زواج الأقارب في المغرب بين الرفض والقبول

حرر بتاريخ من طرف

نسبة زواج الأقارب في المغرب تعد مرتفعة، خصوصاً في القرى، ما قد يؤدي إلى مشاكل صحية لدى الأطفال، عدا عن تدخل العائلات، وإن كانت هناك تجارب ناجحة. وعلى الرغم من أنّ هذا النوع من الزواج قد يحمل مشاكل عدة للزوجين، إلاّ أنه ما زال موجوداً في مناطق عدة في المغرب، خصوصاً في القرى، التي يتمسك أهلها بالتقاليد والحفاظ على لُحمة وتماسك العائلة المغربية. وتشير إحصائيات رسمية إلى أن نسبة زواج الأقارب قدرت، في عام 2016، بـ15 في المائة في المجتمع المغربي، بعدما كانت تتجاوز 21 في المائة في عام 2010. وفي القرى، تبلغ نسبة زواج الأقارب 33 في المائة، ليعاني الأطفال من أمراض نادرة بنسبة 50 في المائة.

وفي عدد من مناطق المغرب، خصوصاً البوادي والقرى، ما زال زواج الأقارب حاضراً بشكل كبير. وترى الأسرة أن زواج الرجل من ابنة عمه أو ابنة خاله يحافظ على تماسك العائلة ونسلها وثروتها، سواء كانت الثروة أرضاً أو ماشية أو غيرها من الممتلكات العينية. هذا الاعتقاد السائد بشأن فوائد وإيجابيات زواج الأقارب يؤكده محمد عويتق (56 عاماً)، ويقول إنه “تزوج من قريبته، وقد أسس عائلة سعيدة، على الرغم من ضعف الإمكانيات المادية. وزاد هذا الزواج من تعميق أواصر المحبة ورابط الدم بين الأسرتين”.

ويشرح أنّ عائلته اختارت أن تتحد القبيلة التي ينتسب إليها مع القبيلة المجاورة، وأن تبقى الأراضي الزراعية مشتركة بينهما من دون إدخال غريب إليها، فتزوج بقريبته قبل أكثر من ثلاثة عقود، مضيفاً أن مثل هذا الزواج كان عاملاً لاستمرار صلة الرحم بين القبيلتين حتى اليوم. ويقول إنه نادراً ما تحصل مشاكل بينه وبين زوجته أو بين القبيلتين. لكن في حال حدث شجار، تتحرك “الجماعة” المؤلفة من حكماء القبيلتين للبت في الخلاف وإرجاع المياه إلى مجاريها. يتابع، أنه لو لم يتزوج من امرأة تجمعه بها صلة قرابة، لربما انتهى زواجه. ويتحدث عن طبيعة شخصيته الحادة، ويلفت إلى أن ابنة عمه التي تعرف سلوكه وشخصيته جيداً كونهما تربيا معاً في عائلة واحدة، كانت قادرة على التعامل مع شخصيته، بل ساعدته وأصبح شخصاً هادئاً مع مرور الزمن. وكخلاصة، يرى أن زواج الأقارب يحافظ على مصالح العائلات.

أما مصطفى إينو، وهو مهندس ديكور، يحكي لـ “العربي الجديد” عن نجاح زواجه من ابنة خالته، على الرغم من تشكيك الأصدقاء والمحيطين به. وكان قد تحدى الجميع وقرر الزواج من قريبته، وكان زواجهما ناجحاً، على الرغم من الفترات الصعبة التي عاشاها. يضيف: “تشاركنا الحياة بحلوها ومرها”. ويرى أنّ زواج الأقارب صمام أمان، إذ أن العائلتين تحرصان على صلة الرحم، والحفاظ على العلاقات الوثيقة بينهما، فيتدخل الجميع من أجل تهدئة الخواطر في حال حدوث مشاكل. يضيف أن الزوجة في حال كانت تجمعها صلة قرابة بزوجها، تكون أكثر حرصاً على سمعته وماله ومهنته، كونها تشعر أنها جزء من أسرته.

في المقابل، تقول فوزية الكرحي (في العقد الرابع)، وهي مطلّقة من أحد أقاربها، إن تجربة الزواج من قريبها كانت فشلاً على كل الأصعدة. تضيف لـ “العربي الجديد”: “بعد زواجي، بدأت نساء العائلتين القريبتين يتدخلن في كل تفصيل، بدعوى أنهن من العائلة ويرغبن في صون الزواج وحمايته من أي تهديد”. وتوضح أن كثرة التدخلات من قبل نساء العائلتين أججت المشاكل مع الزوج، ولم يعودا يشعران بالأمان أو الاستقرار النفسي”. وتشير إلى أن عاملاً آخر كان حاسماً في طلاقها، وهو أنهما رُزقا بطفل يعاني من إعاقة ذهنية نتيجة زواج الأقارب. وفي النتيجة، هرب الزوج، وهو ابن عمها، بعد ست سنوات من الزواج.

مليكة، وهي أم لطفل في الثامنة من عمره يُدعى نبيل، تقول إن ابنها وُلد بتشوّه خلقي، وقد فقد بصره وتوقف جسده عن النمو، وذلك نتيجة زواجها من ابن خالتها. وتكثر القصص المشابهة، والتي يكون فيها الأطفال ضحية.

من جهته، يقول الباحث الاجتماعي بدر موقاتي، إن زواج الأقارب في المغرب يحمل مآسي صحية واجتماعية أكثر من المنافع، مضيفاً أن التحضّر في المدن أدى إلى تناقص نسبة زواج الأقارب بخلاف القرى. ويوضح أنه في المدن، هناك فرص للتعارف بين الرجال والنساء، ما يساهم في التقارب بينهم، ثم يحصل الزواج بعيداً عن حسابات الأسر. ويرى أن مضار زواج الأقارب أكثر من منافعه، خصوصاً لناحية المشاكل الصحية والنفسية والأمراض الوراثية التي قد تصيب الأطفال، إضافة إلى المشاكل بين العائلات، والتي تؤدي أحياناً إلى الطلاق. من هنا، يجب التوعية حول المخاطر الصحية الناتجة عن زواج الأقارب، خصوصاً في القرى.
المصدر: العربي الجديد

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة