حين ترقص الكلمات والجسد فوق جمر التجربة

حرر بتاريخ من طرف

قراءة في السيرة القصصية “رقصات على سرير دهشتي” لمؤلفها الأستاذ: عمر الفحلي.

أ ) روح الإبداع: ليس من سمع كمن قرأ:

يمتلك كل مبدع أصيل روحا خاصة أسميها نَفَساً، يسري من صدره، ومن قلبه وعقله، إلى الكتابة فيمنحها حياة حارة حارقة أو سارة مشرقة ويقود القارئ إلى ما في نصه من صدق وما فيه من ألق، كما يقوده إلى المواضع الحساسة والغنية في التجربة، يقوده إلى فرادة الأسلوب وجدة المعنى وأصالة الفكرة. تشرق في خاطري هذه الفكرة وأنا أقرأ وأعيد، السيرة القصصية الممتعة أسلوبا والمشبعة عبرا ومغازي، والنافعة قدوة لمن شاء التمرس على التجريب والتجديد في السرد الذي ينشئ من صهارة اللغة لوحات فنية غاية في الأناقة اللفظية والإفادة الفكرية والإمتاع الجمالي.

“رقصات على سرير دهشتي” الذي هو عنوان المؤلف الجديد لصاحب ” الصفعة” ومحكيات أخرى، الكاتب عمر الفحلي، يجمع فعلا بين الرقص بالكلمات والعبارات، وصهر حديد وصخر اللغة لتشكيل صور ومشاهد من حيوات جوانية وبرانية صار الكاتب لها ساردا بعد أن كان عليها وفيها فاعلا ومساهما وشاهدا، إن الكاتب يعزف كداوود على أوتار الجرح والفرح واليأس والأمل ليخلق سمفونية سرد/شعرية متميزة عن الكثير من السرود والأشعار التي أتيح لي قراءتها بروحها الخاصة ونَفَسِها الخاص، مع وجود تقارب مع أنْفاس نصوص أخرى، حكت السير نفسها أو بعضها أو فروعا لها من زواياها الذاتية، وهو تقارب المجاورة لا تقارب الشبه. فقد كُتب ما كتب من سير مشى أصحابها على الجمر وفوق نتوءات الصخر، وعصفت بهم أيام الشحط والكحط وكابدوا الآلام وقاوموا الظلام. فكان لكل سيرة نَفَسُها المتميز، الذي يقود إلى روح ومعدن وتجربة صاحبها في الحياة وفي الكتابة معا.

إنه رقص ونحت وتصوير وعزف حد الإبهار، وانتصارٌ للإبداع ولفن الكتابة التي تستقل هنا بذاتها عن تجربة صاحبها الحياتية والواقعية، ويسمو بها كاتبها عن الواقع ليجعلها دهشة خالصة. كما لو كان يكتب في حالة ألم قصوى أو فرح أقصى أو نشوة عجيبة أو غيبوبة أو ذهول أمام اللامتوقع الذي وجد نفسه فوق لجي مائه وتحت أتون ناره.

صنف مغاير في فن “الكتابة” كرقصة المجاذيب المستغرقين في الحال.

في “رقصات على سرير دهشتي” تسمو التجربة بالكاتب فتعركه وتصقله وتُطهره بكيات النار حتى يصير مسرودا ثم في تبادل عجيب للأدوار وفي التحام وانصهار أغرب منه، يعود الكاتب إلى التجربة نفسها ساردا لها وواصفا إياها ومعرفا بها، موحدا بين الكتابة والحياة، والشخص والشخصية والسارد والمسرود، والواقعي والمتخيل .ومثلما تسمو التجربة بالكاتب فتنمي وجدانه وتصقل فكره وتنير بصيرته وتوسع آفاقه في اتجاه اكتمال إنسانيته وإزهار شجر حكمته الشخصية، يسمو الكاتب أيضا بالكتابة واصفا ما يجل عن الوصف في أدق تفاصيله، واصفا فيض الوجدان بالمشاعر والأحاسيس، وتدفق الذاكرة بالصور والأسماء والأحداث والوقائع، واصفا حالة الانخطاف التي يصلها من استغرقته الحال وفُتحت أمامه أبواب الكشف وطوت له الزمان والمكان ودونت له التاريخ على صفحة كفه وبأصابعه. لاعبا لكل الأدوار على سرير المكاشفة بكبسة على آلة التحكم أو نقرة على زر لوح الكتابة، فهو العازف والراقص، وهو الرائي والمرئي، هو العين والصورة، يرى نفسه من داخله ومن خارجه كما لو أنه كسر جدران الداخل والخارج معا. كاتب/سارد/شاعر بعين ثالثة وحاسة سادسة. هذا ما هو عليه.

و بالصفة هذه يخلق الكاتب إذن واقعا موازيا ينفصل ويتصل بالواقع العيني في لحظة تجل خاصة يجتمع فيها الماضي بالحاضر والحلم بالحقيقة وتنصهر فيها الكتابة بالتجربة بحيث يصبح هذا الواقع الموازي الذي هو واقع الكتابة، مستقلا بذاته ومعاشا هو أيضا كتجربة خاصة وليست مجرد مجازات واستيهامات وأحلام أو ذكريات تسترجع بواسطة اللغة لإعادة بناء الذات والتأكيد على الهوية. أو للبوح وللتنفيس عن منسوب الألم، أو لمجرد التقاسم والمشاركة، إن الكتابة هنا واقع جديد وتجربة ثانية إلى جانب التجربة الواقعية.

أليس يعبر في ثقافة ما على تقاسم الألم بتقاسم الخبز. وأ ليس تقاسم الكتابة أيضا مشاركة وتقاسما وجدانيا للألم. ألا نشارك بمعنى ما الإنسان طعامه ونحن نتغذى على حروفه وكلماته ومعانيه؟

يكتب عمر متأسيا بأهل سيد الزوين: ” يقول المرحب من أهل بلدتي وأقول معه: المحبة لا تعذروني فيها والموجود من الطعام والشراب نتقاسمه بالتساوي. وأنا أضيف إلى المحبة وتقاسم الرغيف، تقاسم المعلومة المفيدة والسلوك النبيل” ص 12

فمرحبا بنا جميعا على سرير الدهشة لنتقاسم مع المؤلف رغيف الحرف والمحبة والسلام.

ب) السرير أولا

مريض وعلى سرير الألم.

مريض وعلى سرير التجربة التي سيخرج منها أقوى وأرق وأرهف.

مريض على سرير الدهشة. وقادر على أن يخلق الدهشة بكتابته، إنها دهشة المعاناة، ودهشة المعرفة. لأن المعاناة أيضا تصبح معرفة عندما نستطيع تملكها وتقاسمها، وليس بعد هذه الدهشة دهشة أكبر.

سرير يتحول ويتبدل على مدار النهار، ذلك النهار الذي يبدو أنه يستغرق عمر السارد بكامله، سرير يصبح حرفا أو رقما أو اسما. ويصبح مركبة للسفر عبر الألم ورحبة للرقص وحلقة للأشعار والأذكار والأحاجي والحكبي.

يصبح شاشة. يصبح لوحا، يصبح طائرا مقصوص الجناح، يصبح سجنا، يصبح جسدا، يصبح لغة، ورقا، تاريخا، أسماء، ماضيا، فكرا، مبدأ، رفاقا، مرضى، ذكرى، محبة، قوة، صبرا، صمودا، مقاومة. وهلم جرا.

يصبح غيفارا مرة ومرة جورج حبش، ومرة الكسعي ونوار وزينب والحفيدين، والوزة البيضاء، وأبا، وصديقا شاعرا، وصديقا يتلعثم أو يتعثر في الكلمات أو متحولا جنسيا أو فقيها مغتصبا للأطفال، أو نبيا او بلدة أو جلادا فهو بلقيس وهو سليمان وهو درب مولاي الشريف سبأ وسيدي قدور، ويصبح سبابة تضغط على الزناد في مخيم الجولان وأصبعا يصوب النبلة إلى عنق الأيائل والريم. وهو في كل تحولاته تلك يبقى دائما وأبدا مزمورا من مزامير داوود ونشيدا من إنشاداته.وفصلا من كتاب المحبة وأنات الألم.

رقص وعزف، وسفر عجيب، من لوح الكُّتاب والصلصال والكراك إلى لوح المفاتيح والفضاء الأزرق والنقرات.

سفر أيضا للبحث عن نصوص منسية لإعادة كتابتها وإعادة تشكيل هويتها، أو عن نصوص وأيام وتجارب سقطت سهوا أو بفعل فاعل من الذاكرة المزدوجة، ذاكرة الإنسان وذاكرة الحاسوب.

سفر وإقامة.

ورؤية ورؤى.

وواقع وأحلام على سرير الدهشة.

أليس السرير مكانا للحلم والتذكر ؟ وأليس هو أيضا مكانا للألم وللوجع بامتياز؟ إذ لا مكان لأحلامنا غير أَسِرة نومنا، ولا مكان لآلامنا غيرها أيضا،ألا يسمى السرير سرير النوم لخلي البال، كما يسمى سرير المرض للمبتلى؟ وسرير الفحص والكشف لعليل الجسد، وسرير المكاشفة والبوح لصفي الروح؟ عجبا كيف يتصادى ويتناغم الألم والحلم والبوح واسترجاع الذكرى على السرير نفسه، والأعجب من ذلك كيف يصبح الحلم أملا يتعلق به المريض، والكتابة حلا للتسامي والتصعيد والانتصار على الموت وهزمه، بمؤازرة من يحيطون بالسرير، أو يُكَوِّنون حلقة المتضامنين والمتعاطفين حول الرحبة، أي حلقة المحبة، ما أضيق السرير وما أو سع الرحبة. ما أصغر الجسد وما أوسع الحلم حين يتمدد ليشمل الآخرين .

لقد كان اختيار العنوان مناسبا وموفقا ووفيا للمعنى… الرقص على سرير الدهشة، رقص تحت كيات النار وشرر الذكرى وفوق الماء الذي يروي الجذور ويغذيها.

سفر /سيرة على امتداد عمر الكاتب الذي سمى مؤلفه سيرة قصصية، وإني لأميل ميلا قويا إلى تسميته سيرة شعرية أو سرد شعرية، متميزة ومختلفة عن الكثير من السير الشبيهة الأخرى في البناء والأسلوب والمعنى وفي الوقع والأثر.

سيرة للرقص تحت كيات النار، نار الاعتقال ونار النضال ونار الاختبار بالمرض الرجيم، نار الألم ونار التجربة،

سيرة للرقص فوق الماء، ماء الارتواء بثقافة الأسلاف وبالموروث والتراث وبالفكر الجديد، بالعرفان والبيان وبالبرهان جميعها معا ومرة واحدة، حاضرة لتدل على مدى سعة اطلاع صاحبها واتساع آفاقه ورحابة صدره وعقله الذي يسع ويستوعب الثقافة والفكر في مختلف ضروبهما، موروثا ودينا وفلسفة وثقافة شعبية وسياسية وحقوقية، وعادات ورؤى وأحلاما مجهضة أو منسية.

هل يستطيع قلب أن يرقص تحت النار وفوق الماء إن لم يكن قلب شاعر صادق، مسكون بالفكر وبهواجسه، وإن لم يكن قلب إنسان كبير، مسكون بمحبة الإنسان وبالدفاع عن كرامته؟

شعر وفكر، عاطفة وعقل، وقوة وهشاشة.

هل يستطيع قلب أن يتحمل كل ذلك الألم إن لم يكن رغم هشاشته ورهافته الإنسانية من معدن صلب كالحديد؟

والهشاشة هنا، آخذها بالمعنى الإيجابي تماما، تلك الهشاشة التي قد تفتل الحديد وتطوي الزمن وتقدر سرده تقديرا.

وكيف تجتمع الرقة والرهافة والهشاشة في قلب وتجتمع معها القوة والصلابة والعزم والإرادة، ذاك سر وسحر التقدير في السرد الآخر، سرد الحكاية بعد سرد الحديد، وكلاهما، الحكاية والحديد يبدءان بحرف الحاء، حاء الحب، والمحبة التي تجعل من الحكاية/ الحديد استحضارا لمعجزة داوود الذي قدر في السرد وأتقن الغرزة، وتجعل من الكاتب ساردا لمعجزات الانتصار على الجمر والرصاص ومعارك الأمعاء الفارغة التي انتهت بمعارك جديدة ما يزال الكاتب يخوضها ضد المرض حتى الانتصار.

ج) الرقص ثانيا

من زاد عليك في الرقص فقد زاد عليك في الألم.

ذاك ما كان من شأن السرير، آلة الحفر و” طيارة” السفر، أقصد الحفر في ثنايا وطي ضلوع السارد والسفر بمكنوناتها عبر الأزمنة والحقب والأمكنة المتفرقة والمتباعدة، فماذا بشأن الرقص بذاته، إذا ما اعتبرنا السرير رحبة للّوحات الراقصة؟

في الكتاب السيرة للصديق عمر الفحلي، إتقان لغرزة السرد ولفن الحكي إلى درجة أن السيرة المكتوبة لوحدها وبمعزل عن أي فكرة مسبقة عن تجربة صاحبها مع الألم والمقاومة ومع الوفاء لجوهر الإنسان، تعد تحفة فنية ومعزوفة خالصة، ولوحات راقصة من تصميم كوريغراف مقتدر .

وليس من قرأ الكلمات كمن رأى الرقصات.

الرقص أقدم من الكتابة، بل هو أقدم من اللغة نفسها، إنه أول لغة عرفها الإنسان، ونتحدث هنا عن اللغة تجاوزا، لأن الرقص وسيلة تعبير شاملة تتجاوز اللغة، مثله مثل مشاعر الفرح والألم التي تتوزع على الجسد كله وتقصر اللغة عن التعبير عنها. إنه لغة الوجدان والشعور والعواطف والأحاسيس، وقليلا ما ينتبه الناس إلى أن الرقص ليس صنو الفرح وحده بل هو صنو الألم أكثر، ورقصة الألم أكثر قوة وأشد تأثيرا لأنه لا مجال فيها للتصنع والزيف والادعاء، ليس رقص الأفراح كرقص المآتم، قد يرقص الجميع في الأفراح تقليدا وتصنعا، ولا يرقص عند الألم إلا المكلوم والموجوع حقا، الرقص صنو الألم ولسان حاله بامتياز، أليس إذا ما أصيب عضو من الجسد تداعت له سائر الأعضاء من السهر والحمى؟ فكذلك الرقص ينبض له وترتعش بحماه كل أطراف الجسد من أخمص القدم حتى قمة الرأس، ولذلك يقال إن للرقص حمى، أو نقول عمن يهتز جسمه بالرقص لقد أصابته حمى الرقص، فلا حمى أشد وقعا من حمى رقصة الألم. لأنه على سرير المرض تكون حمى الرقص موجعة فعلا ككوابيس النوم، وإذا كانت أحلام النيام المتألمين أصدق من أحلام القيام الفرحين، فأحلام المرضى هي أقوى وأنقى وأصدق الأحلام على الإطلاق، في حالتي النوم واليقظة معا، إذ ليس لهم من رحبة للرقص غير سرير المرض، إن الرقص هو أسلوب التعبير الوحيد على أحلام اليقظة التي ينتجها الألم حين يحقن سم الأفاعي والعقارب في الجسد الواهن العليل.

د) لعبة التجلي والتخفي في نص ظاهره الكتابة وباطنه الرقص

1) مستويا ت التلقي لرقصات على سرير دهشتي:

حين تعتمد اللغة في تعبيرها وإبانتها التصريح تُفهم من العموم، وإذا انتقلت إلى المجاز والاستعارة وما شابه من بديع فهمتها الخاصة، وتأولت منها ما احتاج إلى تأويل، فإذا صارت إلى التلميح والإشارة لم تفهمها غير خاصة الخاصة وذلك راجع إلى أن التجارب أيضا هذا شأنها، ففيها المشترك الإنساني والثقافي والاجتماعي العام، وفيها ما يخص الفئة من الفئات أو الجماعة من الجماعات أو الشريحة من الناس لأنه يُتداول في أوساطها وبين أفرادها ويهم معيشهم أو اختيارهم المخصوص، وفيها ثالثا ما لا تدركه أو تفهمه وتعقله وتتأول رمزه ومجازه وتفك شيفرات أقفاله إلا خاصة الخاصة، وتلك هي المجموعة الضيقة التي تقاسمت التجربة بشكل حميم أو في شكل جحيم على حد سواء، فارتوت من المعين نفسه واكتوت بالنار نفسها. فكذلك رقصات عمر، فيها المشترك الإنساني العربي المغربي العام، من تراث وفكر إنساني وثقافة شعبية، كتضمين النص والقصص القرآني أو الاستفادة من التراث العرفاني، أو توظيف المشترك من تاريخ النضال القومي أو الأممي أو توظيف الأحاجي والحكايات والأهازيج الشعبية، أو استعمال صور من البيئة الصحراوية التي تحيل على حياة البداوة وعلى رحلات القوافل إلى منابع الأسطورة وعيونها، وفيها الخاص الذي تشاركه وتقاسمه السياسيون والمناضلون والحقوقيون والكتاب والأدباء والمثقفون بشكل عام كذكر أسماء أعلام لكتاب بعينهم وعناوين كتب أو اسم معقل أو جلاد أو توظيف المعجم اللغوي السياسي للتنظيمات الحزبية أو الجمعوية ألخ ). وفيها خاص الخاص وهو ما تقاسمه وتشاركه السارد ككاتب مع محيطه وخلانه ودائرته الحميمة الضيقة (الأسرة والرفاق )، فإشاراته وتلميحاته وغمزاته لن يفهمها إلا من عاشها وتقاسمها معه( كالإحالة على أحداث بعينها داخل المعقل، أو أثناء الاستنطاق أو سلوكات وتصرفات وأسفار ورحلات ونقاشات خاصة بظرف أو واقعة، وبمفردات خاصة يدرك معناها من تقاسمها مع السارد في حينها أو أحيط علما بها من طرفه. وهذا لا يعيب قصص السيرة ورقصاتها بقدر ما يزيدها تشويقا وإثارة ويضيف إليها قيمة جمالية خاصة. ويدفع القارئ وهو يستلقي على سرير الدهشة إلى جوار السارد وقبالة الأرقام والحروف الأخرى أو يسافر على متن “السرير/ الطيار”، إلى الضغط على آلة التحكم عن بعد لتوجيه “سرير / الأسرار” نحو المزيد من الضرب والإيغال في تضاريس القارة الداخلية للسارد، وتدفعه لأن ينبش ويتحقق ويتأول حركة الرقصة وشكلها واتجاهها. فمستويات الكتابة إذن تبعا لهذه الرقصات، ثلاثة:

كتابة مباشرة وكتابة مجازية وكتابة إشارية، دون أن ننسى التأكيد على أن الأشكال الثلاثة هذه للكتابة، لا تتخلى في أي وقت من الأوقات عن بصمتها الشاعرية القوية والتي تلمس شغاف الروح وتهز الوجدان طربا لحسن اختيار العبارة. لأن الإشارة نفسها تحتاج إلى عبارة تنقلها وتوصلها إلى المتلقي أيا كان المستوى الذي يقف عنده.

هذه واحدة من نقط قوة هذا المؤلف الشائق والجميل للكبير عمر الفحلي. لقد ذهب في البوح إلى أقصاه فأشرك معه القراء في أخص خصوصياته، وكسر كلا من الزجاج الداخلي للنفس والجدران الخارجية للمحيط متخطيا كل عائق يحول دون “مسرحة الذات والحياة” بجعل الداخل ينفتح على الخارج كليا. لقد تعرى ليظهر نقاءه الداخلي كاملا، وليكشف أيضا عن جرحه وألمه كاملا.

2) الظاهر والباطن في لعبة الكتابة

* ــــــــــ نقطة القوة الثانية في الكتاب السيرة أن الكاتب يجترح لنفسه أسلوبا خُلَّبا ظاهره الاسترسال والاستطراد وتداعي الأفكار وباطنه التشفير والتشظية والشذرة والومضة والإضاءة والتدوينة والتغريدة والقصيدة، هذا هو ديدنه في التعبير عن الحاضر مستعملا أحدث ما جد في عالم المعلوميات والتواصل من مفردات كالسيلفيات واللمسة والنقرة والحذف والحفظ، فإذا عاد إلى الماضي وغاص في الجذور عاد إلى ما كان عليه حكي الماضي وأحاجيه من تشويق واسترسال لغزل الوقت وتغذية وجدان البنين والبنات بالأمثولة والأحجية والأهزوجة وغيرها، هما إذن تقنيتان ” أسلوبيتان” مختلفتان، واحدة لاسترجاع الماضي وواحدة لتثبيت الحاضر، وهو في ذلك كالراقص الذي يعزف من الداخل مستهديا ومسترشدا بالنوتات الموسيقية الموضوعة أمامه، وإذا كان الرقصُ لا يُرى وكانت الموسيقى لا تُسمع،فإن فيضهما وأنفاسهما يسريان في الكتابة. وهي نقطة قوة ليست بالهينة.

فومضة حلم، هي مرور صورة غيفارا رمزا لنضال أممي اغتالته الأمبريالية العالمية وقوى الاستكبار والاستعمار.

وومضة حلم، هي مرور صورة الحكيم جورج حبش أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إحدى فصائل منظمة التحرير إلى جانب فتح عرفات وجبهة نايف حواتمة الديموقراطية، مرتين اثنتين تطل منهما الصورة، ويطل منهما احتمال البندقية والضغط على الزناد، وتداعيات تاريخ وصراع ومواقف ومبادئ جعلت الولاء المغربي يتوزع على هذه الفصائل الثلاثة خاصة بحسب الانتماءات الحزبية والصراعات الداخلية للفرقاء في الفكر والاختيار، ما بين يمين محافظ ويسار قومي ويسار أممي، كل شارك إلى جانب واحد من هذه الفصائل حسب إيمانه واعتقاده وقناعته وإيديولوجيته، مقاتلون تدربوا على السلاح وخاضوا المعارك نصرة للقضية الفلسطينة بالقول والفعل وبالشعار والأفكار والقتال، وسواء كانت صورة الحكيم رؤية أو رؤيا، واقعا أو حلما، فقد كانت نصرة القضية الفلسطينة حقيقة توجب الفداء والقتال ولا تحتمل الجدال.

وومضة حلم، هو سفر السارد صحبة بورخيس على الطريق التي تفضي إلى الماضي بكل متعه وحرائقه كشبيه وقرين له في المكابدة والمعاناة، وكتوأم لروحه في آلام الجسد وأحلام الكتابة، وفي قلب الحقائق والأحداث الواقعية إلى تخييل أدبي، وفي ارتياد رياض الأنكولوجيا أوحدائق المتاهات التي تود الإبل والعيس والجمال التي لا تعترف بالحدود أن تجوبها وحدها بلا توقف. أخوة هي في الألم وفي دم الكتابة تجمع السارد ببورخيس، يجمعهما أسلوب الحياة وأسلوب الكتابة والطريقة المتفردة في تحمل أوجاع المرض، وذاك ما أوجب الصحبة . وسواء كان هذه السفر واقعا أو حلما فإن السفر رفقة توفيقي بلعيد وعلى أشواك مساراته الحادة كان حقيقة لا تقبل الجدال. وإن لم يكن قد تم لقاء بورخيس فقد تم عناق بلعيد، لا فرق بين متاهات ذاك ومسارات هذا. أما المرض الرجيم فقَدَرُ الكاتبين معا. “عمر وبورخيس”، محاربان جمعتهما تجربة الكتابة وتجربة المرض، محاربان واقفان على خط النار، واحدة تلتهم العقل والوجدان وواحدة تنهش الجسد. محرقتان لحلم واحد ولألم مشترك.

وومضة حلم، هو الحلم بوطن الحرية والديموقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، بمعية الأحرار والحرائر والشعراء والفضلاء والأخيار، وسواء تحققت هذه الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية أم بقيت مؤجلة إلى يوم الدين، وسواء عاش الوطن ينعم بالكرامة ويسود فيه الإنسان، أم علقت كل الأحلام على صومعة الحجام، فإن الفيلا بمراكش كانت حقيقة والحجاج بدرب مولاي الشريف كانوا حقيقة، وقدور كان حقيقةَ وطن لا تقبل الجدال.

ومضة حلم أيضا، هي الصحبة الدائمة لمزامير داوود. صحبة تجعل “السارد المحبوب” أو “السارد داوود” شخصا واحدا، فمعنى داوود هو المحبوب، والذي غالبا ما يسميه السارد وهو يحاوره ناظرا إلى وجهه” العزيز”، يا أنت أنا وأنا أنت أيها العزيز، داوود واجه جالوت الجبار والسارد يواجه المارد اللعين، المحبوب داوود يعزف عزفه الشجي ويشدو ويغني والسارد يرقص على إيقاع المزامير التي هي في النهاية الزبور. لقد وجد داوود أخيرا من يصغي لزبوره ويرقص على إيقاع عزفه، لقد وجد المحبوب أخيرا حبيبه. ولن يجرأ أحد بعد قراءة “رقصات على سرير دهشتي ” أن يقول:

“لمن كتعاود زبورك يا داوود”

ترانيم داوود للصباح وللمساء ولكل الأوقات هي الرقصات، لأن داوود كان أمة في رجل، فكيف لا يلهج السارد بذكره ويرقص على عزفه، وفي ذاك العزف، في الصوت وفي النفخ وفي الأنات والرنات والنقرات صبر أيوب وشكوى يعقوب ومحنة يوسف وسؤال الوجود، ثم في صحبة داوود ولا شك اطمئنان ويقين لا شك فيهما. لن تكون صحبة داوود حقيقة أبدا، بل ستكون أكثر من حقيقة، إنها يقين بأن عزف المحبوب يصعد من الداخل وأن رقص المحبوب على إيقاع عزفه لا يكون إلا في رحبة القلب. لكن لا أحد يرى ما يحصل على سرير الدهشة من إصغاء ومن رقص. فهل تستطيع الكتابة أن تنقل هذا المعنى إلى السامع.

نعم تستطيع أن تنقله، وذلك ما تفعله “رقصات على سرير دهشتي” .

غيفارا، جورج حبش، بورخيس، توفيقي بلعيد، الوطن، فلسطين، الأب، الجدة، الزوجة، الأصدقاء، الأدباء، المعقل، الأحفاد، مول الفران، خلية الثمانية، بوزفور والرافعي وأبو يوسف طه، والقارئ، والسارد،والكاتب والوجوه العزيزة كلها، ومضات من أحلام وأحداث ووقائع حقيقية تماما، جعلتها الكتابة تخييلا مثيرا ومشوقا وجذابا. ومضات من أحلام كانت تتراقص أمام عيني السارد وهو ممدد على سرير المرض برياض الأونكولوجيا، وكانت ترقص في صدر الكاتب وهو معلق بالطيارة وتهتف به أن يقدر في السرد.

* ــــــــــ أما نقطة القوة الثالثة في الكتاب. فهي أن الكاتب ينقل تجربته الإنسانية والاجتماعية والحقوقية والسياسية والثقافية، تجربة النضال والاعتقال والتعذيب والاستنطاق،و تجارب الطفولة والكتاب والتحناش والتكراك والصلصال، تجربة مآسي أخريبيش وملاهيها، وتجربة مواجهة المرض المفاجئ الصاعق،و تجربة مواجهة النفس واستخراج مكنوناتها ومقومات صمودها، وتجربة مواجهة الشاشة الزرقاء على سرير الدهشة، ينقل كل هذه التجارب، المتعددة والمتنوعة والغنية إلى حقل الأدب من داخل أنساق الأدب وسياقاته وبلغة الأدب وأساليبه حاديا حدو بورخيس، محولا الأحداث الواقعية إلى تخييل أدبي، فاصلا بين الحقول وأساليب القول، فاصلا بين التجربة والكتابة، فاصلا بين السياسة والثقافة ومتكلما في كل حقل بلغته الخاصة، دون أن يكون الفصل عشوائيا أو تعسفيا. منتصرا لثقافة الحياة والصدق في مواجهة ثقافة الموت والرياء.

إن التمييز هنا بين السياسة والأدب، أمر في غاية الأهمية، لأن الكاتب ـــــ أقصد عمر الفحلي ــــــــــ لا يصنع مكانته في الأدب بتاريخه الشخصي ونضاله الشخصي ومكانته الاعتبارية أو بمرضه ومأساته الشخصية، بل يصنعه بجدارته الأدبية. وبها وحدها فقط.

وهو لا ينقل تلك التجارب من خلال لغة الأدب فقط، بل ينقلها إلى أرق وأسمى ما في لغة الأدب، إنه يكتبها شعرا. مبطلا بذلك الزعم القائل بأن أهل اليسار أهل شعار، والزعم الآخر بأنهم فتية مدينيون مقطوعون عن جذورهم وثقافتهم وإرثهم الحضاري الكبير.

ه) الكاتب والسارد: أو لعبة التجلي والتخفي في نص يكتبه أكثر من سارد

مثلما كان السارد وفيا للكاتب وفي مستوى تطلعه إلى مسرحة المعاناة في كل ومضة حلم وكل أنة ألم وكل استحضار لوجه أو صوت أو ذكرى، منشغلا بالرقص على كل ما حوله محلقا في كل الأجواء بلا فاصلة توقفه أو نقطة تضع نهاية لانسياب ألمه من بين الشفاه وحروفه من تحت الأصابع، فقد كان الكاتب أيضا وفيا لسارده فهيأ له الرياض موطنا والسرير رحبة وحلبة ومرقصا وأدار حوله أسوارا من زجاج شفاف بحيث يُرى كاملا ومن الداخل والخارج معا. وظل يسير معه وهو يقص سيرته مجانسا بين الرقص والقص وبين السرير والسرد وبمهارة إبداعية فائقة جعل من السرير كتابا ومن الفصول والفقرات لوحات ومشاهد راقصة.

إن الكاتب في هذا النص المذهل مصمم رقصات من الطراز الرفيع لأكثر من سارد/ راقص. إنه كوريغراف مقتدر.

فكما يدخل الراقص أو المجالد أو الفارس كل واحد من هؤلاء إلى الرحبة أو الحلبة أو المضمار أَدْخَل الكاتب سارده الراقص والمجالد والفارس إلى الرياض ومدده على سرير التجربة مفتتحا العرض الراقص باستهلال لتتوالى بعده اللوحات في مشاهد أخاذة، واحدة واحدة، حتى تمام العرض على امتداد عمر إنسان هو الكاتب/ السارد الذين لا يني يذكر أحدهما الآخر ويذكران معا القارئ بأنهم جميعا واحد وإن فرقت الكتابة بين من يتمدد على سرير المرض ومن يتمدد على صفحات الكتاب ومن يتحلقون حول رحبة الرقص. وأدعو القارئ السابق أو المقبل لهذا النص الجذاب أن يتابع معي بعض اللوحات الراقصة التي صممها الكاتب / الكوريغراف بمهارة من يتقن الغرزة ويقدر في السرد. ويشرك معه المتعاطفين والمريدين والأحبة في شطحه الخاص.

1) استهلال:

كما يفتتح الراقص عرضه بتقديم نفسه وتحية جمهوره، كذلك يُفتتح الكتاب باستهلال فيه عرفان وشكر للمحيطين الأقربين من زوجة وأحفاد وأصدقاء وشركاء في المعاناة والألم، وكما يتوجه الراقص أيضا بالتحية لمن له فضل خاص عليه، يتوجه الكاتب بشكر خاص لمن له الفضل في الإشراف على علاجه ومساعدته على استعادة الثقة بنفسه وتنمية استعدادات المقاومة والصمود لديه، يسميه بالاسم والصفة” عبد اللطيف بنيدر: ” شجرة الزيتون فوق قمة الجبل”

ثم ينطلق العرض الراقص وتتوالى اللوحات والمشاهد متنوعة ومختلفة الواحدة منها عن الأخرى، وإن كانت في عددها ليست تحصر فأقتصر على بعضها مجتزأة من سياقاتها كما لو أنني من كل لوحة اقتطعت مشهدا .

* رقصة الألم: وأي رقصة هي أقوى وأشد على الجسد، من أن تتسلل إليه ذئاب الليل فتعوي بين الجلد والعظم، أي رقص هو أقوى وأشد بالجسد من سم يسري إليه من صدفة تحت الكتف، صدفة كسم الإبرة، منها ينفذ سم العقارب والأفاعي إلى الجسد، فيهتز أو يسكن لا فرق ويتلاشى أو ينتشي لا فرق، ويحضر أو يغيب بين طيات الزمن وليس يدري في أي جهة هو من بين الجهات، أعلى أرض يمشي أم عند سقف سماء يقطف النجوم، برقص لا يُرى وألم لا يُحس؟

يطير البدن كعصفورة مبللة ثم يحط. كما يحط طفل في حجر أمه، لعل يدها تمسد شعره ولعله ليس هنا، هو ليس هنا الآن، ولا هناك، جسد هامد، جسد صامد، وخلاياه أقمار والقلب وحده شمس تدور حولها الوجوه والأسماء والكلمات.

* رقصة التيه: حادي الأينق يمضي، يضرب في الصحراء، ولا ينظر إلى الوراء، لا يعرف من هو، حين يرى وجهه على مرايا السراب يظن أنه يراه، فإذا وصل، لم يجد نفسه ولا صورته، وكلما صاح يا أنا، رد الصدى، يا لستَ أنا. فمن يكون الراقص هذا إن لم يجد نفسه فيما يراه. أهو السارد أم الكاتب أم القارئ، ألذلك يستحضر البسطامي منتقلا من التأكيد والتشديد إلى الشك في الهوية والذات، مظهرا سبحاني سبحاني ومضمرا ” حسبي من نفسي حسبي ” ومن أبو يزيد؟ ومن يعرف أبا يزيد؟ أبو يزيد يطلب أبا يزيد منذ أربعين سنة فما يجده” والكاتب يطلب السارد ستين سنة منتقلا به من الرياض عائدا معه إلى أخربيش.

سيرقص التبروري، سترقص أم السيسي، سترقص الصبايا على ضوء الشموع، سترقص الأحاجي والحكايات، وترقص الجدات، سيرقص حفيد لوركا ويرقص بلعيد وبورخيس وسيعزف داوود على العود مزاميره والكاتب سيحكي سيرته ويقدر في السرد.

* رقصة الندم: الجسد هامد وصامد. يسترجع الأعداد والأرقام، ويضرب الأسداس في الأخماس، يطلع من بين طيات الغياب شاعر يعد نباله ويرميها فتخيب، هكذا ظَنُّهُ، فيكسر السبابة التي لم تضغط على الزناد، بينما رواية أخرى تقول لقد كسر القوس وحدها، ولكن في ماذا ينفع القوس والزناد إذا كانت الخيبة شاملة. قد أصاب ولكنه لم يعرف أن التيه أيضا ألم، وأن الخيبة أيضا ألم، وأنه كالملايين غيره، هو لم يعرف إصابته في وقتها وهي لم تكن على موعد مع التاريخ. لقد أخطأ الحساب كما أخطأت هي الحساب، هي لم تكشف عن حساب التاريخ وهو لم يكشف عن داء جسمه. والرقصة توحد الجميع. رقصة الندم. الشاعر القديم والسارد المعاصر. كلاهما ندم لأنه أصاب الهدف، ولكنه لم يحط به علما.

رقصة الخلان: على شرف بلعيد وبورخيس وداوود. الثلاثة الذين ليسوا إلا واحدا.

رقصة على شرف الأب الذي يحرس التراث ويستيقظ فجرا لتلاوة القرآن

رقصة على شرف الجدة التي تحرس الموروث وتحمي الصبايا والحكايات

رقصة على شرف الحلاج

على شرف حبش

على شرف غيفارا

على شرف خلية الثمانية

على شرف عبد اللطيف بنيدر

وكما بدأنا العد نعيده

رقصة طويلة على شرف زينب.

ورقصة أخيرة تحية للحفيدين وهما يسألان :

” بابا لاباس… بابا لاباس. ثم يحاوران شخوص السيرة واحدا واحدا… يسردان مقاطع من سيلفيات الرقصات على سرير الدهشة ويرسلان السلفيات إلى القراء والمشاهدين…”

و) عود على بدء

على سبيل الخلاصة:

يُشَبِّهُ المحلل النفسي، الحياة النفسية للفرد بجبل الجليد الذي يمثل فيه الجزء الكبير المغمور بالماء ” اللاشعور” بينما تمثل القمة الصغيرة التي تطفو على السطح ” الشعور”، علما بأن اللاشعور هو الفاعل الأساس والمؤثر الحاسم في الحياة الشعورية.

يروق لي الآن أن أستلهم هذا التشبيه عن الشعور واللاشعور لأطبقه على الإبداع الأدبي بمختلف أنواعه وخاصة منه القصة والرواية والسيرة، حيث يكون الجزء الكبير المغمور بالماء من جبل الجليد هو تجربة الكاتب، بينما يكون الجزء الصغير الذي يطفو على السطح ليشكل القمة المرئية من الجبل هو الكتابة. إن جبل التجربة المغمور تحت الماء هو الأساس الصلب للكتابة وهو الذي يغذيها ويرويها ويجعلها ما هي عليه، إن الجبل هنا هو مضمر في القمة وهو خلفيتها ومرجعها لأن لِكُل ظاهر باطنٌ يؤثر ويفعل فيه دون أن يُرى، مثلما أن اللاشعور يختفي في الشعور ويلابسه ويؤثر فيه دون أن يُرى.

قد تخدعنا بعض الكتل التي تطفو على السطح فنعتقد أن تحتها جبلا، وكذلك قد تخدعنا بعض الكتابات ونعتقد أنها تتغذى من تجربة عميقة وصميمة وكبيرة، ولكننا لا نلبث أن نميز بين الكتابة التي ترسو فوق تجربة عميقة والكتابة السطحية الضحلة التي تسبح كالقشرة فوق الماء، فهذه الأخيرة لا تلبث أن تذوب مثلما تذوب قشرة جليد تعوم منفردة فوق السطح. أما الكتابات المتشبعة بالتجارب والممتلئة بالخبرات والقوية والعميقة، فهذه تظل ثابتة في مكانها، بل إن الماء لينحسر عنها شيئا فشيئا ويجعل بعض ما خفي منها يعلو ويبدو جليا لمن يمعن النظر.

“رقصات على سرير دهشتي” للمبدع عمر الفحلي، واحدة من هذه الكتابات التي تكشف عن التجربة الغنية والقوية لصاحبها. بالمعنى المتعدد للتجربة إذ لا توجد تجربة بصيغة المفرد، والذين يبحثون وراء كتابة الكاتب أو يفسرون مكتوبه بواحدة فقط من تجاربه يغمطونه حقه ولا شك، ويحجبون عن القراء العيون والمنابع والروافد الثرية الخصبة التي تغذي كتابته، كما يحجبون عن القراء سعة الأفق الذي تعد به هذه الكتابة، وهذه أيضا واحدة من الإعاقات التي قد تعاني منها أي قراءة متعجلة للرقصات. ذلك أنه وبسبب أن الكاتب هو واحد من المعتقلين السياسيين السابقين ـــ وهذا وسام شرف يحمله بكل فخر هو ومن شاركه التجربة ـــ فإن كل قراءة ستنحو منحى الحديث عن هذا الشق من حياته كما وستبحث في مجموعته عما يفسر أو يضيء هذا الجانب من تجربته فقط. ( كما قلت) ستغمط الكاتب حقه في أن يُقرأ أولا وقبل كل شيء كمبدع وأن لا تختزل كتابته في واحد من جوانب تجربته المتعددة أو فلنقل تجاربه. واستطيع أن أجزم أن التجربة الإنسانية الكبيرة والواسعة لهذا الكاتب ولأضرابه هي ما جعل تجربته السياسية تصير إلى ما صارت إليه. إن التجربة الإنسانية العظيمة هي التي تجعل كاتبا ما أو سياسيا ما أو مفكرا ما في المكانة التي يصير إليها، فإنسانية الإنسان هي التي تغذي تجربته السياسية والأدبية والفكرية وليس ميله أو فعله أو نزوعه السياسي هو الذي يصنع تجربته الإنسانية . كما أن إنسانيته أيضا هي التي تضيء طريقه وتقوده إلى نوع خاص وفريد من الالتزام الذي سيقوده هو نفسه إلى الاكتواء بنار التجربة، فالإنسان أولا، ثم السياسة ثانيا، لأن الإنسان ثقافة قبل كل شيء، وقيمة السياسة والالتزام السياسي تقدر بالقيمة الثقافية للإنسان الذي يحمل الفكرة السياسية. لذلك فقيمة الكتابة أيضا هي بقيمة الكاتب وإنسانيته. الإنسان قبل الكتابة وقبل السياسة. والكتابة واحدة من الوسائل التي تمكننا من الإجابة على هذه المعادلة الصعبة.

و”رقصات على سرير دهشتي” ليست سوى ذلك الجزء الصغير من تجربة الكاتب والذي ظهر للعيان لأنه أصبح مقروءا. أما تجربته فهي أغنى وأكبر وأعقد، وربما لو شاء الكاتب أن يدونها حقا لما كفته آلاف الصفحات، لأنها تجربة تعنيه وتعني أترابه وتعني أهله وتعني جيله وتعني رفاقه وتعني مجتمعه وتعني كل من انحازوا في العالمين إلى ما هو نقي وعظيم ورفيع في التجارب الإنسانية، وللكاتب ولا شك القدرة على الكشف على جزء آخر من هذا المشترك الإنساني الذي يسمى تجارب، وبدون هذا الفعل فإن ذاكرات كثيرة لا غنى لمجتمعاتنا عنها ستتعرض للتلف والضياع.

بقلم: جمال الدين حريفي – القنيطرة

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة

المقالات الأكثر قراءة