الصيف في المغرب.. لسعات العقارب تطارد الأطفال والآباء قلقون

حرر بتاريخ من طرف

مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تزداد معاناة سكان المناطق النائية بالمغرب، بسبب تزايد حالات الإصابات بلسعات العقارب ولدغات الأفاعي، التي تحصد خلال شهري يوليو وغشت عشرات الضحايا بين الأطفال.

ومما يفاق ذلك غياب تام للأمصال والأدوية، بالإضافة إلى خصاص في المراكز الصحية وأقسام الإنعاش.

وتسود حالة من الذعر والرعب في صفوف الأهالي، خوفا من فقدان فلذات أكبداهم جراء لسعة عقرب أو لدغة ثعبان، وتتعالى أصواتهم مطالبة فعاليات المجتمع المدني لمؤازرتهم ومساعدتهم.

ويطالبون الجهات المسؤولة في المغرب بالتدخل العاجل من أجل إنقاذ أطفال المناطق المهمشة من الموت والعاهات المستديمة نتيجة الإصابة بلسعات العقارب ولدغات الأفاعي.

ومن بين المناطق الأكثر تضررا، جهة مراكش الحوز وسوس ماسة درعة، (جنوبي المغرب) وعبدة دكالة (شمال مدينة الدار البيضاء) وتادلة أزيلال بـ (الأطلس المتوسط والكبير)، والشاوية ورديغة ( غرب جهة الدارالبيضاء الكبرى).

العقارب تقتل الأطفال

دعاء وفاطمة وهشام وزينب وأمين وحنان ونادية ومحمد. هي أسماء من بين عشرات الأطفال ضحايا لسعات العقارب، فارقوا الحياة في صمت، ذنبهم الوحيد أنهم يعيشون في قرى وبوادي نائية تدعى (محور الموت).

أطفال في نعومة أظافرهم، يتطلعون لمستقبل أفضل، لديهم طموح كبير، لكن لدغات الأفاعي لم تمهلهم، وأسرعت في دس سمها في أجسامهم الطرية.

ويبقى هؤلاء الأطفال وغيرهم من بين ضحايا غياب العلاج والأمصال والأدوية بالمراكز الصحية النائية، حيث باتت الأمهات يعشن في قلق دائم، ويرافقن أطفالهن إلى المدارس لاجتياز الامتحانات الإشهادية (امتحانات نهاية السنة)، خوفا من إصابتهم بلسعة عقرب قد تودي بحياتهم، نتيجة غياب الأمصال ونقص في عدد المراكز الصحية أو بعدها.

أم مكلومة

محنة الأمهات تزداد مع ظهور العقارب والأفاعي خلال فصل الصيف، بشكل لافت بسبب ارتفاع درجات الحرارة المفرطة، ما جعل بعضهن يقررن اصطحاب أطفالهن إلى المدن الكبرى، حفاظا على حياتهم من خطر الموت.

رغم مرور أيام أو شهور أو سنوات على وفاة الأطفال بسبب لدغات العقارب، مازالت الأمهات المكلومات يعشن في حزن مستمر على فقدان فلذات كبدهم.

ومن بين الأمهات اللواتي لم تستطع السنين أن تضمد جراحهن، والدة فاطمة، ذات تسع سنوات، التي تقطن بقرية ناحية ضواحي مدينة وزان ‘شمال المغرب”، فهي لحد الآن مازال ترثي وتبكي ابنتها بعد أن فقدتها بسبب غياب الأدوية بالمركز الصحي بوزان.

تحكي الأم المكلومة والدموع تنهمر على وجنتيها “لا يمكنني أن أنس أبدا صورة ابنتي فاطمة وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة بالمستشفى”.

لم تستطع الأم مواصلة حديثها، وبعد أن تمالكت أنفاسها قالت “تعرضت ابنتي رحمها الله للسعة عقرب، وهي في طريقها إلى المدرسة، لكن بعد نقلها إلى المستوصف الطبي القريب من القرية فوجئنا بعدم وجود الأدوية، وطلب منا نقلها إلى المستشفى الإقليمي بمدينة القنيطرة التي تبعد عن العاصمة الرباط بحوالي 50 كلم، وعن وزان بحوالي 200 كلم”.

وتضيف الأم نفسها، أنه بسبب غياب الأدوية المعالجة ومشاق التنقل بين المركز الصحي بوزان والمستشفى الإقليمي بالقنيطرة، لفظت ابنتها أنفاسها بمجرد وصولها إلى المستشفى لعدم إنقاذها في الوقت المناسب قبل أن تدخل السم سموم العقرب إلى الجسم.

ليست فاطمة الطفلة الوحيدة التي توفيت جراء لدغة عقرب وبسبب بعد المستشفيات وغياب المصل المضاد للسعات العقارب أو الأدوية والعلاج بالإنعاش، بل وهناك عشرات الأطفال يموتون بالأسباب ذاتها في مناطق مختلفة.

الأمصال .. الحل الوحيد

في الوقت الذي يشكو السكان من تزايد عدد وفيات الأطفال نتيجة انتشار العقارب والأفاعي، يثار نقاش وجدال حاد حول مدى نجاعة استعمال الأمصال في علاج وإنقاذ أرواح الأطفال والمسنين من تسممات العقارب والأفاعي، أم أن اللجوء إلى الأدوية البديلة هو الحل الناجع.

يقول محمد كريم، عن نقابة الاتحاد المغربي للشغل بمعهد باستور، لـموقع “سكاي نيوز عربية”، إن الدواء الوحيد والناجع لعلاج لسعات العقارب، خاصة في القرى النائية هو الأمصال.

ويؤكد كريم، إلى أن المغرب كان منذ الثمانينات، يصدر المصل المضاد لسم العقارب إلى فرنسا وليبيا.

ويرى المتحدث نفسه، أنه بناء على المرسوم الملكي عدد 176 ـ 66 (23 يونيو 1967) المنظم لمعهد باستور، الذي حدد مهمته في إنتاج واستعمال الأمصال محليا، وعملا بنص الدستور المغربي الذي يضمن الحق في تقديم العلاج للمواطنين، وكذا المواثيق الدولية، أصبح من الضروري تدخل وزارة الصحة من أجل حماية أرواح المواطنين، وذلك بإعادة تأهيل معهد باستور المغرب كمركز للأمصال واللقاحات.

ويوضح كريم، أن غياب الأمصال المضادة للعقارب من سوق الأدوية أصبح يهدد آلاف المواطنين باختلاف أعمارهم وفي مناطق متعددة، مشيرا إلى أن الغياب قرار بتوقيف إنتاج هاته الأمصال المضادة منذ 2003 بدعوى غياب الأليات المتطورة لإنتاج الأمصال، غير مجدي.

من جهته، قال علي أيت يوسف، فاعل جمعوي بزاكورة (جنوب المغرب) لموقع”سكاي نيوز عربية”، إن الفعاليات الجمعوية بالمنطقة تطالب بتوفير التجهيزات الطبية وأدوية العناية المركزة، وأطر طبية مؤهلة، وسيارات إسعاف، وأمصال مضادة لسموم العقارب والأفاعي بالمراكز الصحية والمستشفيات النائية بالخصوص في المناطق الأكثر تضررا بكل من جهة مراكش الحوز وسوس ماسة درعة، وعبدة دكالة، وتادلة أزيلال، والشاوية ورديغة.

كما يطالب أيت يوسف، بضرورة وضع استراتيجية وطنية ناجعة لحل مشكل الأفاعي والعقارب، مع توفير الأجهزة الضرورية للإسعافات الأولية بوحدات متنقلة ، وتنظيم حملات التحسيس و التوعية الصحية بخصوص أخطار تسممات العقارب والأفاعي.

وأما إبراهيم رزقو، عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع زاكورة، فيقول لموقع”سكاي نيوز عربية”، إن من أسباب ارتفاع حالات الوفيات بسبب لسعات العقارب ولدغات الأفاعي، توقف إنتاج الأمصال المضاد للسموم بمعهد باستور.

ويبرز رزقو، أن حزام المغرب الشرقي والوسط يشهد ظاهرة خروج الأفاعي والعقارب في فصل الصيف، ما يتطلب تدخل استعجالي لإنقاذ أطفال وسكان المنطقة من أخطار السموم، كما يدعو بدوره إلى ضرورة فتح وحدة إنتاج الأمصال لنجاعته في العلاج.

اللجوء إلى أدوية بديلة

في ظل غياب العلاج الطبي من سموم العقارب والأفاعي، يلجأ عدد من سكان البوادي إلى طرق بديلة، وذلك بمجرد ما تظهر أعراض على المصاب بالسموم من قبيل الرعشة و التقيؤ وارتفاع الضغط وفقدان الوعي، وتصبب العرق.

هذا النوع من السكان لا يؤمنون قط بالطب، بل لديهم اقتناع أن الطرق التقليدية هي السبيل لإنقاذ المصاب بلسعة العقارب أو لدغة الأفعى.

ومن بين الطرق العلاجية”التبخاخ” (قذف اللعاب) و”التشراط”، (وضع علامات بالسكين أو أية وسيلة حادة ومص الدماء) ثم “الحجامة”.

إلا أن هذه الوسائل العلاجية قد تسبب حسب شهادات مواطنين في مضاعفات تتسبب في آخر المطاف في وفاة الشخص المصاب.

وفي هذا الصدد، يؤكد المتحدثون، أن بعض الأهالي ينتظرون مناسبة مجيء السوق الأسبوعي لعرض المصابين على فقيه أو عشاب (عطار) ، ما يفاقم من خطورة الإصابة والمضاعفات، التي غالبا تنتهي بالوفاة.

مراكش تعاني أكثر

وبلغة الأرقام يقول متخصصون في الطب، أن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة لسعات العقارب ولدغات الأفاعي، من تقليص نسبة الوفيات الناتجة عن لسعات العقارب من 2.37 بالمئة عام 1999 إلى 0.18 بالمئة عام 2018، وكذلك تقليص نسبة الوفيات الناتجة عن لدغات الأفاعي من 8.9 بالمئة سنة 2011 إلى 1.7بالمئة عام 2018 .

وحسب المتخصصين، فإن جهة مراكش-آسفي من بين الجهات (البلديات) التي تشهد انتشار للعقارب السامة، وتحتل المرتبة الأولى وطنيا في لسعات العقارب، إذ سجلت حوالي 8662 لسعة خلال السنة ما قبل الماضية، توفي منها 23 ضحية، كما تعاني هذه الجهة أكثر من غيرها من لسعات العقارب.

وتقدر عدد حالات لسعات العقارب بـ 8000 حالة سنويا من أصل 30 ألف حالة وطنيا، خاصة بأقاليم الرحامنة وقلعة السراغنة والصويرة وشيشاوة.

المصدر: سكاي نيوز

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة