نعمان لحلو  و ” لا تمركز ” الأغنية المغربية

حرر بتاريخ من طرف

قد يبدو العنوان مستوحى من ثقافة إدارية جامدة،  وقد يثير ردود فعل  و تساؤلات عن علاقات الإبداع الموسيقي باللاتمركز الإداري.  صحيح أن الأمر قد يبدو غريبا  و لكن السر في تناوله هو أن الفضاء الأزرق الذي غزا جميع  الامكنة  و العقول بالليل  و النهار  لم يستطع أن يعوض أهمية لمس صفحات كتاب  و لم ينجح في تعويض التصفح المادي للورق المرقون و الذي مر من مطبعة إلى موزع  فباءع كتب أو مجلات وصولا إلى قارىء.  الأمر أخطر بالنسبة للإبداع الموسيقي  و الدليل أن الحفلات الموسيقية لا زالت تدفع بمءات  الآلاف إلى الذهاب إلى المسرح  و الساحات الكبرى للقاء الفنانين مباشرة.   و للمشككين  و عبدة متابعة الحفلات على الأسرة  و أقصد من استسلموا لكسل قد ينتقل من الأجساد إلى العقول  و العكس صحيح.

أعترف أنني من ضحايا الاستفزاز في كل المجالات مع العلم أن الاستفزاز الإيجابي كان دائما ملهما للعاملين  و المبدعين  و خدام الوطن  و الإنسانية.  نعم استفزني أحد الفنانين حين قال لي أنه قرر حمل حقيبته  و مرافقة فرقته الموسيقية إلى ما يسمى بالمدن الصغرى بالمغرب. ظننته لا زال ذلك الموغل في الأحلام  و ذلك المغامر الذي لا تهمه العثرات و لو تعلق الأمر بتسلق الجبال الصعبة. لكنني قلت في نفسي ساتبعه لأرى إن كان صادقا في حمل نغماته إلى الناس بعيدا عن المدن الكبرى  و المسارح الكبرى  و قلاع المثقفين ذوي الآليات النقدية المعترف بها أكاديميا  و حتي، في بعض الأحيان، إيديولوجيا. و رغم اقتناعي  و محبتي  و انتشاءي بما يبدعه نعمان لحلو توجست من فكرة ولوجه إلى إختيار “سياسة  القرب الموسيقي” رغم خطورتها من الناحية الثقافية.

و صلت إلى مدينة مدينة لفقيه بن صالح  و توجهت إلى مسرحها الذي توفر على كافة متطلبات العروض الفنية من إنارة  و صوت  و رؤية  و راحة الحاضرين.  وصلت الفرقة الموسيقية للمبدع نعمان لحلو  وكانوا كلهم إصرارا على تقديم أداء فني مهني بامتياز.  و بعد مقدمة موسيقية مشوقة، حمل نجم هذا الحفل آلة موسيقية غريبة  و لكنها تصدر من النغم ما يستجيب لكل المقامات  و كل رصيد موسيقي وفي  لثقافة محلية  و ايقاعات مغربية أصيلة.  و انطلقت رحلة عبر جغرافيا المغرب المتنوع  و الغني بثراته.  و سجلت الألحان وحدة وطن  و خصوصيات كل مناطقه من الصحراء  إلى الحوز  فمناطق الشرق    والريف  و جبالة   و عبرت من خلال هذا التنوع إلى معانقة الوطن في توهجه  ووحدته.  الرحلة لم تكن سهلة  لأنها نتاج سنين من العمل.

نعمان لا يغني للمدن  و لكنه يغني لوطن في تنوع جماله  و إمكانياته  و صعوبة تحدياته  ولوعة انتظارات مواطنيه.   لذلك كان من الممكن أن يحلق بمن حضروا الحفل  في سماء بلادهم من تافيلات إلى شفشاون  و من وجدة إلى لكويرة  ومن طنجة إلى مراكش ليكتشفوا أن هذا الوطن كبير جدا في جماله  و تناقضاته  و في ألوانه  و ايقاعاته  و في مشاكله   و إمكانياته  ، وفي إيمانه بغد أفضل يحمي مؤسساته  و يضمن المستقبل الجميل  و الصعب لشبابه. الموسيقى ليست مجرد عزف على آلات نفخية  و وترية و ايقاعية  و إنها بالإضافة لكل هذا دفاع عن الجمال  و الحلم بغد  أفضل و محاربة يأس يغذية حماة الجهل  و ” الفاهم يفهم”. الثقافة  روح  تنبع من سر كبير لا يمكن لجاهل بالأسرار  و بعالم بالتربية أن يستجلي مكوناته.

وأرجع إلى لا تمركز الثقافة للتأكيد أن رحلة نعمان لحلو إلى المدن الصغيرة التي كانت قبل سنين مراكز حضرية صغرى  خطوة في مشوار الألف ميل.  كثيرة هي نخبة من المثقفين الذين ولدوا في القرى  و وصلوا بعد جهد جهيد إلى العالمية في الإبداع.  بالأمس راقني تفاعل جمهور لفقيه بن صالح مع الإبداع الموسيقي  و سأستمتع بجد  و فرح مع فرح  و أفراح أخرى في كافة ربوع المغرب.  طبعا مع كل الفنانين  و كل من يبدع  ويتواصل بصدق مع المواطنين.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة