“نساء الملح” في المغرب.. أيادي الذهب الأبيض

حرر بتاريخ من طرف

ما أن تبزغ خيوط الفجر الأولى حتى تحزم نساء قرية ريكشة بضواحي مدينة وزان (شمالي المغرب) أمتعتهن معلنات بداية رحلة عمل شاقة على سفوح الجبال.

بكثير من الصبر وقليل من الزاد، تقطع نساء القرية رحلة جبلية شاقة سيرا على الأقدام، لمسافة تتجاوز ثلاثة أميال، للوصول إلى بئر ماء على جبل بين مدينتي وزان وشفشاون غنية بالملح، الذي يحترفن استخراجه وبيعه.

عملية مضنية يقوم بها نحو عشرين من نساء القرية، وتبدأ معالم هذه العملية باستخراج الماء من البئر، ثم ضخه في أحواض محفورة في الأرض ومغطاة بطبقة بلاستيكية سميكة.

عقب ذلك يترك الماء أياما تحت أشعة الشمس ليتبخر تاركا وراءه ما ترسب من ملح، ليعلن بداية مشهد جديد من مشاهد استخراج ملح الجبال، وإذا كانت أشعة الشمس الحارقة غير محبذة عند نساء القرية لدى اعتلائهن ونزولهن الجبل، فإنها تكون مطلوبة في مرحلة الأحواض.

بعد تبخر الماء المالح تبدأ تلال الملح البيضاء في الظهور مستنفرة جمع النساء من أجل بدء المرحلة الجديدة بأحذية بلاستيكية طويلة، وقبعات شفشاونية (نسبة لمدينة شفشاون) من قش تحميهم من لهيب أشعة الشمس الحارقة، وبحركات متناسقة، ترفس النسوة بأقدامهن أكوام الملح المترسب داخل الأحواض المائية لتكسيره بعد أن تحجر بفعل الحرارة.

ثم يُجمع الذهب الأبيض -كما يصطلح عليه بالمنطقة- في أكياس كبيرة، وينقل على ظهور الدواب إلى القرية، حيث التعاونية، لبدء عملية معالجته. والتعاونية هي جمعيات يؤسسها -على الأقل- ثلاثة أفراد حول أعمال مدرة للدخل، وتستفيد من إلغاء كلي للضرائب.

داخل التعاونية تتولى نساء القرية معالجة الملح، الذي تنتج منه عدة أنواع؛ كملح الطعام والتجميل والزيوت العلاجية، فضلا عن بعض المكونات التي تدخل في تصنيع معجون الأسنان.

وقالت عائشة وديان -إحدى نساء الملح- “بعدما نجلب الملح من الجبل نقوم بعملية الفصل داخل مقر التعاونية، ويتم جمع الملح المعد للأكل وتخزينه، إلى جانب الأنواع الأخرى من ملح التجميل وزيوت طبية استعدادا لعرضه في سوق القرية الأسبوعي”.

وفي السوق الأسبوعي لمنطقة بريكشة تصطف نساء الملح ينتظرن زبائن الذهب الأبيض بلباسهن التقليدي، وبعيون مليئة بالأمل وأياد مكسوة بقسوة الطبيعة، يقفن متراصات خلف أكياس الملح، التي يزن الواحد منها نحو ثلاثة كيلوغرامات، ويباع بثلاثة دولارات، وهو أعلى من سعر الملح العادي.

وأضافت وديان أن الإقبال على شراء الملح قليل للغاية، ولا يزدهر الإقبال على شرائه إلا في موسم قطف الزيتون، وذلك لاستخدامه في عملية تخليل الزيتون.

من جانبها، قالت فاطمة بلحاج إن السوق الأسبوعي المخصص لبيع الملح غير كاف لبيع جميع كميات الملح التي تنتجها النساء، كما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج وارتفاع الجودة تجبرهن على بيعه بثمن مرتفع على ثمن الملح العادي، وهذا ما ينفر الكثير من الزبائن، حسب قولها.

وأضافت بلحاج أن هؤلاء النسوة ورثن المهنة عن الأجداد، وتشكل مورد رزق أساسيا في حياتهن، حيث إن الكثير من النساء العاملات في هذا المجال إما أرامل أو مطلقات، ويشكين من أن ضعف الإقبال على شراء هذا الملح يؤثر سلبا على حياة الكثير من العائلات التي تقتات من هذه المهنة.

فتيحة زكري، رئيسة تعاونية الوفاق، تقول إن النساء تواجهن الكثير من المعوقات؛ بداية من وعورة طريق منابع المياه المالحة، وصولا إلى مشاكل التسويق.

والحصول على الملح لا يستمر طوال العام، فهو موسم يستمر ثلاثة أشهر فقط، وفق فاطمة بلحاج، وتضيف أنه في المقابل لا تبيع النساء إلا القليل، وبأثمان بخسة، فضلا عن أن مستودعات التعاونية لا زالت تحتوي على كميات كبيرة من الملح الذي أنتجناه قبل ثلاث سنوات.

تأمل فاطمة حل تلك المشكلة بفتح أسواق المدن المغربية الكبيرة أمام هذا الملح، بل وفتح المجال لتصدير منتجهم إلى الخارج لتحسين أوضاعهن.

وبحسب إحصاءات رسمية؛ فهناك 1.6 مليون من المغاربة يعيشون في وضعية فقر مدقع، و4.2 ملايين في وضعية هشة، من أصل 35.2 مليون نسمة، ويتركز الفقر في الأوساط الريفية على وجه الخصوص نتيجة ضعف سياسات الدولة الموجهة لتلك المناطق، وفق خبراء.

 

 

الأناضول

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة