قوانين اجتماعية في المغرب “موقوفة التنفيذ” إلى أجل غير مسمى

حرر بتاريخ من طرف

“حبر على ورق”… بهذا يمكن تلخيص عدد من القوانين ذات الخلفية والطبيعة الاجتماعية التي تظلّ من دون تنفيذ على أرض الواقع في المغرب، لأسباب مختلفة. ولا نرى قوانين مثل قانون منع التدخين في الأماكن العامة يُطبّق ولا قانون تجريم رمي النفايات في الطرقات ولا قانون منع التبوّل في الشوارع ولا قانون الحفاظ على السكينة العامة.

القوانين موجودة وقد صادقت عليها الحكومة المغربية، إلا أنّ التدخين ما زال “مسموحاً” في الأماكن العامة، فكثيرون لا يتورّعون عن التدخين من دون خشية تفعيل القوانين الزجرية. كذلك فإنّ النفايات تُلقى في الشارع من دون خوف من العقوبات المنصوص عليها، والأمر نفسه بخصوص حالات خرق السكينة وإزعاج السكان.

ينصّ قانون منع التدخين والدعاية للتبغ في الأماكن العامة، والذي صادقت الحكومة عليه قبل نحو 17 عاماً، على منع التدخين في الأماكن المغلقة مثل المستشفيات ودور السينما ومراكز التسوق والمطاعم والمقاهي، ووسائل النقل العامة مثل الحافلات وسيارات الأجرة والقطارات، وكذلك في المدارس والجامعات وفي داخل المصاعد وما إليها. ويفرض هذا القانون وضع إشارة منع التدخين في أماكن بارزة وبخط مفهوم وواضح للعيان، كذلك يُمنع بيع السجائر في مساحة لا تبعد 500 متر على أقلّ تقدير عن المؤسسات التعليمية، أو لمن يقلّ عمره عن 18 عاماً، بينما تُمنَع الدعاية الخاصة بالتبغ في وسائل الإعلام، وتُفرَض غرامات مالية كبيرة على المخالفين.

تشكو المواطنة حليمة الوديع من عدم تطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة، تقول حليمة الوديع إنّها تقاسي الأمرَّين يومياً في وسائل النقل، خلال توجّهها إلى عملها وعودتها إلى منزلها. وتؤكد حليمة التي تعمل في أحد معامل الحيّ الصناعي في مدينة سلا (غرب)، “بتت مدخنة بطريقة غير مباشرة (سلبية) من كثرة استنشاقي دخّان سجائر الآخرين”. في السياق، راحت هيئات وأحزاب سياسية تتّهم وزارة الصحة المغربية بأنّها تدافع عن شركات التبغ، متسائلة عن دوافع عدم تطبيق القانون. لكنّ وزارة الصحة رمت الكرة في ملعب وزارة العدل المغربية، إذ إنّها هي المكلّفة بمهمّة إصدار “مراسيم تطبيق القوانين”.

قانون آخر ذو طبيعة اجتماعية لا يجد طريقاً له إلى أرض الواقع، وهو القانون المتعلق بالنظافة العامة الذي ينصّ على عدد من العقوبات، السجن والغرامات المالية، في حقّ كلّ من يرمي المخلفات والنفايات في الأماكن العامة، فضلاً عن غسل المركبات ووسائل النقل في الأماكن العامة والساحات. ويقول عبد الهادي أوحمو، وهو مشرف على نظافة الأزقة في أحد أحياء مدينة الرباط، إنّ “هذا القانون مجرّد حبر على ورق. كثيرون يرمون القمامة في الشارع من دون أيّ عقوبة”. ويشير إلى أنّ “الأمر يتعلق بالضمير والتربية أكثر ممّا يتعلّق بالقوانين”. وهذا القانون نفسه يعاقب التبوّل أو قضاء الحاجة في غير الأماكن المعدّة لذلك، ويحظر تربية الماشية والطيور وما في حكمهما في المنازل والوحدات السكنية. وينصّ على معاقبة من يتبوّل في الشارع بتنظيفه عددا من الأزقة لمدّة شهرَين، غير أنّ ذلك لم يطبّق بعد في البلاد.

أمّا القانون الذي يعاقب من يخرق السكينة العامة أو يستهدفها في الأحياء من خلال الصراخ أو الضجيج، فنادراً ما يُطبّق. ويمكن تسجيل ضوضاء من جرّاء مباريات كرة قدم بين الأطفال ومن جرّاء إطلاق الأبواق في الأعراس وغير ذلك، الأمر الذي يزعج السكان من دون أن يُعاقب المتسبب في ذلك.

يقول مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان، عبد الإله الخضري، إنّ “قوانين كثيرة لا تجد طريقها نحو التفعيل على أرض الواقع إلا نادراً”، ويلفت إلى أنّ “معظمها إن لم تكن كلها ترتبط بالسلوك الفردي في داخل الفضاء الجماعي، وتشتمل على ضرر غير مباشر أو ضمني”. ويشرح الخضري أنّ “ذلك يعكس مدى ارتباط المغاربة الهزيل بالقيم والأخلاق في إدارة العيش المشترك بين الناس”، مضيفاً أنّ “هذه السلوكيات تسائل مدى إيماننا وتقبلنا للحياة المشتركة في الفضاء العام، في خضمّ إصابة المجتمع باختلالات تطاول مقومات تلك الحياة”.

ويتابع الخضري أنّه “حين تغيب قيم تكافؤ الفرص وتعمّ الانتقائية في تطبيق القوانين، تطغى الأنانية الفردية على حساب الالتزام والانضباط الجماعيَّين، فيضمر الأفراد مشاعر اليأس والإحباط والاحتقان، وبالتالي لا يكترثون لقواعد العيش المشترك. فلا يهتمّون بإزعاج الناس من حولهم بدخان سيجارة، ولا برمي النفايات في الشوارع بدلاً من وضعها في الأماكن المخصصة لها، ولا يبالون باشمئزاز غيرهم وتضرّرهم من خلال التبوّل في الشوارع وتلويثها”. ويؤكد أنّه “إزاء افتقار المجتمع إلى روح الحياة الجماعية المشتركة، فإنّه يصعب جداً تعويض ذلك من خلال القيم والقناعة، ويتوجّب بالتالي فرضه قسراً عن طريق القوانين والعقوبات المترتبة عن عدم الامتثال لذلك”.

ويكمل الخضري أنّ “القضاء غير قادر لوحده على معالجة هذه القضايا، في ظل مواجهته ملفات أكثر خطورة على العيش المشترك، مثل تفشّي ظواهر الإجرام والاعتداء على الأرواح والممتلكات. وتلك الظواهر تحتاج إلى توعية حول مخاطرها على حياة المواطنين”. ويرى أنّ “الطريقة الفضلى للتوعية حول مخاطر تلك السلوكيات هي في تلقين الأطفال والناشئة في المدارس والثانويات الطرق السليمة لمعالجة النفايات وتجنّب التدخين في الأماكن العامة، والحرص على نظافة الشوارع وعلى احترام الغير، وذلك كواجبات وسلوك مسلم بهما في الأماكن العامة”.

المصدر: العربي الجديد

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة