النساء المعنفات بين سندان الخوف ومطرقة الأحكام المسبقة

حرر بتاريخ من طرف

هل حدث و سمعت بمرض خطير لكنه ليس عضويا يقتات على أرواح السيدات، ثم يخلفهن جثثا هامدة أو أجسام صماء لا تقدر على رفع صوتها للمطالبة بالحقوق ولا تقوى على تأدية الوجبات أيضا؟
يحتفي العالم منذ 25 نونبر الذي يصادف اليوم العالمي لمحاربة العنف ضد المرأة إلى غاية 10 دجنبر بحملة 16 يوما لمناهضة العنف ضد النساء ، و قد اختارت الأمم المتحدة لهذه السنة شعار ” لون العالم برتقاليا ، فلننه العنف ضد المرأة الآن “.

تاريخ الاحتفال باليوم العالمي للعنف ضد النساء
ترجع قصة الاحتفال باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء لسنة 1960 عندما تعرضت الأخوات ميرابال ” باتريسيا وماريا وأنطونيا “لاغتيال من طرف حاكم جمهورية الدومينيكان رافييل تروخيلو آنذاك بسبب معارضتهن السياسية لنظامه .

وكانت الشقيقات قد قضين نحبهن إثر ضرب مبرح تلقينه من طرف شخصان تابعان لتروخيلو ثم وضعت جثثهن في سيارة دفع رباعية على الطريق الجبلي في محاولة تمويه العوام بأنها حادثة سير وهو الأمر الذي لم يصدقه أي من جمهورية الدومينيكان و أشعل الغضب في صفوف الشعب ضد تروخيلو .

و تروي أختهن ديدي أنه سبق لحاكم الدومينكان أن تحرش بأحد أخواتها في حفل دعيت له عائلة ميرابال كاملة وكانت هذه بداية الصراع المباشر بينهن و بين رافييل تروخيلو الذي أمر بسجن والدهن . كما أنهن اعتقلن مرات عديدة إلى حين وصول مراقبين أرسلتهم منظمات حقوقية أمريكية لتقصي الوضع في الدومينيكان . وبمساعدة هؤلاء تم الافراج عنهن .

قصة الشقيقات ميرابال تحولت لمصدر إلهام للكاتبة الأمريكية من أصول دومينيكانية “جوليا ألفايز ” فأصدرت رواية باسم ” زمن الفراشات ” اقتبست منها شركة متروغولدين ماير الأمريكية للإنتاج السينمائي فلما بنفس الاسم أنتجته عام 2001 ، علاوة عن الكتاب الذي خلدته أختهن بعنوان” يعيشون في حديقتي” نشر سنة 2009 و الذي دونت فيه مسيرة نضالهن .

كيف ينشأ العنف ضد النساء

إن كل مجتمع تطغى فيه الأفكار النمطية الدونية حيال المرأة يكون مجالا خصبا ينشأ فيه العنف المبني على النوع نظرا لأنه لا يحترم النساء ككاين قادر على التفكير و الابتكار و الابداع و قادر أيضا على بناء مجتمع ناجح واع و قوي . ولعل أحد الأسباب الرئيسية وراء العنف المبنى على النوع هو التردي في المستوى التعليمي الذي يؤذي إلى عدم الاعتراف بحق المرأة في الإدلاء برأيها و الجهر بحقوقها وواجباتها و كذلك مشاركتها في صنع القرار.

كما أن تدني المستوى الثقافي لكلا الطرفين “المرأة و الرجل ” يساهم بشكل كبير في تصعيد العنف، فجهل المرأة على وجه الخصوص لحقوقها ولسبل وقايتها من التعنيف تزيد من حدة الظاهرة و تبعاتها فقد يتطور العنف الجسدي مثلا إلى جريمة تضع حدا لحياتها وقد يخلف العنف اللفظي أمراضا نفسية تؤثر بشكل بالغ في نفسية الضحية وحياة أطفالها .

و إلى جانب تردي المستوى التعليمي و الثقافي نجد أن للعادات و التقاليد وما تحتويه من معتقدات مجحفة أثر بالغ لهضم حق المرأة و قمع كلمتها و بسط السيطرة عليها بالعنف ، فالعالم العربي ككل مر بعصور لم تكن فيه النساء إلا أجساما دون عقل يفكر و أداة للمصاهرة واستمر هذا النمط من التفكير على مر الأزمنة ولا زال وراد حتى اليوم مما يولد بكثرة حالات العنف التي نشهدها الآن .

التساهل مع العنف أسوء من العنف نفسه

إن العنف في بعده السوسيولوجي هو كل مايربك النظام الاجتماعي و العلاقات القائمة بين أعضائه ، و تعنيف النساء خاصة قد يكون مرده خلل أو عطب في بنية العائلة باعتبارها المحور الرئيسي للحياة البشرية و الوجود الانساني مما يزيد من تفاقم الأزمة بين أفرادها ، فالإيذاء المادي و المعنوي الذي تتعرض له النسوة دليل على تآكل المقاييس و المعايير الأخلاقية و هو ما أشارت له بعض الدراسات النسوية مضيفة أن ما تعانيه المرأة من مخاطر العنف تكون صادرة من أقربائها أكثر من الغرباء .

إن ما يزيد من حدة هذه الظاهرة هو التساهل معها و إخضاعها للتعتيم و التجاهل و الأسوأ هو إبقائها في خانة المستور من طرف النساء مخافة أحكام المجتمع المسبقة و تفاديا للنظرة الدونية المستفحلة باعتبار أن اختلال التوازن دائما ما يكون مصدره النساء . و بالتالي ترضخ الضحية لما يمارس عليها من أذية سواء كان عنفا نفسي، أو اقتصادي أو جنسي أو حتى عنف تتلقاه من وسائل التواصل الاجتماعي .

المجودات المبدولة لمناهضة العنف ضد النساء

أحدثت مديرية الشرطة القضائية سنة 2007 خلايا للتكفل بالنساء المعنفات حيث تستقبل النساء ضحايا العنف من أجل الاستماع و التوجيه و الدعم ثم المرافقة لتلقي الخدمات الصحية في الحالات الحرجة .

ويبلغ عدد هذه الخلايا 133 خلية في التراب الوطني و 446 على مستوى دوائر الشرطة ، كما يمكن للمرأة ضحية العنف التبليغ عن الحادث عن طريق الخط 19 أو اللجوء إلى خدمة ” كلنا معاك ” عبر الاتصال بالرقم 8350 .

و أكدت المصالح الأمنية المكلفة بتسجيل حالات الضحايا أن نسبة العنف الجسدي تبلغ 41 بالمئة و العنف الاقتصادي يصل إلى 27 بالمئة ثم العنف النفسي بنسبة 26 بالمئة فيما تسجل نسبة 4 بالمئة بالنسبة للعنف الجنسي أما فيما يخص العنف المرتكب عبر وسائل التواصل الاجتماعي فيبلغ 2 بالئة .

و في ظل الاستفحال المهول لظاهرة العنف ضد النساء في المملكة فقد أطلق المغرب في 16 مارس بروتوكول ترابي للتكفل بالنساء ضحايا العنف و يندرج هذا الأخير ضمن تفعيل التزامات اعلان مراكش للقضاء على العنف ضد النساء و الذي تم توقيعه في الثامن من مارس لسنة 2020 خلال حفل ترأسته الأميرة لالة مريم رئيسة الاتحاد الوطني لنساء المغرب .

و تجدر الاشارة إلى جمعيات المجتمع المدني في مختلف انحاء المملكة التي تكثف الجهود من أجل الدفاع عن هذه الفئة من النساء و ذلك من خلال حمالات التوعية و التحسيس ناهيك عن دورها بالتكفل بالعديد من النساء المعنفات عبر الاستماع و الدعم و امداد يد العون .

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة