بعد فيضانات أغرقت عدة مدن.. ما خطة المغرب لمواجهة الكوارث الطبيعية؟

حرر بتاريخ من طرف

وجد سكان حي جامع مزواق بتطوان أنفسهم وسط سيل مفاجئ من المياه يغمر شوارع وأزقة حيهم والمناطق المجاورة، وفي حين احتمى السكان بأسطح منازلهم التي تسربت إليها المياه، جرفت السيول عددا من المركبات المركونة على جوانب الطريق.

وتسببت الأمطار الغزيرة التي شهدتها المدينة الاثنين الماضي -وبلغت 100 مليمتر في 9 ساعات- في ارتفاع منسوب بعض المجاري المائیة وفيضانات بمجموعة من قنوات الصرف، ونجمت عنھا خسائر مادیة، ولم تخلف ضحايا في الأرواح.

وحسب السلطات المحلية، فقد تسربت میاه الأمطار لأكثر من 275 منزلا بمجموعة من أحياء المدینة، في حين جرفت التدفقات الفیضانیة 11 سیارة خفیفة، وتسببت في الانھیار الجزئي للجدران الخارجية لبعض المؤسسات والمرافق، وغمرت بعض الطرق، فضلا عن اضطراب أو توقف حركة السیر بعدد من المحاور والمسارات.

وليست هذه الفيضانات الأولى التي يشهدها المغرب خلال هذا الموسم، فقد سبقتها فيضانات في طنجة، وقبلها في الدار البيضاء، وتضاف إلى أخرى متفرقة شهدتها مدن عدة في السنوات الماضية، ونجمت عنها خسائر مادية وبشرية. فلماذا تتكرر الفيضانات في عدد من المناطق المغربية؟ وما خطة الحكومة لمواجهة هذه الكوارث الطبيعية؟

أمطار وتقلبات

شهد المغرب في الموسم الحالي سقوط أمطار غزيرة لم تشهدها البلاد منذ سنوات، وحسب بيانات رسمية بلغ متوسط التساقطات التراكمي الوطني حتى 13 يناير 2021 180.6 مليمترا، أي بزيادة قدرها 5% مقارنة بمتوسط 30 عاما الماضية (172.2 مليمترا)، وزيادة بنسبة 50% مقارنة بالموسم السابق (120.3 مليمترا) في التاريخ نفسه.

وحسب الخبيرة في المياه شرفات أفيلال فإن الفيضانات التي شهدتها المدن المغربية هي ترجمة للتقلبات المناخية، وما يعرفه الفضاء المتوسطي باعتباره بؤرة لهذه التقلبات.

ويتفق معها الخبير في المناخ محمد بنعبو، إذ يرى أن ما وقع في تطوان يدخل في ما توقعه تقرير للبنك الدولي بشأن حدوث زيادة في تواتر وشدة الظواهر والكوارث الطبيعية مثل الأمطار الغزيرة التي تؤدي إلى فيضانات في أجزاء من المغرب، مشيرا في حديث مع الجزيرة نت إلى أن البلاد أصبحت معرضة أكثر مما مضى لآثار التغيرات المناخية.

جدية وتنبؤ

وترى أفيلال -التي شغلت منصب كاتبة دولة (وكيلة وزارة) مكلفة بالماء سابقا- في حديث مع الجزيرة نت أن على مسيري المدن والبلديات التعامل مع موضوع التغيرات المناخية بجدية، وأخذه بعين الاعتبار خلال التخطيط العمراني وبرمجة المشاريع، والعمل على وضع سياسة للتأقلم مع التقلبات المناخية، لأن جميع المدن باتت مهددة بتداعياتها التي قد تكون نتائجها كارثية مستقبلا، سواء على مستوى الأرواح أو البنية التحتية.

بدوره، أكد محمد بنعبو ضرورة عدم استناد مشاريع البنية التحتية إلى معطيات مناخية لسنوات السبعينيات والثمانينيات، متسائلا: “إلى متى ستظل السلطات العمومية تحصي الخسائر بعد حدوث كل مطب مناخي قوي يتسبب في حدوث فيضانات وسيول جارفة؟”

لذلك يرى أهمية العمل الاستباقي والتنبؤ بهذه الكوارث، ويضيف أنه “إذا ركزت الدولة على الحد من مخاطر الكوارث باستباقية التدخل، فإن استثمارها في التأهب للكوارث سيحول دون حدوث أضرار اقتصادية جسمية، ويجنب البلاد خسائر بقيمة 7 دراهم مقابل كل درهم يستثمر في هذا العملية، وهو ما يمثل عائدا كبيرا للاستثمار”.

كوارث مضاعفة

وتعرض المغرب -خلال العقود الأخيرة- لعدة كوارث طبيعية، أهمها الفيضانات، وحسب تقرير حول تقييم تدبير الكوارث الطبيعية أنجزه المجلس الأعلى للحسابات (هيئة رسمية) سنة 2016، فإن المخاطر الناتجة عن الأحوال الجوية الهيدرولوجية هي الأكثر تهديدا، خاصة الفيضانات والجفاف وموجات الحر والبرد.

وحسب المصدر نفسه، فقد تضاعف عدد الكوارث الكبرى 4 مرات تقريبا، بين عامي 1980 و2000، وبـ22 مرة تقريبا بين عامي 2000 و2014.

ولفت التقرير إلى غياب إستراتيجية وطنية في مجال تدبير المخاطر، واعتماد مقاربة تقوم على “رد الفعل” بدل “نهج استباقي”، وعدم إيلاء الأهمية الكافية للمخاطر الطبيعية في السياسات العمومية، وتعدد المخططات القطاعية.

ومنذ عام 2017، شرعت الحكومة في وضع خطة عمل وطنية لتأطير سياسة لتدبير المخاطر الطبيعية، وهي الخطة التي عرضها وزير الداخلية المنتدب الشهر المنصرم أمام المجلس الحكومي.

وتهدف هذه الخطة -التي تغطي من الفترة بين 2020 و2030- إلى حماية أرواح وممتلكات المواطنين ضد آثار الكوارث الطبيعية، والحد من قابلية التأثر بمخاطر هذه الكوارث وتعزيز قدرة السكان والأقاليم على مواجهتها لضمان التنمية المستدامة.

آثار السيول والفيضان التي شهدتها مدينة تطوان في الأيام الماضية (الجزيرة)
خطة جديدة
ويتضمن مشروع خطة العمل الوطنية المعنية 18 برنامجا مندرجا في إطار 5 محاور، من بينها تعزيز تدبير المخاطر الطبيعية، وتحسين المعرفة وتقييم المخاطر الطبيعية، والوقاية من المخاطر الطبيعية وتقوية القدرة على المواجهة، والاستعداد للكوارث من أجل النهوض السريع وإعادة البناء الفعال، كما ترتكز على إشراك جميع الفاعلين، سواء على المستوى المركزي أو المحلي، وتنويع مصادر تمويل المشاريع المرتبطة بالوقاية من المخاطر الطبيعية.

وتنظر شرفات أفيلال بتفاؤل لهذه الخطة، التي قد تكون في نظرها كفيلة بالوقاية من الفيضانات والكوارث الطبيعية المحتملة مستقبلا، لكنها في الوقت نفسه تعتقد أنه إذا لم يتم تطبيقها ميدانيا فستبقى حبرا على ورق.

وترى أن الفاعلين المحليين سيلعبون دورا أساسيا في ذلك المجهود، من خلال الإيمان أولا بأن ما يقع هو نتيجة التغيرات المناخية، والعمل ثانيا على تخصيص الميزانية لها وتنفيذ مشاريع هذه الخطة في المناطق التي يسيرونها.

المصدر: الجزيرة

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة