هل تعكس نتائج “الغرف” صورة لمخرجات الانتخابات العامة بالمغرب؟

حرر بتاريخ من طرف

طفا على سطح الساحة السياسية المغربية مؤخرا نقاش حول استشراف نتائج الانتخابات العامة المقبلة، على ضوء نتائج انتخابات الغرف المهنية، التي نظمت في 6 غشت الجاري.

وما جعل الجدل يحتدم أكثر، أن هذه النتائج منحت الصدارة لحزب التجمع الوطني للأحرار (ليبرالي)، المشارك في الائتلاف الحكومي، والذي يقدم نفسه بديلا لحزب العدالة والتنمية (قائد الائتلاف)، لقيادة الحكومة المقبلة.

وتستعد البلاد لإجراء انتخابات تشريعية ومحلية بشكل متزامن، مطلع شتنبر المقبل، في ظل ظروف خاصة تتسم بانتشار جائحة كورونا.

نتائج متعاكسة

وفي انتخابات الغرف المهنية، تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار، النتائج بحصوله على 638 مقعدا من أصل 2230.

فيما حل حزب “الأصالة والمعاصرة” (أكبر حزب معارض)، ثانيا بـ363 مقعدا، يليه “الاستقلال” (معارض) بـ360 مقعدا، و “العدالة والتنمية” ثامنا بـ49 مقعدا.

هذه النتائج دفعت أنصار بعض الأحزاب، وبالخصوص الحزب المتصدر، إلى توقع نتائج مماثلة، في الانتخابات التشريعية والمحلية المقبلة.

في انتخابات الغرف المهنية السابقة (2015)، احتل حزب العدالة والتنمية، المركز الخامس، ورغم ذلك تصدر الانتخابات التشريعية (2016) بـ125 مقعدا من أصل 395.

وحل حزب التجمع الوطني للأحرار، ثالثا في الانتخابات المهنية السابقة، ورابعا في التشريعيات، بـ37 مقعدا، أي بفارق 88 مقعدا عن حزب العدالة والتنمية المتصدر.

هذه المعطيات تدفع عددا من الباحثين إلى وضع مسافة بين نتائج الانتخابات المهنية والانتخابات العامة، بل وبين طبيعة العمليتين الانتخابيتين المختلفتين.

ليست مؤشرا

المحلل السياسي عثمان الزياني، اعتبر أن الانتخابات المهنية لها طابع خاص ومميز، يطغى فيه المهني على حساب السياسي.

وأضاف الزياني في حديث للأناضول، أن هذه الانتخابات “تخضع للمتغيرات الاقتصادية والفلاحية والمالية والخدماتية”.

وتخضع أيضا “للخلفيات الاجتماعية والمهنية للمترشحين، مما يكسبها خصوصية تختلف عن الانتخابات التشريعية والمحلية، التي يطبعها التنافس السياسي والبرامج الحزبية والانتخابية”، بحسب المتحدث.

هذه المحددات، دفعت الزياني، إلى التأكيد على صعوبة اعتمادها كمؤشر مطلق للحكم على نتائج الانتخابات المقبلة، على اعتبار أيضا أن حجم الرهان الحزبي على مستوى الانتخابات المهنية، لا يرقى إلى مستوى الرهان في الانتخابات البرلمانية والمحلية.

وفي الواقع يدرك الباحثون والمتابعون، من خلال تتبع مسار هذه الانتخابات، أن نتائجها لا تشبه تماما نتائج الانتخابات التشريعية والمحلية، هذا إن لم نقل بأنها تأتي معاكسة تماما.

وفي هذا الإطار، أوضح أستاذ العلوم السياسية، بجامعة “محمد الأول”، بمدينة وجدة ، عباس بوغالم، أنه لم يثبت في تاريخ العملية الانتخابية، أن هناك تماهي وتشابه لانتخابات الغرف مع نظيرتها التشريعية والمحلية.

وعدد بوغالم، الأسباب التي تؤكد هذا الاختلاف، وفي مقدمتها “السلوك الانتخابي”، الذي يختلف في انتخابات الغرف، بالنظر للهيئة الناخبة التي تتشكل ممن يوصفون بـ”الناخبين الكبار”، في حين تستهدف الانتخابات العامة عموم الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية.

وأضاف: “سمة أخرى تطبع انتخابات الغرف، وهي الحضور القوي للأعيان (أشخاص لهم نفوذ في مناطقهم ومجالات نشاطهم)، وما يعنيه من توظيف للولاءات التقليدية والعصبية والقبلية، وحتى المصالح التجارية والخدماتية والصناعية وغيرها، في عملية الاستقطاب”.

وأردف بوغالم، “يصعب اعتماد النتائج المهنية كمؤشر للتكهن بنتائج الانتخابات العامة، وليس من المقبول عمليا وموضوعيا إسقاط هذه النتائج، وأعتقد أن بيت القصيد في المقارنات التي تتم، هو تراجع نتائج حزب العدالة والتنمية”.

حرب الصدارة

قبيل انتخابات الغرف المهنية، خاضت الأحزاب “معارك” ضارية لاستقطاب أحسن المرشحين، ودخلت في حملات انتخابية سابقة لأوانها، لكسب رهان الغرف، على اعتبار أن الفوز بها يمنح لمتصدرها دعما معنويا يمكن أن يتسلح به لمواجهة خصومه وحسم معركة الانتخابات العامة المقبلة.

وفي هذا الصدد، قال بوغالم، إن أغلب الأحزاب سعت للظفر بهذه الانتخابات، لتقوم بإسقاط نتائجها على نتائج الانتخابات المقبلة.

وأضاف “تلاحظون أن الأجواء العامة التي صاحبت هذه الانتخابات، تميزت بدخول بعض الأحزاب بنفسٍ قويٍ، وتعبئة شاملة لمقدراتها، وهذا لاحظناه على مستوى الميدان، من خلال تلك الحملة السابقة لأوانها، والمحاولات الكثيرة لاستقطاب الأعيان الذين يحظون بفرص كبيرة للفوز بالمقاعد”.

لم تكن خيارا استراتيجيا

تراجع حزب العدالة والتنمية في انتخابات الغرف المهنية، من الرتبة الخامسة إلى الثامنة، وحصل على 49 مقعدا مقارنة بـ 196 عام 2015، أي بفارق 147 مقعدا.

وإن لم يكن بالإمكان إسقاط نتائج هذه الانتخابات كليا على ما هو آتٍ، فإن الزياني، يرى أنها “يمكن أن تقدم بعض المؤشرات، بحدوث بعض التغيير على مستوى خريطة نتائج الانتخابات”.

واشترط أن يتم ربط انتخابات الغرف “بمتغيرات سياق العمل الحزبي، ومردودية التدبير (التسيير) الحكومي لحزب العدالة والتنمية، الذي قاد ولايتين حكوميتين”.

واستدرك الزياني قائلا: “لكن هذا التغيير ليس بمستوى و حجم نتائج انتخابات الغرف المهنية، ولاشك أن تراجع حزب العدالة والتنمية، وتصدر حزب التجمع الوطني للأحرار الانتخابات المقبلة مسألة واردة”.

وأردف: “قد تنسجم مع تغير رهانات الدولة والكتلة الناخبة، وتغير طريقة عمل التجمع الوطني للأحرار، وتطور مستويات تنظيمه وتعبئته، واستفادته إلى حد كبير من ظاهرة الترحال الحزبي”.

من جانبه، يرى بوغالم، أن ضعف نتائج العدالة والتنمية، راجع لاعتبارات موضوعية وذاتية، إذ لم تكن انتخابات الغرف بالنسبة إليه رهانا استراتيجيا، نظرا لضعف حضوره في المجالات التي تجرى فيها الانتخابات”.

وأبرز أن تراجع “العدالة والتنمية”، مرتبط أيضا بتراجع نسبة مرشحيه إلى حدود النصف، مقارنة مع ما قدمه في 2015.

ويتوقع بوغالم أيضا، أن يكون لتجربة الحزب في التدبير (التسيير) الحكومي، لولايتين متتاليتين انعكاس على نتائجه، قياسا بالانتخابات السابقة، بالنظر لبعض الاختيارات الاجتماعية وبعض القرارات المرتبطة بتدبير جائحة كورونا، والتي كان لها انعكاس سلبي على فئات مختلفة من المجتمع.

وأضاف “سيفقد (العدالة والتنمية) بعض المواقع، وبعض الحضور، لكن ليس بنسبة كبيرة، ميزته ثبات القاعدة الانتخابية، وهذا الثبات يتجلى في الانضباط والوفاء للحزب”.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة