جامعيون مغاربة يؤكدون قدرة الشعر على إبداع المستقبل بعد جائحة كورونا

حرر بتاريخ من طرف

اتفق المشاركون في ندوة حول “الشعر ومستقبل الثقافة بعد فيروس كورنا”، أمس الاثنين، على قدرة الشعر قدرة على إبداع المستقبل، وأن فترة الحجر الصحي التي نعيشها اليوم، فرصة سانحة تدعو إلى التأمل أكثر، وإلى إمعان النظر في المصير الإنساني المشترك.

وذهب المشاركون، حسب التقرير التركيبي للندوة التي انعقدت بمقر دار الشعر بتطوان ونقلت مباشرة على المنصات الإلكترونية، أن الشعر يسعف في النظر إلى المستقبل، لأن “الفن يستطيع أن يتطلع إلى ما لا يوجد، أو ما لم يوجد بعد”، والشعر هو “التجربة الإنسانية الأعمق والأفسح، والتي في إمكانها أن ت س ع هيمنة الحاضر، وأن تتوجه نحو المستقبل، وفق وعي جماعي”، مبرزين أن دروس التاريخ كشفت عن أن “الجوائح والأوبئة، بحكم عمق وامتداد تأثيرها في الفرد والمؤسسات والمجتمع، أدت دائما إلى تغييرات جذرية على كل المستويات”.

في هذا السياق، أكد نائب عميد كلية الآداب بتطوان والشاعر والباحث في الآداب الإنجليزية، جمال الدين بنحيون، أن المبادرة لعقد الندوة تبعث كثيرا من الأمل، وتبعثر ما تراكم من ضجر في زمن فيروس كورونا الصعب، معتبرا أن الموضوع إنما يتطرق لقضية من قضايا الساعة الملحة، ونحن “نقدر أن دار الشعر بتطوان كان لها السبق على المستوى الوطني في إدراج الشعر بوجه خاص والثقافة بشكل عام ضمن النقاش السائد اليوم عالميا حول مستقبل العالم على جميع الأصعدة وفي مختلف المجالات بعد زمن كورونا”.

وشدد الجامعي المغربي على أن “ثمة شبه إجماع مفاده أن زمن ما بعد كورونا لن يكون إلا مختلفا، وبالتالي ستبرز فيه خطابات إبستيمية جديدة وأنساق تفكير وق يم مغايرة في كثير من المناحي لما كان سائدا قبل اجتياح فيروس كوفيد 19 العالم”، مبرزا أن “زمن كورونا وما بعده قد أصبح محفزا، بفضل انتشار تقانة الوسائط الاجتماعية وآليات التواصل الافتراضية، على بلورة وعي إبداعي جماعي يتسم بالثراء والتفاعل الآني بشكل غير مسبوق في التاريخ”.

لأجل ذلك، يضيف الأكاديمي، “لم يعد الشعراء ي ع دون الشهور والأعوام ليتفاعلوا مع النصوص والتجارب المتفرقة، بل أصبح الراهن لحظة إبداع جماعية قوية، تنماز بتضامن إنساني وثقافي لم نعهد له مثيلا من قبل إلا في إطار تجارب خاصة ومنتديات مغلقة واتجاهات بعينها طبعت الفكر والأدب والثقافة على مر السنين”، منوها بأنه “لم تعد ثمة اليوم في زمن كورونا وما بعده مسافة بين تجربة شاعر في الصين وآخر في دمشق أو في المغرب. فكل هؤلاء الشعراء يحملون قلقا محددا بظرفية الراهن ووطأة الوباء والمعاناة”.

من جانبه، ذهب الباحث والمفكر المغربي مصطفى الحداد إلى أن وباء كورونا إنما “يبقى حدثا غير مسبوق في تاريخ العالم. إذ لم يسبق للعالم أن عاش بأسره وضعا كهذا، أي لم يسبق أن واجه كل من يعيش على الكوكب خطرا واحدا مشتركا”، مضيفا أنه “من هنا، فالوباء بهذا المعنى حدث استثنائي يستعصي على الفكر أن يمسك به وبأبعاده المختلفة”.

ويرى المتدخل أن التحولات الجذرية في تاريخ الإنسانية لم تقع إلا في أعقاب الأحداث الاستثنائية الخارجة عن العادة. وإذا كان العالم بعد كورونا مختلفا يقينا عن عالم ما قبلها، فلا أحد يستطيع أن يرسم معالم العالم بعد الجائحة، لافتا إلى أن “الفن وحده يستطيع أن يتطلع إلى ما لا يوجد أو إلى ما لم يوجد بعد، لأن وظيفة الفن الرئيسة هي أن ي بدع ما لا يوجد في صيره موجودا فيما ي بدعه بطرقه الخاصة ويجعله مرئيا/ محسوسا”.

والشاعر، كما يرى مصطفى الحداد، هو القادر على إبداع المستقبل، “لأنه لا يكتب على منوال سابق، ولا يكتفي بالتعبير، بطرق م فتعلة، عما هو موجود سلفا، أي عما سبق العلم به أو الإحساس به آنفا”.

أما الباحث والأكاديمي المغربي عبد الواحد أولاد الفقيهي، فينطلق في مداخلته من أن “ما ظهر ونتج اليوم عن جائحة كورونا ليس سوى مؤشرات ومقدمات لما سوف يكون عليه العالم في السنوات القادمة”، مبرزا بعض ملامح مستقبل الثقافة ما بعد جائحة كورونا من منظورين لمفهوم الثقافة، عام وخاص، يتداخلان بشكل جدلي في ما بينهما.

وبحسب المتدخل، فقد وضع فيروس كورونا نسق القيم والمثل الذي كانت تنادي به منظومة الدول على محك النقد والسؤال، حيث برزت على السطح مظاهر الانكفاء والتجاهل واللامبالاة، عوضا عن قيم التعاون والتضامن. كما فتحت الجائحة نقاشا بين الفلاسفة حول ثنائية السلطة والمجتمع، أو الدولة المركزية والنموذج الثقافي

ومع فيروس كورونا وتداعياته، سجل الفقيهي “عودة جديدة لقيم التضامن حركت أسئلة النقد من جديد على عيوب المسار النيوليبرالي”، مع عودة قيم جديدة إلى الواجهة بعد اندثارها بشكل قوي في نمط الحياة المعاصرة. وإذا سلمنا مع المتدخل بأن الثقافة هي مجموع الأعمال الفكرية والإبداعية والفنية، التي تعبر عن موقف الإنسان إزاء الطبيعة وما وراء الطبيعة، إزاء نفسه ومصيره، فإن الأثر المباشر الذي ستتركه هذه الجائحة ثقافيا بدأ يظهر منذ الآن.

وتوقع أن يتراجع النقاش حول قضايا الهوية والأصالة والانتماء لتفرض قضايا الحياة نفسها على النقاش العام، متابعا أن الناس معتبرا أن جائحة كورونا إذا كانت قد عطلت جميع الأنشطة العامة، حيث أصابت العالم بشلل تام، فإن ثمة أملا كبيرا في نهاية قريبة لهذا الوباء، “من أجل العودة مجددا إلى قاعاتنا وساحاتنا العامة وملتقياتنا الثقافية وديارنا الشعرية”.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة