هل سنكتفي بغضب افتراضي في كل مرة؟

حرر بتاريخ من طرف

ككل مرة، وكما يحدث كلما هزت الرأي العام الوطني قضية شائكة، ضجّت مواقع التواصل الإجتماعي بشتى أنواعها، بتدوينات ومنشورات غاضبة، بسبب الجريمة البشعة التي تعرض لها الطفل عدنان، بعدما تم العثور عليه مدفونا بالقرب من منزل أسرته بطنجة، بعد تعرضه للإغتصاب من طرف وحش آدمي، شجعته القوانين الهشة كغيره من المغتصبين، على إخماد بسمة طفل أو طفلة، أو إخماد أرواحهم إلى الأبد، كيف لا ووضعية من سبقوه تُطمئن.

لم تكن واقعة اغتصاب وقتل الطفل عدنان إلا الجزء الظاهر من جبل جليدي عائم، يستجمع في أعماقه الكثير من التفسيرات التي تتجاوز الحالة الاغتصابية إلى مستوى عمالة الأطفال وأنظمة التربية وصيغ البناء الاجتماعي وطبيعة النظام السياسي، إذ في الوقت الذي  يتحسر فيه العالم الإفتراضي على الطفل الذي اغتُصبت براءته وخُطِفت روحه بدم بارد، هناك ضحية آخر في مكان ما، يتوسل، يتضرع دون أن تصلنا قصته لنعبر عن غضبنا على حساباتنا على “فيسبوك” أو “تويتر” أو غيرهما من المواقع ، ونتداول صوره أو صور الجاني، حتى يضيق عليه الحناق ويقع في قبضة الامن، فليس الكل محظوظ كعدنان.

الظاهرة بدأت بحدة أخف مما هي عليه اليوم، وكان بالإمكان اجتثاتها قبل تجدرها ووصولها إلى مستوياتها الخطيرة التي هي عليها الآن، فقط لو كانت القوانين رادعة، فقط لو وجدت دعوات الجمعيات، الحقوقيون، المواطنون…، آذانا صاغية، ولو كانت لدينا تنشئة مجتمعية غير السائدة التي تضع مثل هذه المواضيع في خانة “الطابوهات”.

بدأت على شكل تحرش جنسي يتعرض له الطفل من قبل مجموعة من الأشخاص، قد يكون أستاذه، أستاذته، ابن الجيران، صاحب بقالة، والده، أو شخص يخفي انيابه تحت جلباب التدين…، ثم تطوّرت في مرحلة ثانية إلى الاغتصاب الفعلي بتغيير وجهة الطفل وهو يلهو في الشارع أو أثناء اتجاهه إلى المدرسة أو إلى أي مكان من خلال إغرائه بالحلوى أو إيهامه بأن والده ينتظره في مكان ما، (وهنا يُترك السيناريو لمخيلة المجرم)، سيصدق الطفل بما أوتي من براءة ليجد نفسه في نهاية المطاف منتهك العرض من قبل ذئب بشريّ، كل ما يهمه في تلك اللحظة بلوغ لحظة الانتشاء القصوى. أما المرحلة الثالثة فقد تطوّر فيها الأمر للأسوء ليصبح اغتصابا مرفقا بعنف واختطاف قد يتطور إلى القتل العمد بدافع الخوف من الانكشاف، كما هو الشأن بالنسبة لقضية الطفل عدنان.

بطبيعة الحال، اللوم هنا لا يجب أن يقع على القوانين فقط، فاستفحال هذه الظاهرة تساءل الأسر أيضا، التي تقتصر في التربية على توفير الأكل والملبس والتعليم لأطفالها، متناسية أننا أصبحنا في زمن مفهوم التربية أعمق بكثير من ذلك، وهو المفهوم الذي لازال في المجتمع طابو يمنح قاتل عدنان وأمثاله الجرأة على تنفيذ مخططاتهم القذرة كلما وقعت أعينهم على طفل بريء يمر من أمامهم، فحين يعتبر الوالدين التوعية الجنسية (عيب) فهم بطريقة أو بأخرى يسهلون مأمورية الوحوش الآدمية، وحين تختار العائلة التستر على الحادثة التي يعتبرونها مجلبة للعار، سيما عندما يكون المغتصب أحد أفراد العائلة، فبصمتهم يشجعون المغتصب على تكرار فعلته ويمنحه فضاءً آمنا لتعاطي الجنس مع الطفل مرارا وتكرارا، إن لم يكن قد أنهى حياته طبعا من أول لقاء.

لقد سقط القناع عن القناع، ولم يعد ممكناً، إخفاء كثير من الأعطاب المقيتة والسلوكات المعيبة، التي تكشف أن الاحتباس القيمي والهدر البشري بلغ الزبى، وأن كل الخيبات والانكسارات إنما مردها إلى نمطنا التنشئوي التربوي، وإلى أنظمتنا السياسية، التي لم تقدنا، سوى إلى سوء أحوالنا، وإلى كل حالات “الجوائح الاجتماعية” التي تسير بنا نحو الهاوية، ونحن في كل مرة نستنكر هذه الظواهر على مواقع التواصل، لكونها “موجة الأسبوع الافتراضية” التي سرعان ما ستختفي، في انتظار قضية أخرى أو عدنان آخر، دون أي تقدم أو حلول من شأنها معالجة المشكلة من جذورها.

في كل مرة، يُخرج فيها وحش آدمي أنيابه ويغرزها في لحم طفل بريء، تجدد المطالبة بضرورة تغيير القانون الجنائي ليتضمن بنودا تشدد العقاب على مغتصبي الأطفال، وتتعالى أصوات الحقوقيين والمواطنين والأخصائيين بسن قوانين صارمة في عقوبة اللواط والمتربصين بالأطفال والحكم بأشد العقوبات على المتحرشين”، والتخلي عن الترسانة القانونية الضعيفة والمتسامحة، لكن كلها نداءات تبقى حبيسة الصفحات الفيسبوكية، دون أن يخطو المشرع المغربي خطوة لسن قوانين رادعة لكل من سولت له نفسه بارتكاب الجرم. لأن الموجودة اليوم (المنصوص عليها وعلى عقوبتها في الفصل 484 و485 و486 من القانون الجنائي)،  تشجع الجاني على تكرار جرائمه”.

اليوم، نحن لسنا بحاجة إلى تعاطف وغضب افتراضيين، ينتظران خروج “بيدوفيل” جديد جائع لتنفيذ خطة رسم معالمها لأيام، لرثاء ضحية جديدة، سيطالها النسيان بعد شهر بالكثير، كما طال من سبقوها، فأكثر ما نحتاجه اليوم هو تغيير العقلية المجتمعية لقطع كل الطرق التي تسهل للبيدوفيل الوصول لضحيته، والتي تبارك بطريقة غير مباشرة أفعال هؤلاء “الوحوش”، فاللوم لا يقع على القوانين فقط، وتغييرها لوحدها لن يكون الحل كما يعتقد الكل.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة