الهندسة اللغوية الجديدة بالتعليم بين الإجراء الديداكتيكي والقرار السياسي..!

حرر بتاريخ من طرف

يقول المثل المغربي الدارج الشائع ” اطلع تاكول الكرموص اهبط شكون قالها ليك” كلام بسيط وخفيف في اللسان بيد انه ثقيل في الميزان يحمل في طياته معاني غنية ودلالات كافية تساعد على معرفة وترجمة واقع المنظومة التعليمية عندنا، وبصفة خاصة الغموض الذي يطبع المسالة اللغوية بالمغرب، الموسومة بمزايدات وخلفيات سياسية وازدواجية بين الخطاب والممارسة، وإلا فكيف يمكن تفسير قبول أعضاء الحزب الأغلبي الحاكم والأحزاب الموالية له ما سمي الهندسة اللغوية الجديدة بصفتهم الحكومية واعتراض نوابهم عليه بالبرلمان؟.

فسفينة التعليم المملوءة بالثقوب تصر الجهات المعنية والوصية على إضافة ثقب أخر من خلال إقرار والاستعجال في التعامل مع ما سمته وزارة التعليم بتعميم التناوب اللغوي بمصوغاته، بل والامعان من خلال هذا الاجراء الحفاظ على توازنات المجتمع ولو على حساب التعليم والمنظومة التربوية.

فقد أصدرت كما هو معلوم عددا من الأكاديميات منذ السنة الماضية مذكرات للمديريات الاقليمية التابعة لها تدعوها الى اعتماد التناوب اللغوي في تدريس المواد العلمية بشكل إلزامي خاصة مادتي الرياضيات والنشاط العلمي بالنسبة لسلك التعليم الابتدائي، و تعميم المسالك الدولية للبكالوريا المغربية بجميع أقسام الجذوع المشتركة وكذا تعميم تدريس المسالك الدولية بجميع أقسام الأولى أعدادي ، وهذا التوجه حسب تبريرات هذه المراسلات تندرج في اطار مواصلة تنزيل مشاريع الرؤية الاستراتيجية للتعليم وخاصة الرافعة 13 المتعلقة بالتمكن من اللغات المدرسية وتنويع لغات التدريس وتوفير سبل الانسجام في لغات التدريس بين اسلاك التعليم والتكوين، وضمان مسايرة الدراسات الجامعية من قبل التلاميذ بنجاح، وحسب علمي ورغم بحثي لم أجد مراسلة مركزية بهذا الشأن وحسب ما رشح من معلومات فهناك توجيهات شفوية من الوزير أمزازي للمسؤولين الجهويين عن الشأن التربوي من أجل تنزيل هذا التناوب اللغوي بشكل إلزامي.

في نفس المنحى لم يصادق مجلس النواب في اختتام دورته الاولى برسم 2018-2019 على مشروع القانون الاطار 51.17 بسبب بما يتعلق بمسالة تدريس اللغات الاجنبية بالمدرسة المغربية، حيث دعى الحزب الأغلبي الى اعطاء مكانة كبرى للغة العربية وهذا التوجه ينسجم ويتماهى مع مراسلات الائتلاف الوطني من اجل اللغة العربية التي ضمت عدد من الملاحظات حول هذا المشروع كالخلط بين لغات التدريس وتدريس اللغات، وكونه لا يراعي التراتبية اللغوية بين اللغات الرسمية واللغات الاجنبية، بل انه اعتبر بنود هذا المشروع تخل بالثوابت الدستورية للمغرب وعلى كل المكتسبات الوطنية وشرعنة قانونية للمد الفرنكفوني بكل تجلياته في منظومة التربية والتكوين. وذهب فؤاد بوعلي المنسق الوطني للإتلاف المغربي من اجل اللغة العربية ابعد من ذلك حين اعتبر ان الاصطفاف الايديولوجي الذي طبع النقاش اللغوي منذ بدايته قد غيب كل تناول علمي للغة ودفع الى النظر للمسالة كقضية وجودية لا كقضية علمية.

ومن خلال استقراء تبلور المشهد اللغوي في المغرب عبر مراحل تاريخية متعددة، يتضح انه تميز بعدد من المفارقات القائمة بين واقع اللغة العربية باعتبارها لغة رسمية للبلاد وواقع ممارستها اليومية في المجتمع بل وحتى في المدرسة، لتجد العربية نفسها في معركة غير متوازنة مع لغات اخرى تعتبر بوابة مباشرة لسوق الشغل.

فوضع اللغة العربية في المدرسة المغربية يتميز بالتهميش مقابل الاهتمام الفائق بالفرنسية أو الانجليزية، وحتى تدريسها يغلب عليه الطابع المعياري في تناول القواعد على حساب الجوانب التواصلية والوظيفية. وكمجمل لكل ما سبق نؤكد أن كل المشاريع الاصلاحية التي تبنتها الدولة من خلال وزارة التعليم قد فشلت فشلا ذريعا في الانتقال بالعربية وجعلها لغة تدريس حيث بقيت سجينة الكتب القديمة والخطب الدينية والسياسية والاحاديث الوجدانية وغيرها.

وانطلاقا من اعتقادنا أن التعليم والتربية مجال أكبر من أن تستأثر أو يبقى في أيدي التربويين وحدهم فلا بد من اعادة فتح حوار ديمقراطي يساهم فيه خبراء لغويين وسياسيين وفعاليات علمية ومجتمعية ورجال التربية حول السياسة التعليمية في مجال اللغات بالمغرب على ارضية ثقافية واجتماعية واضحة تضع حدود فاصلة بين التعددية اللغوية وبين التناوب اللغوي ومصوغاته، بعيدا عن المزايدات والمشاحنات التي طبعت النقاش العمومي حول هذا الموضوع لحد الآن.

بقلم: محمد تكناوي

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة