التعليم الخاص استثمار ومخاطر وهروب

حرر بتاريخ من طرف

انتقلنا من منظومة التعليم الحر خلال الفترة الاستعمارية إلى التعليم العمومي الوطني والغني بثقافة المعلمين و المعلمات والتزامهم المهني و الوطني.

كان البرنامج والتأطير والعمل البيداغوجي مرتبطا بانضباط جماعي أدى إلى رفض الكثير من الأسر تسجيل أبنائها في المدارس الفرنسية رغم الإغراءات. كانت المدرسة المغربية تعلم أبناء المغاربة باللغتين العربية و الفرنسية و كانت نتائجها تفوق مدارس البعثة الفرنسية في كل المجالات و خصوصا في مجال تدريس المواد العلمية.

و كانت المدرسة العمومية تنتج التفوق في التحكم في آليات التعلم. و أكاد أجزم أن التفوق نتج عن انفتاح على اللغات الأجنبية وعن رغبة جامحة في الولوج إلى المعرفة بعيدا عن الانغلاق الايديولوجي.

و في خضم الصراعات و رغم تدريس أغلب المواد و خصوصا ما يتعلق بالرياضيات و الفيزياء و الكيمياء و التاريخ و الجغرافيا و غيرها ، كان إتقان التلاميذ للغة العربية كبيرا بل و مذهلا.

و بعد ذلك غرقت السياسة في متاهات اخلتط فيها السياسي بالممكن بيداغوجيا و بالمتعسر تربويا. و بالطبع رفعت شعارات التعريب من طرف نخبة كان سلوكها يناقض شعاراتها. فاختلط الأمر على مدبري الشأن التعليمي و حاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه. و نتج عن هذا الوضع تسابق محموم لتغيير مستمر لتغيير البرامج و المناهج لا زال مستمرا إلى يومنا.

و خلال هذا المخاض، تضخمت الحاجة إلى تمويل السياسات التعليمية و ظهر خطاب يشجع على دعم المبادرة الخاصة في مجال التدريس. و أصبحت الأسر تواقة إلى بذل الغالي و النفيس من أجل ضمان مستقبل الأبناء.

و هكذا توطدت العلاقات بين المدرسة الخاصة و مستوى التحصيل و القدرة على النجاح و الولوج إلى المدارس العليا. انتشر نسيج مؤسسات التعليم الخاص عبر المدن الكبرى و أصبح سوقا استثمر فيها الأفراد و حتى شركات توظيف الأموال أصبحت ترى في المنتوج التعليمي مجالا للربحية المؤكدة.

وانخرطت قدرة الراسمال و تسامح حكومي في ظهور تطور جغرافي للبعثاث الأجنبية. أصبحت فرنسا و بلجيكا و أسبانيا و الولايات المتحدة تتوسع في نظامها التعليمي بالمغرب دون احتياج إلى دفع رواتب أو تخصيص مصاريف لبناء مؤسسات أو تعبيرها.

وظهرت مدارس بيد مستثميرين مغاربة رخصت لهم الدول المشار إليها ووافقت على هذه الرخص وزارة التربية الوطنية و أصبحت مصدر دخل وتشغيل كثير من الأجانب ذوي المستوى المحدود ثقافيا و ببداغوجيا.

القطاع أصبح مربحا و واجبات التسجيل السنوية و الشهرية تجاوزت فاتورة التعليم بمدارس البعثات الرسمية. و الأدهى أن الكثير من الأساتذة يتم استقطابهم من القطاع العام و خصوصا في مجال المواد العلمية. و لو تم فتح ملف التأطير بهذه المدارس الأجنبية في الظاهر لوجدنا أن المؤطرين من أبناء البلد.

و لكن الأزمات تعري النيات و تبين هشاشة منظومة تحتكم إلى منطق الربحية. الكوفيد رمى بثقلة على الكثير من الأسر التي كانت تعيش في حالة يسر و اضعفت قدرتها على سداد أقساط ديونها و واجبات تعليم الأبناء.

و هكذا ظهرت أزمة منذ أكثر من سنة تواجهت خلالها الكثير من الأسر مع المدارس الخاصة. و تبين بعض المعطيات أن مستثمرين بالقطاع بدؤوا في التراجع عن الإستثمار في قطاع التعليم على مستوى مجموعة من المدارس بالدار البيضاء. ولأن التضحيات الأسرية تقف عند حدود مداخيل محدودة، فقد وصلت آلاف الأسر إلى طريق مسدود جعلها تقصد المدرسة العمومية لضمان استمرارية دراسة الأبناء. و للعلم فقد تصل فاتورة التعليم الخاص إلى ستة آلاف درهم شهريا للتلميذ الواحد و هو ما يبعد الطبقة الوسطى عن تحقيق طموحاتها.

و لهذا وجب القول أن العرض التعليمي الخاص قد يعرف بعض التقلص بسبب تراجع القوة الشرائية للطبقة الوسطى بل و تدهورها جراء العديد من الأسباب و على رأسها جاءحة الكوفيد. لكل هذا وجب التأكيد على أن المدرسة العمومية هي الملاذ و هي التي تستوجب الإستثمار و تبني الوطن و تفتح أبواب النجاح أمام الجميع.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة