المراكشيون.. بين حمار نيكولا كايدج ودراجة توم كروز

حرر بتاريخ من طرف

عض المراكشيين، المعروفين بحس الضحك والفكاهة، وجدوا في مشهد تجول نيكولاس كايدج، في مراكش، على ظهر حمار، خلال تصوير مشاهد من دوره في فيلم “جيش في واحد”، فرصة للضحك والفكاهة عند مقارنته بمواطنه توم كروز، في فيلم “مهمة مستحيلة: أمة منشقة” لمؤلفه ومخرجه كريستوفر ماكويري، الذي صورت بعض مشاهده في مراكش؛ حيث ظهر، في معظم مشاهد الفيلم، إما محافظًا على توازنه فوق طائرة محلقة، أو راكبًا سيارات ودراجات نارية تطير أكثر أو تسير على الطرق السيارة.

توزع تصوير معظم مشاهد “مهمة مستحيلة: أمة منشقة”، الذي هو حركة وجاسوسية وإثارة، في المغرب، بين نواحي مراكش وأحياء الرباط والدار البيضاء، فضلًا عن الطريق السيار الرابط بين مراكش وأكادير، الذي أغلق 14 يومًا لاستكمال التصوير.
 
مفارقات سينمائية.. في المدينة الحمراء!

أغرت المدينة الحمراء صناع السينما، منذ عقود، حتى باتوا يرون فيها فضاءً ملائمًا لتصوير مشاهد من أفلامهم، التي تتناول بعض قضايا وحروب الشرق الأوسط أو قصص الجاسوسية، التي رافقت الحرب الباردة، قبل أن تتواصل، إلى اليوم، رغم سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، لكن، بطقوس وتقنيات أخرى.

يمكن القول إن توالي تصوير الأفلام السينمائية في مراكش، قد جعل كثيرًا من المراكشيين يغادرون بيوتهم والمقاهي، بين الحين والآخر، للتفرج على ذوي الانفجارات ولعلعة الرصاص ومشاهدة “الجثث” على الطبيعة، بعدما اعتادوا التسمر أمام شاشات الفضائيات، لمتابعة مباريات “الكالشيو” الإيطالي و”الليغا” الإسبانية، ومشاهدة أخبار الدم والدمار، مع الاستماع إلى آراء “الخبراء الاستراتيجيين”، الذين يفهمون في كل شيء، ابتداءً من دمار سوريا وفوضى ليبيا، مرورًا بـ “صراع” ميسي ورونالدو، و”عضة” سواريز، و”نطحة” زيدان، وصولًا إلى لغز سرقة مجوهرات كارداشيان، و”جنون” صدر باميلا أندرسون، فضلًا عن وجهات نظر الجنرالات المتقاعدين، الذين خاض معظمهم حروبًا فاشلة، قبل أن يُطلبوا، للتعليق على نزاعات وحروب لم يعد يُعرف من الغالب فيها ومن المغلوب.

ومن حسن الحظ أن مشاهد الأفلام العالمية، وخصوصًا الأميركية منها، والتي صار المراكشيون يشاهدونها طازجة، على الطبيعة، قبل أن تصلهم مضغوطة ومقرصنة في أقراص العشرة دراهم (دولار واحد)، هي، في الأول، وفي الأخير، مجرد تمثيل في تمثيل، رغم كل مشاهد الدمار والقصف، التي تحول بعض ساحات وأحياء المدينة إلى نُسخ موقتة من ساحات وأحياء مدن لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان والصومال. لكنها، أفلام تعطي “بهجاوة” فرصة الاستمتاع بما يحيط بصناعة الأفلام العالمية من بريق، والإمكانات الهائلة، التي توظف لإنتاجها، فضلًا عن أنها تغذي فضولًا جميلًا نحو نجوم الفن السابع.

يبقى من الطريف، حقًا، أن تتحول أحياء المْحاميد، مثلًا، إلى ساحة حرب وصراع بين الأميركيين والسوفيات، بدلًا من قفار أفغانستان، وأن يتم تصوير جزء من فيلم سينمائي في مراكش المغربية، متضمنًا مشاهد تتناول الجدار العازل، الذي أقامته إسرائيل على أرض فلسطين؛ وأن يتحول قصر البديع التاريخي إلى فضاء لتصوير مشاهد من أفلام عن الإرهاب، بينها فيلم “اعتقال سري” (2007) لمخرجه غافن هود، وبطولة ريس ويثرسبورن وجاك غيلنهال وميريل ستريب وعمر متولي؛ وأن تتحول أحياء مراكشية إلى حارات صومالية؛ وأن تتم الاستعانة بالكومبارس المغاربة للتأثيث لبعض الأحداث والمشاهد، بمقابل مادي قد لا يتعدى مائتي درهم (25 دولارًا) في فيلم سينمائي يتقاضى فيه البطل (الأميركي، طبعًا) أجرًا قد يتعدى ثلاثين مليون دولار!.
 
هوليوود أفريقيا

لن يكون فيلم “جيش من واحد” الأول ولا الأخير في قائمة الأفلام التي يتم تصويرها في المغرب، بشكل عام، ومراكش، بشكل خاص.

ويعود إقبال كبار المنتجين والمخرجين على الفضاءات المغربية لتصوير أفلامهم إلى بدايات القرن الماضي. وتأتي ورزازات، التي تلقب بـ “هوليوود أفريقيا”، على رأس المدن المغربية، التي احتضنت تصوير أكثر الأعمال السينمائية، متبوعة بطنجة ومراكش والدار البيضاء. 

النجمة الأميركية ريبيكا فيرغيسون في مشهد من فيلم “مهمة مستحيلة: أمة منشقة”، في ضواحي مراكش

يعود بدء التصوير في ورزازات تحديدًا إلى عشرينيات القرن الماضي، حين صورت أفلام “الدم” (1922) للفرنسي لويتز مورا؛ و”إن شاء الله” (1922) للفرنسي فرانز توسان؛ و”عندما تعود السنونو إلى أعشاشها” (1927) للألماني جيمس بوير؛ و”في ظل الحريم”(1928) للفرنسيين ليون ماتوت وأندري ليابل.
 
شاي في الصحراء

من أبرز الأفلام التي صورت، في العقود الأخيرة، في مختلف مناطق المغرب، وحققت صدى عالميًا، سواء على مستوى متعة المشاهدة واعتراف النقاد أو حجم الإيرادات، نذكر “آخر رغبات المسيح” (1987)، لمارتن سكورسيزي؛ و”شاي في الصحراء”(1989) لبرناندو برتولوتشي؛ و”كوندون” (1996) لمارتن سكورسيزي؛ و”المصارع” (2000) لريدلي سكوت؛ و”سقوط الصقر الأسود” (2001) لريدلي سكوت؛ و”لعبة التجسس” (2001) لتوني سكوت؛ و”هوية بورن” (2002) لدوج ليمان؛ و”الإسكندر” (2004) لأوليفر ستون؛ و”طروادة” (2004) لولفجانج بيتيرسن؛ و”مملكة السماء” (2005) لريدلي سكوت؛ و”المومياء” (2005) لستيفن سومارز؛ و”بابل” (2006) لأليخاندرو غونزالس إناريتو؛ و”اعتقال سري” (2007) لمخرجه غافن هود؛ و”أمير فارس: رمال الزمن” (2010) لمايك نيويل؛ و”القناص الأميركي” (2014) لكلينت إيستوود؛ و”روك القصبة” (2014) لباري ليفنسون؛ و”ملكة الصحراء” (2014) لورنر هيرزوغ؛ و”مهمة مستحيلة: أمة منشقة” (2015) لكريستوفر ماكويري.
 
مؤهلات طبيعية وبشرية

استثمارًا للمكتسبات الجغرافية والمؤهلات البشرية للمغرب، ووعيًا منها بالانعكاسات الإيجابية التي يمكن أن تنتج من تصوير الأفلام، سواء على مستوى الاقتصاد الوطني، بشكل عام، أو خلق فرص الشغل والتكوين المهني للفنيين والتقنيين المغاربة، بشكل خاص، عمدت الحكومة المغربية، بمبادرة من المركز السينمائي المغربي، إلى اتخاذ جملة من التدابير لمصلحة المنتجين الأجانب، تشمل مساهمة جميع القوات الرسمية للدولة، بما فيها القوات المسلحة الملكية وقوات الطيران والقوات البحرية الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني في تصوير الأفلام، وتسهيل إجراءات الاستيراد الموقت للأسلحة والذخيرة الضرورية لتصوير الأفلام، والحصول على تخفيضات من طرف الخطوط الملكية المغربية لتنقل الأشخاص والأمتعة، وتحديد أسعار رمزية للتصوير في الفضاءات والآثار التاريخية، والإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة على جميع الممتلكات، وكذا الخدمات التي تتم في المغرب، وتبسيط المسطرة الخاصة بالجمارك، سواء عند استيراد معدات التصوير أو عند تصديرها، وخلق مصالح داخل المركز السينمائي المغربي تشرف على تسهيل الإجراءات الإدارية وتسهيل الاتصال بالمصالح والسلطات المعنية بالتصوير.
 
تعزيز إشعاع وجاذبية المغرب
لا تمكن الإنتاجات السينمائية الضخمة من تحريك عجلة الاقتصاد المغربي، فحسب، بل تساهم في تعزيز إشعاع وجاذبية صورة المغرب على الصعيد الدولي، الشيء الذي يساهم في استقطاب المزيد من الإنتاجات العالمية، من دون إغفال الإيجابيات التسويقية التي يمكن جنيها من توافد مخرجين وممثلين عالميين من حجم ريدلي سكوت ومارتن سكورسيزي وأوليفر ستون وبراد بيت وتوم كروز وراسل كرو ونيكول كيدمان وتوم هانكس وكلينت إيستوود وشارون ستون ونيكولاس كايدج، خاصة في ما يتعلق بدعم وجهة المغرب السياحية، وتأكيد ما يعيشه من أمن واستقرار.

ومن أجل دعم هذا القطاع ومرافقة الدينامية التي يعرفها، عمد العديد من المستثمرين، المغاربة والأجانب، إلى تشييد استوديوهات للتصوير مجهزة بأحدث المعدات في كل من الدار البيضاء وورزازات (استوديو أطلس، استوديو كان زمان، استوديو سينيدينا، استوديو إستر أندروميدا). 

كما إن الاهتمام الذي توليه أعلى سلطة في البلاد لقطاع السينما، يحث السلطات العمومية، وكذا المهنيين والفنانين، من أجل العمل على تحقيق هذه الرغبة الأكيدة والمشتركة، المتمثلة في ازدهار صناعة سينمائية حقيقية في المغرب. كما يساهم عدد من المهرجانات والتظاهرات السينمائية، ذات البعد القاري والعالمي، في دعم توجهات المغرب، خاصة في ما يتعلق باستقطاب كبار المنتجين العالميين لتصوير إنتاجاتهم، بشكل يفتح باب التواصل واللقاء ويعزز جو الثقة في وجهة المغرب.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة