قضية إغلاق ضريح بويا عمر

حرر بتاريخ من طرف

ضريح بويا عمر، أو ما يمكن أن نطلق عليه قطب التصوف الجنوني في المغرب العميق الذي يختلط فيه الريع الديني بالبؤس الاجتماعي، بالخطوط الحمراء السياسية بالجن والعفاريت والمرض العقلي أو معتقل غونتاناموا المرضى العقليين والمصابين بالصرع في المغرب، كما أطلقت عليه بعض الجمعيات الحقوقية المهتمة بمحاربة الاعتقال القسري لمئات المرضى بهذا الضريح، تحت حجة العلاج وطرد الجن والعفاريت من أجساد المتلبسين به والمصابين بالصرع و كذلك المصابين بالضعف العقلي بسبب الإدمان على تعاطي المخدرات. 

 

حيث يقوم أشخاص معينون، تحت مسمى شرفاء وحفدة الولي الصالح، المتواجد بجماعة العطاوية بإقليم قلعة السراغنة، باستغلال حالة المرض العقلي والعصبي لعدد من المرضى، الذين لفظتهم المنظومة الصحية المغربية البئيسة واستغلال البؤس الاجتماعي والجهل والخرافة في القيام باستغفال الناس والضحك على ذقونهم وسلبهم أموالهم بالباطل والعدوان بتكبيل مريضهم ووضع الأغلال في عنقه ويديه ورجليه وحبسه في مكان مظلم ورمي المفتاح بحجة أن الأولياء والشرفاء وأصحاب الحال سيخلصون ذلك المسكين عندما يشفى، وسيقومون بفك أغلاله وإطلاق سراحه من معتقلات الجن والعفاريت اللامرئية …
 
إلا أن ما يحدث في الواقع، هو أن ذلك المريض أو المصاب بالجنون أو الصرع يبقى هناك لسنوات طوال يعاني من الضرب والتجويع والإهانة، من قبل من يدعون أنهم شرفاء و قيمين على الضريح، وآخرين استغلوا البنايات والدور المحيطة بالضريح لممارسة نوع من التجارة بالماسي وبالخرافات والمعاناة الإنسانية، وذلك يتحويل مساكنهم إلى معتقلات وسجون للمرضى، مادام أهله يدفعون ويقدمون الزيارات فإذا انقطع أهله عن الدفع وعن زيارته تم الدفع به إلى الشارع والخلاء ليتيه و يتشرد. 

 

أما الطامة الكبرى، هي أن هذا النوع من الإجرام، الذي يعاقب عليه القانون الجنائي، نجد اليوم مجموعة من الدجالين المساهمين في تكريسه بأسماء شتى يدافعون عنه باعتباره تصوفاً و عادات و أعرافاً وممارسة شعبية أو تقليدية، تدخل في إطار التدين الشعبي، الذي يجب المحافظة عليه وحمايته من المتطرفين والمتشددين والسلفيين، الذي يحاربونه ومن بين هؤلاء …
 
أشخاص كانوا يعتبرون أنفسهم إلى عهد قريب، مناضلين ضد الخرافات والشعوذة والدجل، باسم الحداثة والعلمانية وغيرها من التدليسات المزيفة، بحجة محاربة المد الحركي الإسلامي الذي يناقض في أدبياته هذا النوع من الممارسات المنسوبة زورا وبهتانا إلى الدين و إلى التصوف . 

 

حكاية ضريح بويا عمر، لا تنتهي عند هذا الحد بل إن لها أبعادا سياسية وخلفيات أخرى غير مصرح بها وهي جد خطيرة لمن يعتقد أن هناك قانون ومعايير حقوقية تحكم تسيير الدولة وتحدد أولوياتها، فقبل سنة تقريبا كان وزير الصحة “الحسين الوردي” قد وعد بإغلاق ضريح “بويا عمر” بعد أن قدمت الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان تقريرا حقوقيا إلى وفد دولي يتعلق بالاعتقال القسري والتعذيب، بشان وضعية مئات الأشخاص بضريح بويا عمر، لكن منذ ذلك الوقت لم يحدث أي شيء، وصرح الوزير بان أمر إغلاق ضريح بويا عمر ليس بيده ولا بيد الحكومة. 

 

ونستحضر في هذا الباب هنا رأي “زكريا الريحاني” أستاذ علم الاجتماع المغربي في تصريح سابق له لموقع هسبريس يقول فيه بأنه “ليس في مقدور وزارة الصحة المغربية إغلاق بويا عمر لأنه يخدم أهدافا سياسية، حيث إن دعم مثل هذه الأماكن وتلك المعتقدات يدخل في باب تعزيز الشرعية السياسية للملكية القائمة بدورها على الشرعية الدينية” 

 

الحقيقة هي أن من يستمع إلى هذا الكلام سيعتقد بأن المغاربة محكومون بالجن والعفاريت والخرافات، و ليس بدستور وقانون ومؤسسات تشريعية وتنفيذية محددة الاختصاص، وأن الشرعية الدينية التي يتشدق بها المنظرون لتدبير الحقل الديني للمغرب، والتي يسندون إليها كل التصرفات والإعمال الفوق دستورية لا تمر إلا عبر هذه الخرافات لا عبر المؤسسات الدستورية والعلمية والسياسية التي يؤطرها القانون ويحدد التزاماتها طبيعة ممارستها. 

 

إن ما يفهم من هذا الكلام ودون تأويل، هو أن المؤسسات العمومية هي مجرد مؤسسات صورية لا تمتلك سلطة اتخاذ القرار و أن القرار يتخذ خارج الإطار الدستوري وفق رؤى لا تلتزم بالمبادئ التي سطرها الدستور الجديد فيما يتعلق بسيادة دولة الحق والقانون وربط المسؤولية بالمحاسبة و توزيع الاختصاصات و طبيعة الوظيفة الحكومية و الوزارية . 

 

بل ودون أن نخوض في النقاش العقدي والديني و كل ما يمكننا إنكاره من تصرفات و أعمال تجري بذلك الضريح من نواقض الدين والإيمان باعتبار أن هذا الأمر هو من مهام العلماء الأجلاء البررة المنوطة بهم مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذين يمثلهم المجلس العلمي الأعلى…لنا أن نتساءل أين المجلس العلمي الأعلى باعتباره مؤسسة شرعية دستورية و أين فتاواه العظيمة وأين اختصاصاته التي تنبع من مقتضى الفصل 41 من الدستور المغربي الجديد ( …ويعتبر المجلس الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى التي تعتمد رسميا، في شأن المسائل المحالة إليه، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، ومقاصده السمحة…) 

 

لماذا لم يتم إحالة المسالة عليه بعد أن عجز وزير الصحة عن اتخاذ اللازم مادام أن المسالة لها علاقة بالحقل الديني و لماذا لم يقم بالعمل على تطبيق وإقرار مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، ومقاصده السمحة في محاربة الشعوذة والاعتداء على سلامة الناس و صحتهم و حرياتهم . 

 

و أين مؤسسة القضاء و أين دور النيابة العامة المعنية بتحريك الدعاوى العمومية و التحقيق في جرائم احتجاز الأشخاص و اعتقالهم دون موجب قانوني مادام الأمر يتعلق بممارسات إجرامية حسب مقتضيات الفصل 436 من القانون الجنائي الذي ينص على ( يعاقب بالحبس من خمس إلى عشر سنوات كل من يختطف شخصا أو يقبض عليه أو يحبسه أو يحجزه دون أمر السلطات المختصة وفي غير الحالات التي يجيز فيها القانون أو يوجب ضبط الأشخاص…) 

 

إن قضية مثل قضية إغلاق ضريح بويا عمر يتداخل فيها الدجل والشعوذة بانتهاك الحقوق الإنسانية و سيادة القانون تكشف بالملموس عن مدى الانفصام الذي يعرفه الحقل السياسي و البناء القانوني في المغرب خاصة عندما يصبح القانون متجاوزا بسبب تفسيرات واهية لا تنطبق لا مع الدين ولا مع الشرعية الدينية ولا مع الوظيفة التي تتولاها إمارة المؤمنين في حماية بيضة الدين مع كل هذا الإجرام الذي يمارسه بعض الأشخاص باسم الصلاح و الولاية و مع كل الاستغلال الذي يمارسه هؤلاء في ظل غياب مقاربة علاجية وحقوقية تدل عن اهتراء المنظومة الصحية المغربية و تأكلها مما يعرض فئة من المرضى لكل أنواع الاستغلال و التهميش و المعاناة فان لم توجد ببويا عمر وجدت بالشوارع و الأزقة والساحات.

قضية إغلاق ضريح بويا عمر

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة