موسيقى الآلة بمدينة الرباط.. تراث عريق أنجب أقطابا لمعوا في سماء الفن

حرر بتاريخ من طرف

تعتبر مدينة الرباط معقلا مهما من معاقل الموسيقى الأندلسية المغربية، فقد أنجبت هذه الحاضرة في نطاق عطائها وإغنائها للموسيقى الأندلسية أعلاما وأقطابا وأساطين لمعوا في سماء هذا الفن الأصيل، واضطلعوا بأدوار طلائعية في مجال تواتره وتبليغه للأجيال الحالية وتلقين قواعده ومبادئه لمختلف الراغبين والمهتمين والمقبلين عليه.

ولقد كان لمدينة الرباط عطاء وفير ومتميز في المجال الفني الموسيقي التراثي من فنون المالوف والغرناطي والآلة، تنظيرا وممارسة، ويشار هنا إلى شيخ الجماعة ورائد المطربين في الرباط خلال القرن التاسع عشر. العلامة سيدي إبراهيم التادلي الذي ترك كتابا يعتبر عمدة في الآلة الأندلسية وطبوعها وأنغامها وشعرها “السيقا ومغاني الموسيقا”.

ومن الأسماء الرباطية في هذا المجال، ما أورده علامة الرباط الراحل عبد العزيز بنعبد الله، في أحد مباحثه، بعد أن قال “وكان أهل الرباط قد سجلوا موشحات وأزجال الآلة الأندلسية في وثائق خاصة يستحضرها حتى الهواة في أجواقهم، لأن الموسيقى والتغني بها اندرجت في أبرز عادات وتقاليد المجتمع الرباطي”، من أن “في طليعة علماء الرباط الذين أولعوا بالعزف على الرباب الشعبي (الكنبري) قاضي الرباط ووزير العدل في العهد اليوسفي محمد الروندة”، مضيفا أنه “كان من بين العوام رجالات أتقنوا الخمسة والخمسين مثل إبراهيم بن محمد الجزولي الرباطي”.

إن المتقدمين سنا من هواة الطرب الأندلسي المغربي يذكرون، من دون شك، رموز هذا الفن من الرباطيين، أو على الأقل قد سمعوا بأسماء بعض هؤلاء وهم كثر، والذين لم يتم التأريخ لهم، اللهم ما أفردهم به المرحوم الأستاذ عبد الله السويسي في مختصره عن تاريخ مدينة الرباط، والراحل الأديب المحقق عبد اللطيف بنمنصور في تحقيقه وترتيبه لمجموع “كناش الحايك”، وعاشق الفن والأدب الحاج عبد الله ملين، قيدوم مولعي الحاضرة الرباطية، في بحثه بعنوان “قدماء مطربي الموسيقى المغربية الأندلسية ورؤساء أجواقها كما عرفتهم”، والذي أحتفظ بنسخة منه في خزانتي أهداني إياه مؤلفه الراحل رحمه الله.

وإن من بين الأعلام من الفنانين الذين يسعد الرباطيون، وتسعد حاضرتهم بذكرهم، الفنان المرحوم التهامي بنعمر الذي شرق صيته وغرب، وكان في وقته بلبلا صداحا في الآلة الأندلسية وطرب الملحون والأنغام المبتكرة التي رسخت بالفعل الذاتية الرباطية أيام عطائه المتدفق خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين.

ولابد أن نستحضر في هذا المقام، ونتذكر، شيوخ الطرب لهذه الحاضرة، الخالدين الذين أفنوا عمرهم وأقبلوا بكليتهم في محبة هذا التراث الموسيقي محبة الصوفي الوجد، وبذلوا تضحيات جسيمة من أجل استمراره بعاصمة المملكة، وازدهاره وتكريس حضوره كفن راق يشكل أحد المظاهر الحضارية للشخصية المغربية.

ومن الجيل الأول من هؤلاء الأقطاب نذكر الحاج عبد السلام بنيوسف الزاعوق، نابغة آلة الطار، وخزان الأنغام والأشعار والأزجال الأندلسية، والمرجع الأمين لها، وسيدي أحمد الوزاني، سليل دار الوزانيين المولعين على الدوام برعاية فن موسيقى الآلة، والفقيه محمد السبيع، أستاذ الطرب الذي تخرجت على يديه أفواج من ذوي المواهب في العزف والأداء، والفنان محمد امبيركو الشهير ب”احبيبي امبيركو”، الذي كان صرحا شامخا في الموسيقى الأندلسية والغرناطية بالرباط، وجدي لوالدي امحمد بن الطيبي اكديرة، الذي كان من أمهر الحفاظ والعازفين على آلة الكمان في وقته، والمعلم أحمد بن المحجوب زنيبر الرباطي، الكمانجي البارع، وأستاذ الجيل، حفظا وعزفا، الذي انتدب لتعليم الأيتام بالملجأ الخيري بمدينة الدار البيضاء، ومحمد بلخدير وأحمد بناني.

وسوى هؤلاء الحاج المصطفى المعروفي، الشهير ب”اللوز”، الذي كان بارعا على آلتي العود والبانجو، والحافظ المختار الجراري لوديي، ومصطفى قريش وهو من الحفاظ وعازفي كمان الآلطو، والمعطي القرطبي، الحافظ والمتخصص في آلتي الطار والدربوكة، والحاج عبد السلام ملين، الذي كان نقره لآلة الطار لا يضاهى، أضف إلى ذلك الشيخ الحافظ الحاج الطيبي بن محمد بلكاهية، والمرحوم والدي الحاج عبد الكريم بن امحمد اكديرة، الذي كان فنانا مربيا وحافظا لنادر المستعملات ومتخصصا في آلة الكمان الألطو وأستاذا لطرب الآلة بمنشأة دار مولاي رشيد للموسيقى بالرباط، وكذا الأخوان عمر والصغير العوفير (على التوالي البيانو والهارب والتشيلو)، والحاجة غيثة بنت عمر العوفير، عازفة البيانو ضمن جوق الإذاعة الوطنية برئاسة العمدة مولاي أحمد الوكيلي، والعازف الماهر على آلة الرباب الحاج المصطفى المكناسي، والحاج المعطي بوطالب (الرباب والعود)، والمكي فرفرة (القانون) وأحمد الشافعي (العود)، والحسين بن المكي الحجام (الكمان المثلث)، والمعلم محمد سباطة وسيدي أحمد لزارو (كمان ألطو)، وقيدوم المولعين والهواة بالرباط الحاج محمد دينية.

إن أسماء أعلام الموسيقى الأندلسية المغربية بالرباط، وروادها وحفاظها ورواتها كثر لا يمكن الإحاطة بجميعهم، ولكن التاريخ لن ينسى واحدا منهم، ورائد هذا الفن بين الفنانين بالرباط، صاحب “الكواكب الدرية في مدح خير البرية”، و”تهذيب الأذواق في جيمية الشيخ الحراق”، و”نفحات العرف والذوق في مدح سيد الخلق”، الراحل عبد اللطيف بنمنصور، الحجة في المديح والسماع والآلة، والذي عني بهذه الفنون الثلاثة ضبطا وتحقيقا وأداء، واشتهر بتحقيقه لكناش الحايك الصادر سنة 1977. وكان يعهد إليه بإعداد برامج الأمداح التي تؤدى في الحضرة السلطانية في المناسبات الدينية، وللإشارة سيصدر قريبا مصنف عن حياة الراحل عبد اللطيف بنمنصور من إعداد وإنجاز مادح الجناب النبوي الشريف، الدكتور محمد التهامي الحراق، رئيس مؤسسة الذاكرين.

يضاف إلى هؤلاء الفنانين والأعمدة كبار الفنانين الذين عاشوا بمدينة الرباط وإن كانوا لم يتأصلوا عنها، ومن بينهم، على الخصوص، سيدي عمر الجعايدي وابنه الحافظ سيدي محمد الجعايدي، وعمدة الموسيقى الأندلسية المرحوم مولاي أحمد الوكيلي الحسني، الذي استقر بها سنة 1953 وتوفي بها سنة 1988.

فبالنسبة للراحل الكبير مولاي أحمد الوكيلي، الذي يشكل في الوقت نفسه امتداد جهويا ووطنيا للأداء الفاسي للصنعة الأندلسية، فقد ارتبط اسمه، رحمه ال،له بمدينة الرباط منذ سنة 1953 حينما تم استقدامه إليها لرئاسة جوق الإذاعة الوطنية، ولا يمكن الحديث عن هذا الهرم الفني الكبير في ورقة مقتضبة، ولكن أستحضر في هذا المقام أن جوقه كان يضم خيرة الممارسين الرباطيين لطرب الآلة، وقد أوردت أسماء بعضهم قبل قليل.

احتك مولاي أحمد الوكيلي، خلال تواجده بمنطقة شمال المملكة مدة عشر سنوات، بموسيقيين أكفاء، مغاربة وإسبان، كانوا على دراية كبيرة بالنظرية الموسيقية، فتشبع بالنمط العلمي الأكاديمي الذي حمله معه لدى ترؤسه جوق الإذاعة الوطنية منذ عام 1953، فانعكس ذلك على طريقة تصوره لهذه الموسيقى الأصيلة، وتمكن من تحقيق وبلوغ أمنية طالما راودته وتاقت نفسه إلى تجسيدها وهي إدخال ما كان يؤمن به من إصلاحات وتحسينات على موسيقى الآلة بقصد تطويرها والنهوض بمستوى أدائها عزفا وغناء.

أكتفي بالقول، جازما، إن مولاي أحمد الوكيلي يشكل لوحده مدرسة موسيقية أندلسية مغربية قائمة بذاتها، ومجددة في مجال موسيقى الآلة اتسمت بروح التجديد والتلاقح والتفاعل مع التجارب الأخرى، وبذلك تبقى مدرسته الفنية نموذجا تقتدي به الأجيال المقبلة، وقد بدأت ملامح هذا الاقتداء تتجلى في العديد من الأداءات الموسيقية الحالية.

ويمكن القول، بكل موضوعية وتجرد، إن الراحل مولاي أحمد الوكيلي يعتبر من أعظم وألمع الرجال الذين عرفتهم الموسيقى الأندلسية المغربية عبر تاريخها الطويل، ويعتبر أستاذ جيل كامل من الفنانين والهواة، وفضله على الموسيقى الأندلسية عظيم لا ينكره إلا جاحد.

أما الحافظ محمد الجعايدي، الذي انتقل مع والده سيدي عمر إلى مدينة الرباط عندما أصبح سنة 1927 رئيسا لجوق الآلة بالقصر الملكي، والذي يعتبر امتداد جهويا لمدرسة فاس، فقد ترك بصمة بل مدرسة قائمة لموسيقى الآلة بالرباط، وأصبح مرجعا من مراجع الآلة، ومعلما من كبار معلميها، ولم يكن يبخل عمن يقصده لتعلم نوبات وميازين هذه الموسيقى ببيته بتوراكة.

وظل الحافظ محمد الجعايدي مرجعا للمدرسة الجعايدية بالرباط، حيث كان بابه مفتوحا دوما لمن يطلب الصنائع والميازين النادرة، وبيته مدرسة وقبلة للمريدين والراغبين في التزود من معين هذا الفنان الأصيل رحمه الله، وقد كان يحتكم إليه أهل الفن كلما وقع بينهم خلاف حول مروياتها، وأهله ذلك لخلافة والده على رأس جوق الخمسة والخمسين والجوق الأندلسي التابع للقصر الملكي.

ولا يمكن إغفال الدور الذي اضطلعت به فرقة الخمسة والخمسين، التي أسسها، في بداية عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، في الحفاظ على الموسيقى الأندلسية سواء بالرباط أو في المغرب ككل.

وقذ جاء تأسيس هذه الفرقة في إطار اعتناء المغاربة بالموسيقى الأندلسية كتراث فني أصيل ورفيع، وذلك من خلال صيانتها والحفاظ عليها بتعاطيهم لها في المناسبات والأعياد والأفراح وتشكيل فرق موسيقية وأجواق إذاعية وجمعيات تعنى بممارستها وتلقينها للأجيال الصاعدة.

ومن المعلوم أن مجموعة الخمسة هي فرقة موسيقية نحاسية استعراضية متخصصة في أداء النوبات الأندلسية، وسميت على العدد 55 وهو حاصل إحدى عشرة نوبة مضروبة في الميازين الخمسة الأندلسية.

واعتمدت هذه الفرقة الموسيقية على الرواية الجعايدية للصنعة الأندلسية، وكانت تعتمد في محفوظاتها وأدائها على النوطة الموسيقية، ما شكل لبنات أولى للمبادرات التي جاءت فيما بعد لتوثيق الموسيقى الأندلسية بالنظرية العلمية أي الصولفيج.

وبخصوص هذه الفرقة، قال العلامة الرباطي عبد العزيز بنعبد الله “ولعل أبرز ظاهرة برباط الفتح وجود جوقة الخمسة والخمسين بالقصر الملكي تعزف على مزامير نحاسية في أزيائها الأندلسية الزاهية وهي (الجابادولي) واللونين الأخضر والأحمر تيمنا بلوني الراية المغربية”.

ومن الحفاظ المتأخرين الأستاذ الحاج محمد عبد اللطيف الزكي، أمد الله في عمره، والذي تربى في أحضان بيت عرف بالعلم والموسيقى، وهو خزانة متحركة من الطرب الأندلسي ومن الحفاظ القلائل الذين يحفظون الإحدى عشر نوبة بغريبها وواردها.

ولا يزال عمل وجهد الفنان الحاج محمد الزكي متواصلا من أجل ترسيخ واستمرارية تراث الموسيقى الأندلسية المغربية والمحافظة عليه بمدينة الرباط، إذ يعتبر حاليا إحدى المراجع المهمة في تواتر وتوثيق هذا التراث العريق سواء على المستوى المحلي أو الوطني.

ويحرص الأستاذ الحاج محمد الزكي على جعل منزله (يقع وسط العاصمة بحي ديور الجامع) مدرسة وقبلة للمريدين والراغبين في التزود من معين هذا الفنان الأصيل.

ومن الجيل الحالي هناك عبيد ربه إدريس بن عبد الكريم اكديرة، أستاذ سابق لطرب الآلة بمعهد مولاي رشيد بالرباط والرئيس الحالي لجوق الرباط لموسيقى الآلة، والفنان محمد أمين الدبي، رئيس جوق أندلسي يحمل اسمه، والحافظ الفنان خالد العوفير، عازف البيانو القدير والماهر، والذي إضافة إلى حفظه لمستعملات موسيقى الآلة فإنه يعد من كبار حفظة المتن الغنائي والشعري للمديح النبوي والسماع الصوفي.

ويعتبر جوق الرباط الأصيل لطرب الآلة، الذي يترأسه حاليا الحافظ الحاج محمد الزكي من الأجواق المغربية العتيدة، وقد أسس هذا الجوق في عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، وتناوب على رئاسته كل من المصطفى المعروفي وعبد السلام الزاعوق والفقيه محمد السبيع والطيب بلكاهية والحاج عبد السلام ملين والحاج عبد الكريم اكديرة رحمهم الله جميعا.

وفي مجال التأليف والبحث، تجدر الإشارة إلى كتاب “السيقا ومغاني الموسيقى” أو “الارتقا إلى علوم الموسيقى”، الذي ألفه شيخ الرباط سيدي إبراهيم التادلي المتوفى عام 1311 هجرية، والذي أشرف على تحقيقه ونفض الغبار عنه، مؤخرا، الأستاذ عبد العزيز بن عبد الجليل، والذي يعد من المصادر العلمية الموثوقة في الاطلاع على وضعية الموسيقى الأندلسية علما وممارسة، وهناك أيضا مصنف للعالم الصوفي فتح الله بن أبي بكر بناني تحت عنوان “تسلية الأتباع ببعض ما يتعلق بحكم الطرب والسماع”.

وهناك “مجموع أزجال وتواشيح وأشعار الموسيقى الأندلسية المغربية المعروف بالحايك” الذي صدر سنة 1977، وهو من إعداد وتنسيق وترتيب وتحقيق الراحل عبد اللطيف بنمنصور، ويتميز هذا المجموع باحتوائه على الكثير من القصائد والبراول التي يستعملها أهل السماع بالإضافة إلى الصنائع التي يتداولها الآليون.

أما تصانيف ومؤلفات العميد عباس الجراري حول الموسيقى الأندلسية فهي كثيرة، من بينها كتابه الصادر سنة 1982 تحت عنوان “أثر الأندلس على أوروبا في مجال النغم والإيقاع”، الذي تمت ترجمته إلى اللغة الإسبانية، وكتابه تحت عنوان “النغم المطرب بين الأندلس والمغرب”، علاوة على العديد من المقالات أهمها “المكونات البنائية للموسيقى الأندلسية”، وقبله والده العلامة عبد الله الجراري ومن بين مصنفاته في هذا المجال “الموسيقى عبر التاريخ” و”الموسيقى الأندلسية والشباب”.

ومن بين هذه التأليفات أيضا “مجموع الأغاني الموسيقية الأندلسية” الذي نشر سنة 1935 وهو للفقيه المكي امبيركو، وهذا المجموع غير كامل إذ لا يشتمل إلا على ست نوبات فقط، وكتاب “الموسيقى الأندلسية من خلال مسيرة الفنان مولاي أحمد الوكيلي” للأستاذ حاتم الوكيلي، وقد صدر سنة 1999 وأعاد نشره في حلة مزيدة ومنقحة سنة 2013، و”أضواء على الموسيقى المغربية” لعازف القانون الماهر الراحل الأستاذ صالح الشرقي. وقد صدر سنة 1977، ومصنف “للنغم رسالة” للأستاذ مصطفى بنريسول، و”قدماء مطربي الموسيقى المغربية الأندلسية ورؤساء أجواقها كما عرفتهم” للراحل عبد الله ملين وقد أشرت إليه سابقا.

وفي الجانب التربوي والتعليمي، فإن معهد دار مولاي رشيد للموسيقى الأندلسية، القائم في الدرب الذي عرف منذ عشرات السنين باسم درب مولاي رشيد داخل المدينة العتيقة غير بعيد عن شارع سيدي فاتح وحومة تحت الحمام، يعتبر منشأة تعليمية ما تزال رغم قدمها تنبض بالحيوية والنشاط منذ العشرينيات، ومؤسسة موسيقية رائدة ليس فقط من حيث حفاظه منذ تأسيسه سنة 1929 على تراث أصيل وإبداع حضاري جميل بل كذلك لكون غدا منبتا للفنانين تخرج منه العديد من الأساتذة الأجلاء الذين عملوا على إغناء الفن المغربي، يضاف إليه المعهد الوطني للموسيقى والرقص الذي يدرج ضمن مواده تدريس الموسيقى الأندلسية حفظا وعزفا.

وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الثقافة، ممثلة بمديريتها لجهة الرباط سلا القنيطرة، دأبت منذ حوالي سبع سنوات على تنظيم مهرجان جهوي لموسيقى الآلة من أجل إتاحة الفرصة للأجواق الجهوية للالتقاء بعشاق هذا التراث الأصيل، وإبراز المواهب الشابة في هذا المجال. ولا أدري السبب الذي جعل الجهة المنظمة تحجب هذا المهرجان من أجندتها، وقد كنت وجهت، عبر موقع للتواصل الاجتماعي، طلبا رسميا لوزير الثقافة السابق في هذا الشأن، دون أن أتلقى جوابا ولا تفهما أو حتى توضيحا.

وعلى غرار حواضر مغربية أخرى، كانت تقام بمدينة الرباط نوادي للموسيقى الأندلسية وجلسات فنية وعشايا الطرب من طرف بعض الأفاضل من الرباطيين المولعين بطرب الآلة، أمثال الفقيه العدل محمد البطاوري كل يوم أحد، وقيدوم المولعين الحاج محمد دينية في الأعياد الدينية، وسيدي الحسن الكتاني كل يوم أربعاء، ونادي صالح الحكماوي، والمكي امبيركو، وإبراهيم التادلي، والحسين بن المكي الحجام، ومحمد السباعي، وعبد الله الجراري، وعبد الله ملين، والفقيه المرسي بناني، حيث كانت هذه المواعيد الفنية تجمع خيرة الحافظين والعازفين والمنشدين وتدار فيها من الصنائع غريبها ونادرها، إضافة إلى تخصيص حيز للجانب العلمي والمباحث الأدبية والفنية الموسيقية الصرفة، وقد خصص أستاذنا مصطفى الجوهري مقالا لهذا الموضوع يمكن الرجوع إليه وهو تحت عنوان “ظاهرة الأندية الأدبية بالمغرب .. أندية الموسيقى الأندلسية بمدينة الرباط نموذجا”..

في المجال الجمعوي، شهدت مدينة الرباط، على مر العصور، ميلاد وتأسيس العديد من الجمعيات التي تعنى بالموسيقى الأندلسية، من بينها جمعية هواة الموسيقى الأندلسية المغربية، التي كان يترأسها الراحل عبد العزيز بنجلون، وجمعية الأصالة لفني المديح النبوي وموسيقى الآلة، التي يترأسها الأخ محسن نورش، والتي تعنى في جانب منها بموسيقى الآلة الأندلسية، وكذا جمعية رباط الفتح للتنمية المستديمة، التي تخصص جزءا من نشاطها واهتمامها لهذا الفن العريق.

في ختام هذه الورقة المتواضعة، أذكر بأن الاحتفاء بالموسيقى الأندلسية والعناية بها، كتراث غير مادي، سواء في مدينة الرباط أو في حواضر مغربية أخرى، من حيث هي فن أصيل متجدر في العمق الحضاري لبلادنا، يعد تجسيدا لإمداد مختلف تجليات الثقافة الوطنية بآليات الصون والإنماء، وضمان انتقالها بين الأجيال بالقدر الممكن من الوفاء للأصول والانفتاح على بصمات وإضافات الأجيال المتعاقبة، وتلكم هي روح التراكم البَنَّاء الذي يعد ضروريا في كل عمل ينشد الرسوخ والاستدامة، كما أنه تجلٍ من تجليات مفهوم الثقافة نفسها والتي تخضع لحركة مسترسلة قائمة على رفض التافه والهش وجذب الصالح والمتين.

ورقة من إعداد : إدريس بن عبد الكريم اكديرة
رئيس جوق الرباط لموسيقى الآلة
الباحث في التراث الموسيقي الأندلسي والمغربي
الصحافي بوكالة المغرب العربي للأنباء

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة