن ترسل الشمس أول خيوطها بأكثر من ساعتين، تجد الباعة قد نصبوا خيامهم المؤقتة وأعدوا العدة من أجل استقبال زبائنهم المعتادين، يواجهون برودة الجو بكثير من الصبر والتحمل.

أما المحجوب القروي فاستطاع بذكائه الفطري أن يدرس السوق جيدا وحاجياته قبل البدء في تنفيذ ما خطط له.

فقد اختار بعناية مكانا إستراتيجيا يقدم فيه “أكلة الشعب” لطالبات وطلبة يحسبون على الطبقة الميسورة، ولا يجدون إليها سبيلا في مطعم الجامعة، كما يلاحظ ذلك الخبير في الاقتصاد والتسويق مهدي فقير في حديث للجزيرة.

هي أكلة مكونة فقط من فول مجفف مقشر وماء وقدر قليل من توابل وزيت بلدي، لكنها طعمها يغري بالبحث عنها للتلذذ بها تحت الخيام أو في الهواء الطلق.

وهي سريعة التحضير، رخيصة، توصف بـ “معشوقة الجماهير” لكن سرها يكمن في لمسة الطباخ وروحه” كما يعلق محمد أشرف طالب جامعي.

“مع با المحجوب، أصبحت هذه الأكلة الشعبية متاحة للجميع في المدينة الحمراء حتى “للمحرومين منها”.

ويبدو أن المحجوب لم تحجب عنه أنجح فكرة في عالم التسويق وهي “الإبداع والتفرد” في تقديم منتجه، كما يقول فقير.

لقد حاول كثيرون تقليد با المحجوب لكنهم لم يستطيعوا الاستمرار وتخلوا عن المكان.

ويشرح هذا الأكاديمي للجزيرة نت أن المحجوب كان سباقا للفكرة، وأن الرضا يجعل الزبون لا يبدل سلعته الأولى، وإن قدمت له بشكل متشابه في محل آخر قريب.

ويضيف “من الجيد جدا أن يكون المحجوب أقام صلة وثيقة مع زبائنه وأضاف لما يقدم قيمة”.

ويقطن المحجوب في بيت متواضع بقرية صغيرة “دوار إيكوت” على بعد ثلاثة كيلومترات من الجامعة، يعيل أسرة من ثمانية أفراد، يحرص أن يكون كل صباح نظيف الثياب، كما يقول صديقه عز الدين الذي يساعده في أوقات الذروة.

أما شهرته فتعدت طلبة الجامعة فوصلت إلى العمال في الحقول وأبناء المدارس المجاورة.

ويضيف عز الدين “ما يميز المحجوب الذي يعاني من إعاقة سمعية خفيفة أنه صبور وخلوق، ولا يتخلى عن مواعيده مع الطلبة ولو في أقسى الظروف”.

تشعر مع المحجوب أنه يتحدث إلى زبائنه بلغتهم ويتكلم عن الأشياء التي بقلوبهم، وعندما تسأله عن سر لذة ما يطبخ يوميا، يجيب بعفوية زائدة “أستيقظ ثلاث ساعات قبل طلوع الشمس لكي أحضر أطباق اليوم”.

ويحكي بكل تواضع “استحضر دائما أني سأقدمها لأبنائي ومصدر قوت يومي، في إشارة لطلبة الجامعة، لذلك أختار من كل شيء أجوده”.

عندما تتحدث إلى الطالبات والطلبة، ينتابك شعور واحد هو ذلك الاعتراف بفضل الرجل، كما لو أن الفكرة فكرتهم، فجميع من حاورتهم الجزيرة نت أجمعوا أن “بيصارة با المحجوب” لا تضاهيها أكلة أخرى.

وبالرغم من أن هذا الرجل نوّع من منتجاته فبدأ يحضر العدس واللوبيا وفي بعض الأحيان قضبان الكبد، إلا أن البيصارة هي أول ما يطلب، ولا يكاد تمر سويعات حتى تكون قد نفدت عن آخرها.

“قد يبدو الأمر عاديا أن يقبل طلبة على طبق شعبي متوفر بالقرب من مكان دراستهم، لكن ياسين سنة أولى جامعة يعقب في “أشعر أن با المحجوب يقدم أكلته من قلبه، حتى أنه لا يدقق فيما تعطيه من مال ويستقبلك بابتسامته المعهودة إن اقترحت عليه تأجيل الدفع”.

بينما تقول ندى الطالبة في السنة الثانية “بحكم تكويني الجامعي، أعرف جيدا معنى السلامة الغذائية، ما يقدمه هذا الرجل لا يناقش من حيث النظافة”.

أما محمد أشرف طالب سنة ثالثة اقتصاد فيعود للقول “في الجو البارد، لا تصلح غير البيصارة، ومع المحجوب تجد الحرارة واللذة” ويضيف “الدَين غير ممنوع، ففي بعض الأحيان ينفد مصروفك الشهري، فلا تجد غير المحجوب يتعامل معك كما يتعامل مع أبنائه”.

“كثير من الطلبة ينشرون صورهم وهم في هذا المطعم الشعبي، كعنوان على أنهم بخير، في حين تعترض أسرهم على ذلك بحكم الوضعية الاجتماعية الاعتبارية” على حد تعبير محمد أشرف.

ويختم فقير تعليقه “لقد تمكن المحجوب من أن يبني ذلك الرباط العاطفي بين زبائنه وسلعته، وذلك واضح جدا لا يمكن التنكر له”.

قبل سنوات كان هذا الرجل يرعى الغنم في نفس المكان، لا تحس في حديثه أن نجاحه بفضل حنكته، فـ “يد رحيمة هي التي ساقت ضروعا أخرى لعيشه” يختم المحجوب ولسانه ما ينفك يلهج بحمد الله.

 

عن الجزيرة

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة