الملحون المغربي في الطريق إلى “يونسكو”

حرر بتاريخ من طرف

قال الباحث المغربي، عبد الإله ثابت، في دراسته “تاريخ الملحون” إنّه “حينما ابتعد الشعر العربي عن موطنه الأصلي بدأت تُستثقَل موازينه، من هنا ابتدأت الموشحات وهي تقطيعات حافظت للشعر على الميزان، ولكن استعملت في الموشح موازين مختلفة وفي قصيدة واحدة.

إلى هذا الحد بقي الشعر حكراً على النخبة، أي التي تفهم اللغة الفصحى. ثم أتى (أي الملحون) من خلط الشعر الدارج والفصيح مناصفة، فيكون صدر البيت فصيحاً، والعجز دارجاً أو العكس. وبرزت ملامح الشاعريات عند من لا يقرؤون ولا يكتبون، ولكن في جوفهم معانٍ عبروا عنها بلغة أمهاتهم. واحتاج الناس إلى ذاكرتهم عبر الأجيال لنقل هذا التراث الشفوي والحفاظ عليه”. 

ويورد أنّ “الوعي بأهمية هذا الأدب أخذ شكل تأسيس الجمعيات لصونه، ثم الجامعات”، ويأسف من تحوله لـ”موضوع بحث فقط، لا على أساس أنه من مكونات الشخصية، فالبحث فيه بلا تذوق ولا إحساس، بينما الذي حافظ عليه هو حب الناس له على اختلاف طبقاتهم”. 

أحبّه الناس، واستمعوا له في ليالي الأنس، وراحة البال حتى يومنا، ومن أجل أن يبقى سمة من سمات الشخصيّة المغربيّة، صرّح الوزير، محمد الأعرج، بأنّ “الوزارة تناقش بإدراج هذا الفنّ على لائحة التراث اللامادي لدى اليونسكو”. 

وحسب تصريحات الأعرج في ملتقى حول تراث فنّ الملحون بـ”أكاديمية المملكة” بالرباط، قال: “الهدف من هذا التصنيف هو حماية للتراث الثقافي الوطني والمحافظة عليه، وبالتالي فالوزارة تلتزم بمواكبة هذا الأمر إلى حين تفعيله، وتسعى إلى أن تشمل تدخلاتها كل مناحي الحياة الثقافية والتراثية وكافة مناطق المغرب”.

وأبرز الأعرج أنّ “فنّ الملحون المنبثق من وحي مكونات المجتمع ساهم في بناء الشخصية المغربية، من خلال تناوله لمناحي الحياة التي تعكس تمثلات المجتمع المغربي ومسايرته للتطور التاريخي والثقافي عبر قرون”، موضّحاً أنّ “هذا الفنّ الأصيل لا يزال يساير تطور الحياة العصرية، ولم يتأثّر بموجة العولمة، كما هو حال فنون تراثية أخرى”.

واعتبر أنه “فنٌ يساهم في ربط أواصر ووشائج العلاقات الاجتماعية وترسيخ التلاحم الاجتماعي، ما يجعله متوفراً على كل العناصر للاستجابة كليا لتعريف  التراث الثقافي  غير المادي كما ورد في اتفاقية اليونسكو لسنة 2003، المتعلقة بصون التراث الثقافي غير المادي، التي صادق عليها المغرب منذ 2006”. 

ضروب هذا الفنّ المغربي عريقة ومديدة، ويعتبر زجلاً في شعره، ولكنّه ملحون في مضمونه، له شيوخ السجية، أي الشعراء الذين يبدعون النصوص الشعرية الرمزية ذات المعاني الباطنية، وما فيها من استعارات وتشبيه وتعبير عن المشاعر والعواطف، أمثال الزجال، بوجمعة الفروج، الذي كتب زجلاً للمطرب السلاوي، وهذا الأخير يُطلق عليهم المولعون المنشدون، أي شيوخ الڱريحة، ويحصل تجميع الأشعار وتخزينها من لدن “الخزانة” كما تذكر جمعية “هواة الملحون بمراكش” عبر مدونتها “الملحون”. وهناك شعراء برزوا في مدن مختلفة (مراكش، فاس، سلا، الصويرة، أزمور…)، وأظهروا إنتاجاتهم الإبداعية، رغم قلّتهم بخلاف ما كان يعرف باسم “صابة الملحون” أي مرحلة الازدهار. 

وحتى وقت قريب كان، حسين التولالي، يُعرف برائد الملحون المغربي، وأحد كبار فن “القول الدارج”، ولد بمنطقة تولال سنة 1924 بأحد قرى مدينة مكناس، عاش في عائلة مزارعة، وشبّ على زراعة الورد. جذبته الموسيقى وحفظ قصائد الملحون عن طريق الإصغاء، ثم انضم لجوقة أحمد المدغري للموسيقى الأندلسية سنة 1958، وصار مرافقاً لها. 

أسَّس مدرسة خاصة بفنّ الملحون، بعد أن درَّس بنفسه هذا الفنّ بشكل علمي في معهد تابع لوزارة الشؤون الثقافية آنذاك، وأبدع في حمله للعود وغنائه لقصائد “الحراز” و”الدمليج” و”فاطمة” وقصيدة “الغرام”، قبل أن يتوفى عام 1998 بمدينته مكناس.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة