تأثير المستثمرين على التنظيم الاجتماعي لفلاحي أراضي الاصلاح الزراعي” مراكش نمودجا”

حرر بتاريخ من طرف

كشف مقتطف من بحث لعزالدين ازيان طالب باحث بعلم الاجتماع رئيس هيئة المساواة ومقاربة النوع وتكافؤ الفرص و رئيس جمعية أصدقاء المدارس  تأثير المستثمرين على التنظيم الاجتماعي لفلاحي أراضي الاصلاح الزراعي، من خلال سرد قصة تجسد التشكل التاريخي لتعاونيات الإصلاح الزراعي ، خاصة بإقليم الحوز، حيث حاول ربط خيوط الماضي البعيد بخيوط الماضي القريب والحاضر، من خلال مسار فلاح اسمه الحاج عبد السلام  وعلاقته تعاونيات الإصلاح الزراعي.

ويحكي عن الحاج عبد السلام ابن منطقة أوريكة  انه و بعد سنة من عمله بإحدى الضيعات الفلاحية للمدعو  “موريس” الواقعة بحي تاركة بمدينة مراكش، تسرب الملل وشوق القرب  بالعائلة إليه، ليعود إدراجه نحو مسقط رأسه لإقناع عائلته لمغادرة أوريكة نحو منطقة أغواطيم ، التي يمتلك بها والده أرض فلاحية متواضعة وكان الأمر كذلك .

 ويضيف الحاج عبد السلام أنه في بداية سنة 1954 تزوجت أختي من رئيس عمال ” كابران ” إحدى الضيعات الفلاحية لمعمر فرنسي يدعى ” الرملي “، فاقترح علي العمل بجواره، فلبثت معه في الضيعة سنة كاملة ، قبل أن يتم تسريحي من العمل من طرف المعمر، بدعوى التهاون في تزويد قطيع من الأبقار بالماء الشروب ، وكان اليوم هو يوم الأحد، الذي هو أصلا يوم عطلة بالنسبة للعمال , مما جعل صهري الكابران الذي كان على علم تام بأنني بريء من تهمة التقصير في عملي يتضامن معي، و يمدني ببعض الوثائق، ويوجهني لدى إحدى المعمرات المسماة “مدام الشادلية “، وواحد من المعمرين المدعو “مسيو كيوم “، ولم أتمكن من مقابلة الأولى لغيابها ، بينما تمكنت من عرض الوثائق على السيد كيوم بعد جهد جهيد، ومعاناة المشي على الأقدام  ، من دوار تبوهنيت نحو تمصلوحت ،وكذلك لصعوبة اختراق حواجز وقيود وإجراءات الولوج إلى ضيعات المعمرين، وقدمت الأمانة التي سلمني إياها صهري الكابران  لدى صديقه المعمر “مسيو الرملي ” فتعرف عليه بسرعة وتحفظ في بداية الأمر من توظيفه، خاصة انه رئيس عمال سابق بضيعة صديقه ، فخشي إزعاجه رغم حاجته الملحة له، فضرب لي  موعدا لبعض الساعات ، وكأنني بالرجل يريد أن يأخد الوقت ليستفسر صديقه ويستأذنه في الأمر لدفع الحرج.

بعد ذلك طرح علي مجموعة من الأسئلة للاختبار  والاستعلام ، بدء من طبيعة وقيمة الأجرة التي كنت أتقاضاها أنا كعامل، والتي كانت لا تتعدى 20 ريالا، بينما لم يستفسرني عن أجرة صهري الكابران ، يبدو لي آنذاك بأنه كان على علم تام بها ،كما استفسرني عن هويتي ، فطلب مني الحضور رفقة صهري في يوم الاثنين الموالي بمقر مكتب الفلاحة بمراكش لتتمة إجراءات التشغيل ، بعدها أخدنا أمتعتنا أنا وصهري الكابران بواسطة شاحنة نحو مقر عملنا الجديد بضيعة كيوم ، بعد أن باءت جميع محاولات مسيو الرملي لثنينا عن الرحيل بالفشل .

وفعلا انسجمنا بشكل كبير داخل ضيعة السيد كيوم، حيث لبثنا فيها من سنة 1955 إلى سنة 1969 ، وكانت ظروف العمل جد ملائمة وموزعة بشكل دقيق حسب كل اختصاص ، من حراسة ، وسقي، وحرث ،وغرس، وجني للثمار والغلال ، وتقليم الأشجار، ورعي الماشية …حيث أن الضيعة كانت جد شاسعة تبلغ مساحتها حوالي 740 هكتارا .

وتزامنا مع هذه الفترة فقد بدأت عملية إجلاء المعمرين, ومغادرتهم للمغرب ، وحيازة الدولة لعقاراتهم، بعدما تقوم بتعويضهم عن المنقولات، والآليات ،والمواشي، وجميع الممتلكات المتخلى عنها ، لتقوم بعد ذلك بإعادة توزيع قسط مهم منها في المرحلة الأولى على شركات فلاحية تابعة للدولة sodea صوديا،  وتوزيع العمال عليها بتأطير جديد ، لم يرقى إلى ما عهده العمال مع المعمرين، بحيث بدأت أجور الشهور تتراكم ،  و الشكايات والاحتقانات تشتد بين صفوف العمال ، ما دفع بالسلطات الوصية إلى تحويل تدبير هذه الضيعات لفائدة العمالات والأقاليم ، لكن الأمر ازداد تعقيدا أكثر، بحيث أصبحت مجموعة من الانزلاقات والخروقات تمارس بشكل ممنهج في تدبير الضيعات ، مما عجل في إفلاسها ، بعد أن أصبحت مصالح العمالات غير قادرة على تأدية أجور العمال، وهو ما جعل السلطات العليا تعتمد مقاربة جديدة  لتمكين العمال من الاستفادة من هذه العقارات الفلاحية  بشكل مباشر كمتصرفين فيها، بدل صفتهم كأجراء وعمال ، وهو ما لم يستسغه معظم الفلاحون في بداية الأمر، حيث بدأت نقاشات اجتماعية متعلقة بطبيعة تعاقدات الفلاح مع المعمرين ، الذين لبثوا معهم في الشغل لعقود من الزمن .

وفي صبيحة أحد الأيام الموالية لهذه الإحداث ، تمت المناداة علينا نحن مجموعة من العمال الفلاحين بالضيعات ، و كان عددنا آنذاك 36 عاملا فلاح ، من طرف مصالح العمالة  لإقناعنا بضرورة استغلال الأرض بشكل مباشر، عوض العمل لدى الغيرة، وهو ما استقر عليه رأي 14 فلاح بعد مد وجزر في نقاش بين الفلاحين ، الذي رأى بعضهم بان الأمر هو عباراة عن صيغة جديدة لإدماجنا كخماسة لدى الدولة المغربية .وهو ما خلق نوع من الاحتقان والغليان في صفوف الفلاحين الذين تم استدعاءهم للقاء بمقر العمالة ،الذي حضره مفتش الشغل وقائد المنطقة ، الذي هدد أحدنا وخيره بين تسلم القطعة الأرضية آو ثلاثة أشهر سجنا نافذا ، كرسالة وتهديد لباقي الفلاحين الرافضين للعرض.

وفعلا لقد قامت السلطات باستدعائنا لدوار سيدي موسى بتسلطانت، وقامت بتسليمنا قطعة أرضية بعيدة عن أرض المعمر الذي كنا نشتغل معه ، نظرا لخصوبة هذه الأخيرة التي تبين لنا فيما بعد أنها قد احتفظ بها بشكل خاص لعملية أخرى في إطار أجندة لم يكشف لنا عنها آنذاك ، ولقد كان ذلك بتاريخ شهر شتنبر من سنة 1969 ، حيث تسلمنا نحن الاربعة عشرة ظهير استغلال ارض تعاونية الباهية ، البالغ مساحتها نحو 470 هكتار، فيما تحفظ بعض الفلاحين عن العملية ، كما تمت إضافة مجموعتين إلى مجموعتنا الأولى ، مكونة من 3 فلاحين من منطقة تمصلوحت ، و3 آخرين من دوار تدارت بتحناوت ، ليصبح عددنا 20 مستفيدا ، شكلنا فيما بيننا تعاونية الإصلاح الزراعي الباهية بتأطير من وزارة الفلاحة ، وفي نفس التاريخ وبنفس الشروط تم تأسيس تعاونية العزيزية المجاورة لنا حيث تم تسطير الحدود بين التعاونيتين .
    
لم يمر وقت طويل عن تأسيس التعاونية حتى بدأت بعض الخلافات تطفو على السطح بين المتعاونين ، حيث حاولنا نحن مجموعة مكونة من أربع متعاونين ، فك ارتباطنا بالعملية جملة وتفصيلا، وقررنا الخروج من التعاونية وترك الجمل بما حمل، بحيث انه وبشكل استثنائي فقد بقي السيد كيوم يستغل ضيعته الفلاحية، ولم يغادر بعد المغرب كباقي المعمرين، ما جعلنا حينها نعود للضيعة لمحاولة استئناف العمل بها ، فدخل على الخط إطار تابع لوزارة الفلاحة وهو المدعو باسكون، لتنبيه السلطات الإقليمية بان فلسفة توزيع الأراضي، وخلق تعاونيات بين الفلاحين يتم إجهاضها، بسبب عزوف بعض الفلاحين، الذين غاب عنهم التأطير، ليستمر الأمر على هذا الحال لمدة أربعة أشهر، إلى أن تم الحسم من طرف مصالح العمالة التي تدخلت لدى مشغلينا بضيعة كيوم،  وإيقافنا عن العمل بالضيعة ، والرجوع لاستئناف نشاطنا بتعاونية الباهية، وهو الأمر الذي لم يكن سهلا كذلك، خاصة بالنسبة لزملائي الذين كلفهم الأمر التدخل لدى البرلماني المرحوم محمد بوقدير للترافع لهم لدى السلطات، من اجل أخد وضعهم الطبيعي بالتعاونية.

و قد توجهت شخصيا  إلى حي سيدي يوسف بن علي بمراكش، واكتريت منزلا بقيمة 20 درهما شهريا ، ضاربا عرض الحائط أية علاقة بيني وبين التعاونية ، والسعي للبحث عن شغل جديد بالمدينة ، وبقي الأمر على هذا الحال ، إلى أن اتصل بي زملائي الثلاثة مبدين لي رغبة كبيرة وحماس شديد للالتحاق بهم بالضيعة ، واخذ مكاني الطبيعي بينهم ، وفتح صفحة جديدة مع رئيس التعاونية، و فعلا تم إدماجي في حياة التعاونية من جديد ، وبقينا مجتمعين نمارس نشاطنا الفلاحي بشكل عادي،  إلى أواخر العشرية الأولى من القرن الحالي، حيث تلاقفتنا عن بغثة أيادي المستثمرين ، بكل إغراءاتها المادية، التي كنا في أمس الحاجة إليها، خاصة أنه  لا سبيل لنا في التصرف في عقارات التعاونية خارج ممارساتنا لنشاطنا  الفلاحي ، فبدأت مساوماتنا في بيع الأرض الجماعية للمستثمرين ، بعد رفع اليد من طرف الدولة ، وإزاحة شروط التمليك النهائي للفلاحين المتعاونين ، وهي العملية التي كانت محاطة بمجموعة من التعقيدات والعراقيل ، خاصة بالنسبة للفلاحين الصغار من أمثال تركيبة متعاوني تعاونيات الإصلاح الزراعي .
 
 

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة