لهذا السبب لا توجد نوافذ في المتاجر العملاقة

حرر بتاريخ من طرف

وسط مدينة شويتزينجين (جنوب غربي ألمانيا)، ستجد شيئاً غير عادي؛ مبنى جديد منخفض الارتفاع، بنافذة طويلة في الزاوية الأمامية، وخطوط واضحة، وواجهة مربعة مصنوعة من الإسمنت.

المبنى الذي صُمم بطريقة تسمح بدخول ضوء النهار بشكل جيد، ما هو إلا محل كبير للبقالة تابع لسلسلة متاجر Aldi الألمانية، حسبما ورد في تقرير لموقع Business insider.

ولكن.. ما الغريب في الأمر؟

هذا الفرع التابع لـ”آلدي سود” (الجناح الجنوبي للسلسلة)، تصميمه مستوحى من الهندسة المعمارية للمعماري الألماني الأميركي فان دير روه، الهارب من النازية وأحد رواد مدرسة الباوهاوس الألمانية المعمارية، الذي أثر بشكل كبير في العمارة والفن الحديثين، حيث كان يُؤمِن بشكل كبير بالبساطة، التي جسدها في مقولته الشهيرة “الأقل هو الأكثر”.

ما المميز في هذا المبنى؟

المميز في هذا المبنى ومبانٍ أخرى جديدة لمجموعة “آلدي” الألمانية، أنها تتحدى العمارة التقليدية للمتاجر الكبيرة والتي كانت تقوم على فكرة تقليل النوافذ والاعتماد على الإضاءة الاصطناعية.

فعلى بُعد 80 كيلومتراً جنوباً، في بلدة راشتات-أقرب فرع آخر من “آلدي”، يلتقط هذا الفرع الضوء الطبيعي أكثر مما أنت معتاد رؤيته في محل بقالة.

هنا، يأتي الضوء من فوق، من خلال 28 قبة وُضعت في سقف خشبي، وهو نمط يذكرنا بمباني المعماري الياباني المعاصر شيجيرو بان.

ثورة على تصميمات المتاجر التقليدية

يبدو أن جنوب غربي ألمانيا أصبح ملعباً معمارياً لـ”آلدي”، العلامة التجارية المشتركة لسلسلتين من سلاسل السوبر ماركت العالمية، التي يوجد مقرها في ألمانيا مع أكثر من 10 آلاف متجر في 18 دولة، ويقدَّر حجم مبيعاتها بأكثر من 50 مليار يورو.

إنها خطوة غير عادية للمتجر، الذي لم يكن مغرماً بإجراء التجارب حتى وقت قريب.

حتى الآن، بُنيت معظم المتاجر على شكل مستودعات كلاسيكية أو على شكل خيمة، مع سطح شديد الانحدار وانعدام دخول الضوء الطبيعي.

إنه ليس “آلدي” فقط الذي كان يتجنب الضوء الطبيعي لسنوات، على الرغم من أن الأمر يكلفه ثلث تكاليف الكهرباء؛ بل كان اتجاهاً عاماً لدى سلاسل المتاجر.

لماذا تفضل محلات السوبر ماركت القليل جداً من النوافذ؟

تقليدياً، كانت الهندسة المعمارية للمتاجر تقوم على كونها أشبه بصناديق شبه مغلقة بنوافذ قليلة.

يقول ماثياس ستريتشر، أستاذ الإدارة والتسويق والسياحة في جامعة إنسبروك النمساوية، إن المساحة مسؤولة بشكل رئيسي عن عدم وجود ضوء طبيعي: “المساحة مكلفة جداً، بالأخص في مراكز المدن؛ ولذلك يجب استخدامها لتحقيق تأثير أفضل، الحصول على نوافذ عريضة وعمودية أمر يكاد يكون مستحيلاً تقريباً؛ لأن معظم المساحات تشغلها رفوف كبيرة “. يجب على السلاسل التجارية أن تجرب مفاهيم الغرف الجديدة، وخاصة في المناطق الصناعية، حيث يكون السوق منفصلاً.

يقول ستريشر إن هناك أسباباً نفسية للاستغناء عن النوافذ: “حجب المكان عن الضوء الطبيعي يقلل من الشعور بالوقت، وهذا قد يساعد على زيادة مدة تسوق المتسوقين”.

كما يقول خبير التسويق: “حتى التأثيرات المتعلقة بالطقس -مثل التقلبات المرتبطة بالطقس والتي يمكن أن تؤثر على إحساس المستهلك- يمكن التحكم فيها بشكل أفضل؛ لأن الطقس السيئ يختفي من المنطقة المعنيّة، على الأقل فترة قصيرة”.

لماذا يرفض البعض الاتجاه الجديد لفتح النوافذ

تعمل ميكايلا فون بومغارتن مهندسةً معماريةً بمكتب الهندسة والتخطيط “أيب فينزل” في فورتسبورغ بألمانيا، والمسؤول عن تصميمات فرعي “آلدي” المذكورين أعلاه.

وتقول عن ميل سلاسل المتاجر لتقليل النوافذ: “إن المنتجات في المتاجر تسلَّط عليها الأضواء بالتساوي، بالإضافة إلى ذلك، هناك دائما إمكانية عدم شراء العميل منتجاً تلاشى لون عبوته إلى حد ما بسبب الشمس”.

وتضرب مثالاً لتفضيلات العملاء التقليدية بعميل لدى شركتها، هي صيدلية “دي إم”، التي تتجنب الضوء الطبيعي قدر المستطاع. وتقول فون بومغارتن: “يفضل (دي إم)، أن يكون الضوء الطبيعي في المدخل فقط، وعلى قدر الضرورة”.

لماذا تتراجع بعض المتاجر العملاقة عن سياسة النوافذ القليلة؟

رغم استقرار عقيدة النوافذ القليلة، بدأت سلاسل المتاجر، مثل: “آلدي”، “إديكا”، أو “ريوي” الألمانية خوض تجربة إفساح المجال للضوء الطبيعي للدخول.

فلماذا قررت التخلي عن سياسة الصناديق المغلقة التي يسمونها متاجر والتي يُفترض أنها تجبر الزبون على المكوث فترة أطول وتحقق لها مزيداً من الأرباح؟

إنه السبب نفسه: الحفاظ على الزبائن في المتاجر فترة أطول.

الفكرة من وراء هذه الهندسة المعمارية الجديدة، أنه وفقاً للطريقة القديمة: إذا كنت في صندوق أسود مغلق بإحكام مع ضوء اصطناعي، فستقوم وتغادر.

توصلت دراسة أُجريت من قِبل مختبر الطاقة المتجددة الوطني في ولاية كولورادو الأميركية، إلى هذا الاستنتاج في عام 2002، وأوصوا باستعمال الضوء الطبيعي.

وبالفعل، شعر العملاء والموظفون بشعور أفضل و بأمان أكثر، وكانوا قادرين على تحديد المنتجات والناس بشكل أسرع.

تجربة التسوق أصبحت أكثر اعتماداً على الخبرة مع الضوء الطبيعي، كما هو الحال في السوق الأسبوعي.

لماذا يبدو أن الشمس تهدد السياسة الجديدة؟

بدأ إنشاء نماذج سابقة للمتاجر التي تفسح المجال للإضاءة الطبيعية منذ فترة طويلة في النمسا وسويسرا، مثل سلاسل “إم-بريس” و”ميغروس.”

في ألمانيا أيضاً، الأسماء الكبيرة الأخرى مثل “إديكا”، و”ريو”، و”تيقوت”، تسير في مسار التغيير.

ومع ذلك، فإن المتاجر التي تعتمد على الضوء الطبيعي لا تزال في المرحلة التجريبية. وتأثير الضوء الطبيعي على عملها مثير للدهشة.

فون بومغارتن، كان لها تجربة مع هذه المشكلات، تقول: “عندما تم بناء فرع (آلدي) في راستات، قمنا بإجراء أبحاث إضافية لدراسة تأثير الضوء الطبيعي، منها كم من الوقت تتعرض المنتجات للضوء الطبيعي الذي يدخل من خلال النوافذ وفي أي وقت من السنة. والنتيجة: ذاب خبز الزنجبيل في فصل الشتاء بعد ساعة واحدة من تعرُّضه لأشعة الشمس”.

كان لا بد من إعادة التهيئة: تم وضع زجاج واقٍ مع أنماط دقيقة عاكسة في الفجوات الموجودة بين ألواح الزجاج، والذي يسمح للأشعة فوق البنفسجية والحرارة بالمرور عبره، ولكن في الوقت نفسه يحتفظ بشفافيته.

وطُوِّرت هذه التكنولوجيا من قِبل معهد فراونهوفر الألماني لأنظمة الطاقة الشمسية (ISE)، الذي كان يختبر كفاءة السوبر ماركت الذي خاض التجربة مدة سنتين.

وبعد مرحلة الرصد، وصل المعهد إلى معادلة مؤقتة تزن بين استخدام الضوء النهاري والضوء الاصطناعي، والنتيجة: تم تخفيض استهلاك أنظمة الإضاءة بنسبة 23% مقارنة بالفرع الرئيسي الذي يستخدم ضوء النهار.

“إديكا” تُغرق أسواقها بالضوء.. فماذا عن منافسيها؟

في حين أن “آلدي” اختبر في بادن أساساً زيادة الضوء الطبيعي، وهي منطقة في جنوب غربي ألمانيا، فإن سلسلة “إديكا” التجارية الألمانية في ولاية بافاريا بجنوب شرقي البلاد تقوم بالعكس؛ إذ تم استبدال النوافذ البانورامية بجدران إسمنتية في عدة فروع، مثل: “ديلينجن”، و”إنجولشتات”، و”جايمرشيم”.

ولكن رغم ذلك، فإن ضوء النهار قد تسلل داخل المتاجر أخيراً، ولن يكون مفاجئاً أن يكون الجيل القادم من محلات الأسواق التجارية أشبه بصوبة أو مدفأة كبيرة فاخرة، بدلاً من المستودعات المجردة التي تبدو كأنها سجن كبير للزبائن.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة