عمر اربيب يكتب.. ذكرى 16 ماي الاليمة والمشروع  المجتمعي النكوصي

حرر بتاريخ من طرف

شكلت الاعمال الارهابية ليو 16 ماي 2003 بالدار البيضاء، منحدرا نحو التراجعات الحقوقية التي راكمتها القوى الديمقراطية والتقدمية. فقد تم استغلالها من طرف الدولة لتمرير قانون مكافحة الارهاب، بعدما لقي مقاومة قوية لعدم تمرير ، رغم الضعط التي مارسته امريكا الى درجة انه تم نعت القانون03.03 بقانون العنكري تتويلر (سفيرة الولايات المتحدة الامريكية بالرباط)،  وقد بنت الحركة المناهضة للقانون مواقفها معتبرة ان الترسانة القانونية وخاضة القانون الجنائي فيه ما يكفي من الفصول لمعاقبة الفعل الجرمي الارهابي، وايضا لان الارهاب نفسه ليس محددا وتعريفه يبقى غامض وفضفاض ،فحتى المنظومة الدولية لحقوق الانسان عجزت عن ذلك ،وان كانت تطرقت باسحاب لعض الافعال التي يمكن ادراجها كاعمال ارهابية.

عمليات 16 ماي 2003 المدانة طبعا ، خلخلت العديد من الاوهام في انتقال المغرب نحو الديمقراطية، وان الاسلام الشائع بحركاته مبني على التسامح والتعايش ، كما مكنت الاحداث العقل الامني من العودة للواجهة كاشارة لاستمرار الدولة البوليسية، يبرز بقوة لبسط هيمنته على الساحة، ليس في مواجهة الظاهرة الارهابية ،ولكن في ضبط حركية المجتمع وايقاعاته الاحتجاجية، ودفعت الفاعل السياسي الى الانخراط التام في اجندة الدولة ،واسقاط كل معارض تحت مبرر مكافحة الارهاب.

هذا الفاعل وجد نفسه يحشد كل امكانياته لمحاصرة المد الاصولي معتقدا انها عملية ميكانيكية بسيطة ، متناسيا ان جذور الحركة الاسلامية اصبحت ممتدة في عمق المجتمع من خلال انتشاره وبدعم من المخزن في الجامعة ، وانه حارب الفكر التقدمي والحركة المناضلة وخاصة اطارها النقابي ،الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، الذي شكل عبر مساره وتاريخ الطويل متراسا لحماية الجامعة من التغللغل المخزني والفكر الرجعي ، لكن تحالف المخزن  والقوى الرجعية منذ بداية تسعينيات القرن الماضي ،مكن من تحييد القوى الديمقراطية الحزبية عن الجامعة والانفراد بالحركة الطلابية لكبح  ديناميتها النضالية وعزلها عن حركية المجتمع وفصلها عن  النضال العام من اجل التغيير المجتمعي، وبهذ استطاع النظام اضافة الى اساليب القمع والاعتقالات المتواثرة والمحاكمات للعشرات من المناضلين التقدميين ،ان يفسح المجال للقوى الظلامية للسيطرة على الجامعة واقبار كل الاشكال النضالية وهذا ما كان تطمح له الدولة.

ومع انطلاق حركة 20 فبراير بدى واضحا نجاح المخزن في الفصل بين النضال داخل الجامعة والفعل النضالي داخل المجتمع، فقد كانت الحركة الطلابية الغائب الاكبر عن الحراك الشعبي لحركة 20 فبراير رغم انه انطلق واستمر شبيبيا.

ان الحركة السياسية التي اوكل لها النظام محاربة الحركة الاسلاموية تناست ، انها جزء من الازمة القائمة في المجتمع بسياساتها وانها فقدت الكثير من شرعيتها ، و ان الحركة الاسلامية تسربت الى تنظيمات متعددة داخل المجتمع واصبحت لها اذرع بفضل رعاية وزارة الشؤون الاسلامية عبر تمكينها من منابر اعلامية وغض الطرف على دعواتها التبليغية، وايضا دعم الدولة لمواجهة القوى اليسارية المناضلة .

لقد ساد الاعتقاد ان الاعمال الارهابية لعام 2003 تشكل منعرجا لمحاصرة المد الاصولي، لكن الواقع اكد غير ذلك.

فطبيعة الدولة المبنية على الشرعية الدينية جعلها تبني استراتيجيتها على ما يسمى التمييز بين الحركات الاسلامية،

اي الاسلام الجهادي، الاسلام الحركي والاسلام السياسي، والسعي لاستدماج الجزء القابل باشتراطات الدولة وعدم منازعته في امارة المؤمنين، ومحاصرة الثيار الحركي وترويضه  عبر تضييق الخناق وبعد ذلك دمجه ، ومحاربة الاسلام الجهادي باعتباره المسؤول المباشر  عن الافعال الارهابية ليوم 16 ماي.

ويمكن ان نلاحظ انه بعد احداث 16 ماي الاليمة،بدل انحصار المد الاسلاموي تقوى تدريجيا، واصبح الة ضاربة منتشرة في جميع دواليب الحياة والمجتمع ، فقد انتشر بشكل كبير، واصبحت الايولوجية الاسلامية مهيمنة ، وبدأت السلطة عملية الاستقطاب والترويض في الحقل السياسي بالنسبة للتيارات التي تعتبرها لا تشكل خطرا عليها ، والتي تساعدها على محاربة التيارات العنيفة ، ففتحت الدولة  المجال للفكر الاصولي بالانتشار الواسع، ودعمت وجوده داخل الجامعة، وسمحت باسغلال المساجد لترويج اديولوجته واستغلال وتوظيف الدين للتوسع السياسي

هذا الوضع جعل ما يسمى الاسلام الجهادي يتلقى الضربات، ليغير من استراتيجيه بالانتقال الى بؤكر التوثر في افغانسان وبعدها العراق  وسوريا ليبيا لتطوير قدراته القتالية والمساهمة في ما يسمى الجهاد من اجل بناء الدولة الاسلامية.في حين اختار الاسلام الحركي توسيع دائرة اعضاءه والعاطفين باعتماد الية زرع الاديولوجية الاسلامية عبر قنوات متعددة وباليات  الارشاد والتثقيف، وفي نفس الوقت التسرب للاطارات المدنية خاصة المشكلة من الفئات الوسطى ، وقد تمكن من ذلك بعدما هيئ الاطر عبر بوابة الجامعة وشل طاقات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ،في المدارس العليا والكليات ذات الاستقطاب المحدود كمحطة اولى ابتدأت منذ نهاية الثماننيات  ،  وخنق الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في اغلب ان لم نقل كل  الجامعات،  مما مكنه من فرز الاطر من الخريجين امام تراجع الستقطاب السياسي اليساري  التقدمي بالجامعة،مما  سيمكن الحركات الاسلامية من  التواجد القوي داخل اطارات كانت محسوبة تاريخيا على اليسار. هذا التيار الذي يشتغل الان بادرع متعددة حتى وان لم يندمج في النسيج السياسي المخزني فانه في الواقع يبقى ،معاديا للديمقراطية وللفكر العقلاني ولقيم حقوق الانسان الكونية، ومعيقا للتطور والتحرر وتحرير الانسان من عقيدة التخلف. الا ان هذا الثيار بدأ منذ مدة يربط بين الحركية والجانب السياسي ضمن مشروع في الواقع مبني على نفس الخلفية الفكرية والاديولوجية للثيارات  الثلاث، مع اختلافات ليس في الاهداف الاستراتيجة الداعية للدولة الاسلامية، ولكن فقط في تكتيكات المرحلة ووضعه مقاربات لحد الساعة غير واضحة قد تجعله يقبل بالانخراط في صفوف اللعبة السياسية المرسومة من موقع المعارضة لشؤون التدبير والتسيير ، وليس عمق السلطة خاصة عدم منازعتها حول الدينية التي تحتكرها والتي لا يمكن تقاسمها لانها احد ركائز ديمومتها.هذا الثيار يتمتع بقدرة على الحشد والغموض السياسي ايضا ، ولا يمكن تجاهل تأثيره ووجوده في اية معادلة سياسية.

اما ما يسمى الاسلام السياسي فقد اصبح جزء كن السلطة واحد ادواتها لتمرير سياساتها ، بل اجتهد في تطبيق كل الاملاءات وتجاوز ذلك لان اصبح منظرا للعديد من الإجراءات والسياسات التراجعية الخطيرة.

هناك من يستغرب   حقا  قدرة الحركات الاسلامية على التطور والانغراس اكثر في المجتمع وان يصبح محركا للسياسة ،رغم عدم قابلية السلطة لذلك، والواقع ان السلطة ساهمت في نمو وتطور الحركة الاسلاموية ،عبر دعم الزوايا والحركة السلفية الدينية ، والجماعات التبليغية والدعوية ، وعدلت  المناهج والبرامج الدراسية والمقررات ، وانفتحت بشكل قوي على المشرق وسمحت للبترودولار بنشر الفكر الوهابي ، كما ان الدولة مارست الاضطهاد والقمع السياسي في حق القوى التقدمية، وعطلت امكانية التقدم نحو الديمقراطية ومجتمع الحقوق.

وبما ان نشر الفكر الديني المتطرف لقي ثربة مناسبة لاستنباثه  وبدعم خارجي ، توسع وانتشر تحت انظار السلطة، وبالتالي بدأ في التحول من الحقل الدعوي المعرفي الديني الى المجال السياسي ، فحتى ان تباينت بعض اختلافاته السياسية ،فان السند المرجعي والفكري والاديولوجي موحد وثابت ، مما جعل هذه الحركات متجانسة فكريا ومشروعها ايضا غير مختلف ،لكنها تختلف في التدبير وطريقة خوض الصراع وتقديرات كل مرحلة، ونعتقد ان المشروع الاسلامي التي تنشده وتعمل على تحقيقه لن يخرج على البناء الكلياني التيولتاري السائد في بعض المناطق، ولن يكون سوى مندمجا في المنظومة الرسمالية في الجانب الاقتصادي ،والخانق للحريات والحقوق والديمقراطية في الجانب  السياسي، كما انه باستثناء الاسلام الجهادي العنيف الذي قد يشكل خطرا على الاستقرار ويمس حياة الأبرياء، فان الدولة يبدو لا تستطيع تلجيم الفكر الدعوي التحريضي على الكراهية والميز ،مادام موجها خطالبه للعلمانيين واليساريين ولا يجادل في السلطة ومقوماتها بل يدعمها كما حدث في 2011 .

لقد مرت 17 سنة عن الاحداث الارهابية البشعة ليوم 16 ماي، اخلفت فيها الدولة موعدها مع التاريخ لبناء الديمقراطية  ومجتمع الحرية والكرامة والمساواة  والعدالة الاجتماعية، والانفتاح على الفكر النقدي واطلاق مجالات الابداع الحر، والقطع مع الريع والبيروقراطية الادارية، واعمال المحاسبة والمساءة واجتتاث الفساد،ولها مداخل لاجتثاث الارهاب من جذوره لان المقاربة الامنية والقضائية يمكنها الحد في فترات من الظاهرة الارهابية وتطويقها لاجل لكن لا يمكنها القضاء عليها.

كما ان القوى الديمقراطية اختارت الانعزالية واسقطت كل مطالبهاوشاريعها المجتمعية الطموحةللديمقراطية وارتهنت للمخزن وطروحاته واصطفت خلفه العديد من مكوناتها ، مما جعلها تصنف في دائرة السلطة ، كما انها ابتعدت عن التأطير والانغراس في المجتمع الى درجة ان الاجيال الصاعدة اصبحت تشكك في وجودها لانها غائبة عن الصراع وايحانا لعبت دور الكابح لنضالات الشعب. في حين استطاعت الحركة الاسلامية التطور والاستقطاب ليس بفضل قوتها ولكن بسبب ضعف وعدم قدرة البديل الديمقراطي على الاختراق والفعل.

هذا البديل الذي يجب ان يعيد النظر في العديد من المسلمات واليقينيات التي كانت تحكمه، وان ينخرط بقوة في صراع فكري ونظري عقلاني وواضح لمواجهة اطروحات القوى الاسلامية بعيدا عن التوفيقية والتلفيقية، وان يتبنى خطابا يعري التلاقح بين الفكر الرجعي سواء في السلطة اوخارجها. وسياسيا على القوى الديمقراطية ان تقر بضعفها الناتج عن تفريطها في النضال الجماهيري وفي مدى ابتعادها عن النظام السياسي القائم ، وقدرتها على طرح القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بجرأة وصدق والضغط لمعالجتها.

مواجهة الحركات الاسلامية باختصار تندرج صمن مشروع مجتمعي يستهدف مواجهة تقطع مع الفساد والاستبداد ، وينبني على الديمقراطية وحقوق الانسان الكونية والشاملة، وهذا لن يتم دون الاقرار بان الفساد والاستبداد بنية مرتبطة بطبيعة السلطة وداعمييها وحاميها، وان الحركة الاسلامية هي جزئ من هذه البنية الحاضنة للاستبداد على الاقل، وان مواجهتها بالعقلية التعايشية بدل الصدامية لن تجدي ،لان هذا المشروع النكوصي اصبح منتشرا وسط المجتمع وحتى داخل جزئ هام من نخبه الثقافية رغم الايهام بتراجعه السياسي للخلف،لاننا نعتقد فقط انه يعيش مرحلة كمون بفضل المناخ الدولي وتقاطباته وليس افولا كما يعتقد البعض.

عمر اربيب

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة