رمضان والجاليات في قطر.. عبادات وموائد سمر وحنين متوقد إلى الديار

حرر بتاريخ من طرف

يحل الشهر الفضيل بغنائمه الروحية التي لا تكاد تحصى، وفي ركابه مباهج ثقافية واجتماعية شتى. وما بين البلد الأم وبلدان المهجر، على اختلافاتها وامتداداتها الجغرافية، مسافات دلالية تمتد لدى هذا الطرف وقد تتقلص لدى الآخر، ضمن زمن روحاني استثنائي بامتياز؛ يبدو أن له نفس الوقع ومتقارب في جوانب من تجلياته الثقافية، لكن غالبية من المغتربين لا يملكون إلا أن يعترفوا، أن إيقاعا داخليا لأجوائه تبقى مفارقة تحمل بصمة وطعما خاصين في البلد الأصل، على نحو يبعث اشتياقا وحنينا جارفين إلى الديار ودفء الأسرة والثقافة الأم.

مجرد لحظات عابرة من زمن الشهر الفضيل، تبعث شريطا استعاديا من الذاكرة لطقوس الأهل والبلد من ذات زمن آفل . لكل مسافة خاصة تفصل بينه وأحبائه، ليست فقط جغرافية ولكنها نفسية وعاطفية، وجزء من نبض ذاكرة اصطفائية في الغالب.

بعضهم تستوقفه ذاكرة الطفولة، وينتشي بسرد لذائذ موائد الإفطار والسحور وصباحات الأعياد وأحاديث الأهل والأحلام المشتركة، لكن أجواء معيشه، وقد اندمج حيث يوجد وبنى لنفسه واقعا جديدا، تشعره بنوع من الكفاية، وإن كانت في عمقها لا تغنيه كلية عن سنده المرجعي وأس هويته.

أما عينة أخرى فيتوقف زمنها هناك في موطنها، ولو كان في الاستضافة رحابة وكياسة وحسن وفادة. يبقى لديها دائما، بالرغم مما تكون حققت من اندماج في وسطها الجديد، حنين مقيم إلى الديار والأهل لا يفارقها، بل ويزداد قوة كلما استجدت مناسبات لها خلفيتها المثقلة بروح الهوية الثقافية والدينية. وللشهر الفضيل كل هذه الحمولة وأكثر.

ومما يعمق هذا البعد أن لرمضان خصائص عدة من بينها أنه يفتح الأفق واسعا للتأمل واسترجاع تفاصيل الأنا والآخر ومفردات تحيط بالحياة الروحية والاجتماعية الآنية والماضية، ويحيل إلى مراجعة بعض القناعات والاجتهاد في استحضار ما ينبغي أن تكون عليه السلوكيات.

كل لحظة من رمضان في المهجر تبعث، في عمقها، ومهما كانت عابرة، ما يماثلها في الذاكرة من زمن رمضان في البلد الأصل، وتحيي الحنين إلى طقوس بعينها، بطعم مختلف، يتذوقه ويستعيده كل واحد بمزاج وعمق خاصين.

يقول سمير البرغوتي، الإعلامي الفلسطيني، المقيم منذ أمد في الدوحة بعد إقامة سابقة له في الكويت، في بوح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إنه كلما هل رمضان تنهال على الذاكرة، رغم أنها لم تفارقها أبدا، مشاهد من رمضان في القدس، فتحيي فجيعة الافتقاد والفقد.

ومن قلب جراح ما يحدث هناك، والمصير المعلق لبلد يكابد من أجل انعتاقه منذ 71 عاما، يحضر من قلب عتمة ما يجري ويدمي، ومن قلب صفاء ونورانية الشهر الكريم هنا في الدوحة، مشهد من زمن بعيد-قريب لم يفارق الذاكرة؛ التفاف الأهل حول مائدة الإفطار والسحور، وتلك النكهات التي لا مثيل لها، والتي ما يزال يسري طعمها في فمه متميزا لم تؤثر عليها السنون أو تخالطها وتتفوق عليها غيرها من النكهات.

وفي المشهد أيضا تحضر بقوة صورة والده وهو يصحبه للصلاة إلى بيت المقدس، ما يزال يحس بدفء يده وهي تلتف بحنو غامر على كفه، وهما معا في طريقهما بين دروب القدس العتيقة، مرورا بباب المغاربة وقبلها بالبراق، مربط دابة رسول الله (صلعم) قبل عروجه إلى السماء، وطريق الالام حيث تم سحل المسيح عليه السلام لصلبه والتخلص منه لتحكم المشيئة الإلهية غير ما ب ي توا.

آلاف الصور تمر مع كل رمضان والحزن يزداد عقدا تجثم على صدره لأن الظروف القاسية، وتلك بعض من حرقة لا تنطفئ، لم تمكنه من أن يورث هذه التفاصيل لأبنائه.

ويبقى لكل وقت صلاة في القدس حلاوت ها، خاصة في أجواء رمضان البهية النورانية وأصوات المآذن وتراتيل القرآن. وفي قلب المشهد أيضا حكايا التنافس بين أترابه في طفولته البعيدة لتجارب الصيام الأولى، وفرحة الإفطار وفخر الأهل والاعتزاز باقتدار الذات.

وهنا في الدوحة، حيث يدفئه شعور بالانتماء بعيدا عن رجفة الغربة وإن ظل قلبه الرقيب لما تعرفه أوضاع الديار موج عا مكلوما، يحلو له وقد أصبحت قطر أيضا جزءا منه، وملهمته في كثير مما يكتب، أن يستحضر في هذا الشهر الأبرك معالم من بهجة تذكره أيضا ب”الهناك” فلسطين الحبيبة، وبالأخص من خلال مشهد التسابق إلى إطعام الصائم، وهاته الأريحية في التنافس على توزيع أطباق الأكل قبيل ساعة الإفطار على الجيران والأصحاب، في ما يصبح في كثير من الأحيان حركة إياب وعودة، وتبادلا سخيا لما تحفل به الموائد الرمضانية.

فما على الموائد هناك في فلسطين، زمن طفولته، وهنا في الدوحة قسمة بين الجيران، المستضيفون منهم (أبناء البلد) والجاليات الأخرى؛ من فلسطين تحضر “المقلوبة (طبق الأرز بالخضراوات واللحم) والمنزلات من خضروات ومفتول (كسكس)”، ومن قطر “الثريد والهريس (طبق حب القمح والدجاج والدهن والبصل يهرس بعد طبخه ليصير مثل العجين اللزج)” ومن الجاليات الاخرى كالمغربية (الطاجين والكسكس) والمصرية (الملوخية بالأرانب).

وضمن نفس المشهد، قد يبدي الزواج المختلط انصهارا عجيبا بين الثقافات، ويولد أصنافا ثقافية مركبة في أساليب العيش تشمل المأكل والملبس وسلوكيات الانخراط في أجواء والتزامات الشهر الفضيل.

ففي مائدة إلهام الشابة المغربية المتزوجة من مواطن مصري، ربة بيت وأم لثلاثة أطفال، والمقيمة أزيد من عقد في الدوحة، أصبحت من لزوميات المائدة الرمضانية “الحريرة” والحلويات الرمضانية المغربية إلى جانب أكلة “المحاشي” و”الغولاش” و”المكرونة بالبيشاميل” المصرية وأيضا “الطعمية” و”الفول المدمس”، وقد لا تخلو أيضا من طبقي “الهريس” و”الثريد” القطريين اللذين غالبا ما تصر جاراتها وصديقاتها القطريات إرساله قبل ساعة الإفطار بوقت قصير ضمن عملية يومية للتهادي وتبادل لذائذ الإفطار وكسب ثواب إفطار صائم.

تؤكد إلهام، في بوح مماثل للوكالة، أن أجواء رمضان في الدوحة، بين حركة الناس وازدحامهم في الفضاءات التجارية الكبرى وفي “سوق واقف” و”سوق الوكرة” يحيل إلى بعض من تلك الأجواء التي تميز أزقة المدن القديمة في المغرب أو شوارع القاهرة في هذا الشهر الفضيل، لكن الأجمل، برأيها، أن أداء الصلوات في مسجد محمد بن عبد الوهاب بالدوحة، حيث تحرص السلطات القيمة على استضافة علماء من أنحاء العالم للتناوب على الإمامة وتلاوة القرآن، يفصل الحالة النفسية للمصلي عن هموم الحال والمآل ويخلق إحساسا روحانيا بهيا يحلق بها بعيدا إلى بيت الله الحرام وأجوائه النورانية، بينما يبقى الحنين أكثر توقدا في هذا الشهر للأهل وجلسات السمر وسط الوالدين والإخوة، وتنهال مع كل لحظة ذكريات من زمن رمضان في المغرب.

وفي جانب من الصورة الكلية للأسر المغربية المقيمة في قطر، يبرز حرص أكيد في العناية بالتفاصيل والترتيبات نفسها لخلق أجواء رمضانية قريبة مما هو عليه الأمر في المغرب؛ نفس العادات والأطباق، والرغبة والمثابرة في اغتنام فضائل الشهر الكريم، مع الحفاظ على الروح المغربية المضيافة والمنفتحة بقوة على الآخرين.

وضمن فسيفساء هذا المزيج الثقافي الذي يؤسس لواقع الدوحة، السوق الناشئة بامتياز والتي تستقطب العمالة والكفاءات من جنسيات وأديان مختلفة، لتواصل بناء حداثتها بمثابرة وجهد مميزين، يحضر رمضان ليدخل على دينامية الأنشطة روحا أخرى يعيش المواطنون والجاليات المسلمة تفاصيلها بعمق وتعايشها الجاليات غير المسلمة بكثير من التقدير والاحترام.

ومما يميز أيضا هذا الشهر في “دوحة الخير”، كما يحلو لكثير من المقيمين مناداتها، السمر الليلي في المطاعم والفنادق والخيام الرمضانية، خاصة في أماسي الخميس والجمعة، حيث تقضي الجاليات سويعات لتقاسم زمن أنس وود وتبادل ثقافي، لتدفع بها بعضا من الحنين إلى الأهل، ولتكشف عن تنوع ثقافي بديع وتقارب، وميل مستحكم للعطاء، ومائدة كبيرة تستوعب كل مأكولات العالم، تتذوق منها وتنفتح عليها جميعا.

ومن قطر البلد المضيف، تؤكد الأكاديمية القطرية خولة مرتضى، في بوح مماثل للوكالة، أن الحداثة التي أصبحت تحيط بتفاصيل الحياة في قطر لم تستطع أن “ت حاص ر شهر رمضان”، في خصوصيته الدينية والثقافية، وأنه بالرغم من هذا “الزحف البطيء لمظاهر الحياة الاستهلاكية الجديدة”، ما يزال رمضان “حكاية ينتظرها أهل قطر لتروي قيما ما تزال صامدة أمام رياح التعرية والترسيب”، فما بين أداء الفروض والنوافل وحضور حلقات الذكر ودروس تلاوة وحفظ وختم القرآن الكريم والتضرع لله بالدعاء في (التراويح والقيام وليالي الق د ر) وطرق الإحسان والعطاء المتعددة، هناك حركة التزاور بين الأهل والمعارف، وتقاسم أطباق الأكل قبل الإفطار.

وماتزال الأسرة القطرية، تضيف الكاتبة، تحافظ على نفس الطقوس في الاستعداد للشهر والعيش في كنفه والاستفادة من مغانمه، وما تزال موائده زاخرة بالأطباق الأصيلة إلى جانب أطباق عالمية وافدة، وما تزال السيادة عند الإفطار لطبق الثريد والأرز والهريس والشوربة و”السمبوسة”، وما قبل السحور عند منتصف الليل تحضر إلزاما “الغبقة” التي تتكون في الغالب من السمك والأرز الأبيض والأحمر الممزوج بالسكر.

أما ساعات السمر التي تلي صلاة العشاء والتروايح، حيث يحلو المقام غالبا في “البيت العود”؛ بيت الجد، لتمتد الأحاديث إلى شطآن اهتمامات شتى، فتصطف وسط المجلس وبالقرب من الجلساء أطباق الحلو من لقيمات (كرويات الحلو المعدة من الدقيق والنشا والحليب المجفف والسكر والقشطة)، والساقو (مكون من دقيق نشوي مستخلص من لب النخيل والسكر والزعفران والهيل المطحون وماء الورد وعين الجمل (الكركاع) والزبدة)، والمهلبية أو المحلبية (خليط النشا بالحليب والسكر).

وماتزال، تؤكد الباحثة القطرية، عادة إحياء ليلة النصف من رمضان بطقس (القرنقعوه)، حيث يتم تجهيز أنواع عديدة من المكسرات (الفواكه الجافة) والحلويات لتكون من نصيب صبية الحي الذين يطرقون أبواب البيوت، وقد ارتدوا ألبستهم التقليدية الجديدة، مرددين “أهزوجة تراثية شهيرة” تفتتح ب”قرنقعوه قرقاعوه، عطونا الله يعطيكم، بيت مكة يوديكم”، لتخلص إلى القول بأن زمن رمضان وحده يحدث أن ي عانق فيه الماضي الحاضر، وتنسجم فيه روائح الأكل برائحة العود والبخور والف ل والورد المحمدي.

من قلب كل هذه المشاهد، يكشف زمن الشهر الفضيل في الدوحة عن انسجام وتساكن فريد بين الأصيل والوافد من طقوس متنوعة، تتقاطع جميعها عند ثابت الإكثار من العبادات وفسح السمر والالتذاذ بأطباق واحتفاليات وهوايات تستمد نسغها من طبيعة الزمن في خصوصيته الروحية والتعبدية، مع استبداد الحنين بالوافدين إلى ثقافة البلد الأم دون نبذ أو تهميش لثقافة المضيف وللثقافات الوافدة الأخرى.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة