الفنانة التشكيلية لشكر تحتفي بالأيقونة الكبيرة الراحلة الشعيبية

حرر بتاريخ من طرف

في إطار دورة “معارض وأحداث”، يحتضن رواق كازا آرت بالدارالبيضاء، معرضا فرديا للفنانة التشكيلية حسناء لشكر، ويمتد الحدث الذي انطلق تحت عنوان “أيقونات” إلى غاية 16 فبراير الجاري. وتنتمي تجربة لشكر إلى الحساسية التشكيلية الجديدة، وتحديدا البوب آرت.

وحسب عدد من النقاد الجماليين، استطاعت الفنانة التشكيلية حسناء لشكر، التي رسمت في تجربتها الجديدة عددا من البورتريهات تنتمي على عوالم مختلفة ومن عواصم متعددة، أن تنحت أسلوبا خاصا ومتفردا، في عالم الصباغة.

حسناء لشكر (مواليد 1992 بسلا)، خريجة المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدارالبيضاء، تخصص فنون تشكيلية، عشقت الفن منذ نعومة أضافرها، ويندرج توجهها الفني ضمن البوب آرت، وتحديدا الانطباعية الجديدة. ويقول نقاد فنيون إنها متأثرة بجذورها الأمازيغية، كما أنها جسدت مجموعة من الرموز الثقافية العالمية في أعمالها الأخيرة، منهم ممثلون، ومطربون، ومخرجون سينمائيون، استطاعت أن تقاربهم عبر فن البورتريه. في ندوة صحفية أكد المنظمون أن الفنانة التشكيلية حسناء لشكر توجه رسائل نبيلة من خلال إحيائها لهذه الرموز التي تشكل دعامة الفنون المعاصرة في كل تجلياتها وتنوعها.

في معرضها الحالي الذي يحمل عنوان “أيقونات”، خصصت لوحاتها لوجوه أثرت الحياة الفنية، منها سيدة الطرب الغنائي العربي، أم كلثوم، والظاهرة العالمية مايكل جاكسون، واختارت من المغرب الفنانة التشكيلية الراحلة الشعيبية طلال واحدة من الفنانات التي أرخت اسمها في قاموس أكسفورد الدولي للإعلام بنيويورك المؤلف المرجعي ” معجم تراجم الفنانين الأفارقة”، حيث خصص مقالا رصينا لمسار الفنانة العالمية والفريدة الشعيبية طلال (1929 – 2004) من تأليف الناقدة ومؤرخة الفن أوزير غلاسيي.

وفي ضوء مقاربة مقارنة وحجاجية، كتبت هذه المؤرخة ذات الصيت الدولي المقال الآتي المعنون بـ “مسار فنانة عالمية”، جاء فيه: ” الشعيبية طلال بلا منازع أكثر الفنانين المغاربة شهرة في القرن العشرين، إضافة إلى ذلك، فهي مصنفة ضمن كبار الفنانين العالميين على غرار ميرو، وبيكاسو، ومودغلياني على سبيل التمثيل لا الحصر. إنها، أيضا، الفنانة الوحيدة بالمغرب التي حطمت أعمالها أرقاما قياسية في المزاد العلني الدولي. للإشارة، فقد بلغت أعمالها التشكيلية ما قيمته مليون درهما بالنسبة للحجم الكبير. ولدت الشعيبية عام 1929 بشتوكة، قرب الجديدة. لا شيء يبدو معدا سلفا بخصوص مسار هذه الفنانة ذات الشهرة العالمية. ترعرعت، فعلا، في أحضان أسرة قروية، في قلب البادية، إبان فترة ما زال التعليم فيها امتيازا بالنسبة لأبناء الطبقة الميسورة.

الشعيبية أمية. في عز طفولتها، تحملت مسؤولية رعاية الدجاج والكتاكيت. عندما تفتقد أحد هذه الكائنات تختفي داخل حزمات العلف تجنبا لغضب أهلها. وسمت هذه الفترة خيال هذه الفنانة الكبيرة. في معرض العديد من الحوارات التي أجرتها مع مختلف الإعلاميين، تفسر بأن رسمها يحكي طيلة مسارها “كل هذا” أي امتداد الحقول، ورطوبة المطر، ورائحة العلف المبلل، وأبعد من ذلك، حبها الذي لا يقاس للبحر، وللأرض، وللأنهار، وللأشجار، و للزهور، خاصة أزهار الربيع وشقائق النعمان. إن هذا الحب هو الذي منحها لقب “المهبولة” ، مجنونة القرية.

خلال طفولتها، كانت الشعيبية تجمع الزهور، وتصنع منها تيجانا، وتغطي بها رأسها و جسدها. على شاطئ البحر، تجمع الأحجار والمحارات، وتشيد منازل من الرمل ذات أبواب ونوافذ. الحال أن الشعيبية لم تر منزلا من قبل : عاشت مع أهلها داخل خيمة. لا أحد يتعامل مثلها بمنطقة شتوكة. فمجنونة القرية مختلفة، تماما، عن الآخرين. مع تقدم السن، الشعيبية غيرمتأسفة عن أصالتها، وتؤكد أنه من الأهمية بمكان عدم الخوف من الاختلاف.

في سن الثالثة عشرة، تزوجت الشعيبية طلال برجل طاعن في السن خاض سبع تجارب في الزواج. دام هذا الرباط عامين: تبعا لحادثة سير، توفي زوجها، وترملت في سن الخامسة عشرة، وهي أم لابنها حسين في سنته الاولى. كانت تنسج الصوف من أجل تأمين حاجياتها، وإعالة ابنها، وقد اشتغلت كخادمة لدى عدد من الأسر الفرنسية حينها كان المغرب يعيش فترة الاحتلال.

لم تحل الساعات الطوال من العمل دون تأكيد عزم الشعيبية، فهذه الأخيرة تريد، مهما كلفها الأمر ذلك، أن يتخلص ابنها من جرح الأمية، هذا الجرح الذي عانت منه طوال حياتها، و الذي لم يتفوق لا المجد و لا الثراء في علاجه. بشكل مماثل، لم يؤثر الفقر في قرار الشعيبية عدم الزواج مجددا : فقد رفضت كل العروض التي تلقتها في هذا الباب. من جهة ، تريد حماية ابنها ضد كل معاملة غير لائقة و محتملة من طرف الزوج، و من جهة أخرى ترغب في العيش حرة طليقة. عرفت الشعيبية كيف تتمثل حريتها، و لو في مسكن بدون كهرباء. يتذكر حسين طلال أنه درس تحت ضوء الشموع إلى حين مغادرته المغرب، قصد استكمال دراسته بالخارج، و تأكيد مساره كفنان معترف به.

واصلت الشعيبية عملها كخادمة، في الوقت الذي أسس فيه حسين مساره الفني. عندما كانت الأم ترى ابنها ملطخا بالصباغة، كانت توبخه و تؤنبه، مفسرة إياه بأنه مرهق حال تنظيف هذه القذارة. و كم كان مستبعدا التخيل بأن الأدوار ستنقلب قريبا. على ضوء تجربتها الشخصية، الشعيبية مقتنعة بأن لكل واحد منا، رجلا أو امرأة، قدرا مخططا مسبقا.

تكفي معرفة قراءة اشارات الحياة لمعرفة التوجه. الواقع، أن هناك حدثين وجها الشعيبية نحو المسلك الذي يجب أن تنتهجه. في بداية الأمر، التقت رجلا قديسا بزاوية مولاي بوشعيب الذي تنبأ بأن هذه المهبولة ستصير بركة، و نعمة قريتها. تلى ذلك الحلم الذي غير مجرى حياتها. في سنة 1963 ، حلمت الشعيبية و عمرها آنذاك خمسة و عشرون سنة، بأنها بداخل غرفة نومها. باب الغرفة مفتوح. اكتشفت صفا من الشموع المضيئة يمتد حتى الحديقة. كل ألوان قوس قزح تتلألأ في سماء زرقاء تماما. بعد ذلك، دخل رجال شديدو بياض الثياب الغرفة.منحوا الشعيبية قماشات وفرشات، موضحين لها : “هذا هو مكسب قوتك”. في حالة اليقظة، عرفت الشعيبية بأن هذا الحلم يجب أن يتحقق. يومان
بعد ذلك ، اقتنت الصباغة، و انكبت بدون تريث على الرسم. ذات يوم جميل، فوجئ حسين برؤية أمه ملطخة بالصباغة، وحفزها على الاستمرارية.

واصلت الشعيبية عملها كخادمة نهارا مخصصة أمسياتها للرسم الصباغي. عامان بعد ذلك، و تحديدا سنة 1965، دعا حسين أحمد الشرقاوي، رسام مغربي، و بيير غودبير، ناقد فني و مدير متحف الفن الحديث بباريس، لتناول وجبة الكسكس في ضيافة أمه. بدون أفكار مسبقة، أظهرت هذه الأخيرة لوحاتها لضيوفها.

أحب كثيرا بيير غودبير أعمال هذه الفنانة الناشئة. بعد فسحة من الزمن، تعترف الشعيبية بأن هذا الأخير ساعدها وشجعها كثيرا. في البداية، أقيمت ثلاثة معارض أولية عام 1966 ، واحد بمعهد غوته الألماني بالدار البيضاء، و الآخر برواق “Solstice” بباريس، و الثالث بصالون “أقصى المستقلين “Surindépendants ” بمتحف الفن الحديث بباريس.

تتابعت بعد ذلك بتسلسل المعارض عبر بقاع العالم. كان تألق الشعيبية ساطعا. أثارت “المهبولة” ، مجنونة بلدة شتوكة الصغيرة، إعجاب جمهور عريض بعدة أقطار دولية من بينها كوبنهاغن، و فرانكفورت، وإبيزا، وتونس، والبرازيل، وروتردام، والعراق، و برشلونة، وزيلاندا الجديدة، وبفرلي هلس.

توج مشاهير النقاد في العالم الشعيبية فنانة كبيرة في القرن العشرين، لعامل موضوعي نظرا لكون أعمال هذه الأخيرة عرضت بجانب أعمال فنانين عالميين أمثال ميرو، و بيكاسو، و مودغلياني.منذ عام 1971 ، أدرجت أيضا الشعيبية في “لاروس” الفن بالعالم، و خلال عام 1977 ، دخلت القاموس المرجعي “Bézénit”.

لكن لا أحد نبي في بلدته. فبينما يقف الغرب مذهولا أمام موهبة الشعيبية طلال الخارقة، نجد الأسماء الصادحة للفن المعاصر بالمغرب تخصها بازدراء كلي. يجب القول بالنسبة لهم بأن إنتاج هذه الأخيرة مختزل في الفن الفطري. مع ذلك، فنقاد الفن يجمعون في هذا الصدد حول هذه الحقيقة : أسلوب الشعيبية لا علاقة له بالشكل التعبيري للفن الفطري. و إذا كان من اللازم تصنيف هذا الأسلوب فقد اتفق بعض النقاد على القول بأننا في حضرة “فن خام” (Art brut)، أي نموذج تشكيلي كما نادت بذلك الحركة الأروبية كوبرا (Cobra ) عام 1945، و الذي يهم فنا متخلصا من كل تأثير معرفي، و ثقافي، و تاريخي. الواقع، أن أسلوب الشعيبية غير قابل للتصنيف. في ما بعد، نقول عمل “الشعيبية” كما نقول عمل “بيكاسو” … و أيضا كما نبيع عملا ل “بيكاسو” : الشعيبية هي الفنانة المغربية الوحيدة المتداولة أعمالها في البورصة بسعر مرتفع، و جماعو اللوحات مستعدون لدفع مليون درهما كمبلغ زهيد لاقتناء واحدة من لوحاتها.

توفيت الشعيبية بالدار البيضاء عام 2004 في سن الخامسة والسبعين سنة، على إثر أزمة قلبية. وهبت للأجيال القادمة إنتاجا فنيا فياضا. فلوحاتها تعزز وتغني مجموعات عدة دول من بينها فرنسا، وإيطاليا، واليابان، وسويسرا، والهند، وهايتي، واستراليا، وبريطانيا العظمى، والولايات المتحدة الأمريكية. كما تغني لوحاتها كبريات المجموعات الخاصة في العالم، وكذا مجموعات أخرى بفرنسا، وإيطاليا، ولبنان، ومصر، والهند، وكندا، واسبانيا، وسويسرا، وهولاندا، وبلجيكا، وهايتي، واليابان، والسويد، والدانمارك، وألمانيا، وأستراليا، والولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا العظمى، وزيلاندا الجديدة، وافريقيا الجنوبية. حاصل الكلام، لقد كانت مهبولة شتوكة بركة ونعمة بالنسبة للمغرب كله.

على مستوى آخر شكلت الراحلة الشعيبية أيقونة عالمية، ومن الفنانين الذين تماهوا واستلهموا تجربتها البصرية في أعمالهم، نكفي أن نذكر الفنان مينيلاو سيت الذي كرم أعمال الشعيبية، ويندرج هذا الاستحقاق ضمن التقارب الثقافي بين المغرب والبرازيل، ويسعى الفنان البرازيلي إلى تعزيز العلاقات بين البلدين سواء على المستوى السياسي أو الفني.

وما يميز تجربة مينيلاو أنه يستوحي أعماله من عوالم الفن الإفريقي والأوروبي واللاتيني، وقال مينيلاو في تصريح إعلامي إنه يعتبر الراحلة الشعيبية فنانة ألهمته في مساره الفني حيث أقامت معارض كثيرة في أمريكا اللاتينية، وتحديدا في مدينة سالفادور دو باهيا البرازيلية، سنوات الثمانينات من القرن الماضي، وتعد هذه المدينة التاريخية مسقط الفنان مينيلاو الذي احتفى في معرض فردي له بالدارالبيضاء بتجربة الشعيبية من خلال أعماله الجديدة. وبهذا الخصوص قال مينيلاو سيت إنه “حين يتملى لوحات الشعيبية فإنه يشعر بطاقة لا مثيلة لها تسري في عروقه”، مضيفا أنه ملهم وعاشق لتجربتها الصباغية العالمية، ولقوة شخصيتها، التي تعطي مثالا للمرأة الناجحة.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة