عادل أيت بوعزة يكتب: حرية “صوفيا”، بين الفضاء العام و الفضاء الخاص

حرر بتاريخ من طرف

يقصد بالحريات الفردية ، تلك الحريات التي تثبت للفرد بوصفه فردا و يكون التمتع بها دون إشراك الغير كحرية الإعتقاد و حرية الرأي و التنقل و غيرها ، و قد إعترفت المرجعيات الدينية و الفلسفية و الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان بالحريات بإعتبارها لصيقة بالإنسان و ترتبط ممارستها بالقيام بالمسؤولية و تخضع لضوابط و حدود ينبغي إحترامها خصوصا عند الممارسة .

و يرجع دفاعنا عن الحريات الفردية ، بسبب إيماننا بعدة مرجعيات أهمها المرجعية الدينية الإسلامية ، بحيث جعل الله عز و جل الحرية أساس الإيمان به ، و يتضح ذلك من قصة خلق ادم عليه السلام ، حيث خير الله تعالى الإنس و الجن و الكائن الإبليسي بحرية التصرف سلباً و إيجاباً ، إلتزاماً و امتناعاً ، كما ان الله تعالى لم يحجر على إبليس في التعبير عن الموقف و المجادلة بشأنه و أمهل جزاؤه الى يوم الدين ، و هكذا جعل الله تعالى الحرية أساس الإرادة التي يتحقق بها الإيمان مصداقاً لقوله تعالى : “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ” سورة الكهف ، الأية 29 .

أما المرجعية الثانية فهي المنظومة الدولية لحقوق الانسان و التي جعلت مبدأ الحرية قيمة عليا و ذلك كما جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية و السياسية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، و كذا اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة و اتفاقية حقوق الطفل و اتفاقية الاشخاص ذوي الإعاقة و غيرها من المرجعيات، دون الوقوف على المواد الموضحة .

غير أن الدفاع عن الحريات الفردية لا يستقيم دون الحديث عن تلازم الحرية و المسؤولية ، و ذلك ليس من باب الترف الفكري بل من اجل تسليط الضوء على ما قد تنتج عنه الحرية المطلقة من خراب و فوضى في المجتمع و لهذا إقتضى الحال تنزيل الديانات و وضع الشرائع و القوانين لتحديد ضوابط السلوك المدني و تنظيم الحريات و تبيان الحقوق و الواجبات ، فعلى الرغم من أن الحرية هي الاصل فلا يستوي ذلك حتى ينضبط فيها مزيان الحرية و المسؤولية و إقتران إحقاق الحقوق بالقيام بالواجبات.

و هنا إختلفت الامم و الدول و التشبيكات بشأن هامش و نطاق ممارسة الحرية بين امم تضيق عليها و بين امم موسعة فيها و امم اخرى بين هذا و ذاك ، لكن الواضح أن كل الامم وضعت حدودا لممارسة الحرية وفقا لمنظوماتها المرجعية القيمية و في إطار شرعي ينظمه القانون ، و ذلك من اجل ضبط العلاقات و العيش المشترك في الفضاءات العامة .

و إذا كانت المنظومة المرجعية لحقوق الانسان قد إعترفت بمبدأ الحرية كقيمة انسانية مشتركة فإنها أقرت ايضا بالاختلافات القيمية و دعت الى حمايتها و الحفاظ عليها بإعتبارها جزء من حقوق الإنسان ، لذلك فإن جعل ممارسة الأفراد لحرياتهم يخضع للقيود التي يقرها القانون ، و على سبيل الذكر فإن المغرب قرر الحجر على كافة المواطنين و هو ما يتعارض مع حرية التنقل المنصوص عليها في الدستور و في المواثق الدولية لحقوق الإنسان خصوصا المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، غير أن هذا القرار يبرره حماية حق المجتمع و الحق في الحياة و المصلحة العامة و ضمان العيش المشترك ، حيث تهدد حرية التنقل بشكل كامل الحقوق العامة للمواطنين و لو بشكل استثنائي و مؤقت .

و هنا اقف و ارجع إلى عنوان الموضوع ، حيث تواصل او يواصل المدعو ” صوفيا طالوني ” او ” نوفل ” ، إستغلال الحق في التعبير و الفهم الخاطئ للحريات الفردية ، و ذلك من اجل نشر الإيباحية و الخلاعة و الكلام الساقط في المجتمع المغربي عبر الوسائل المتاحة له من شبكات التواصل الإجتماعي ” انستجرام ” و ” سناب شات” ، و حيث ان البعض يعتبر ان هذا النشر يخضع لحماية التعبير ، فإنه هذه الحرية مقننة في المادة 19 للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية ، حيث نصت الفقرة الثانية من المادة على إخضاع هذه الحرية لبعض القيود لاحترام حقوق الاخرين و سمعتهم و حماية الأمن القومي و النظام العام و الصحة العامة و الاداب العامة ، و هكذا فإن المدعو ” صوفيا ” يساهم من خلال ما يقوم به ضرب سمعة الاخرين و التشهير بهم و كذلك يزعزع الاداب العامة و هو ما يخالف مضامين المواثيق الدولية لحقوق الإنسان كما أشرت إليها .

علاوة على ذلك فإن إعتراف بعض الدول بالمثلية الجنسية على قلتها ، يوازيه في المقابل رفضها لتعدد الزوجات على سبيل المثال على الرغم من أن هذه العلاقات هي بدورها علاقات رضائية ، كما ان المواثق الدولية لا تعترف إلا بالعلاقات بين الرجل و المرأة كما جاء في المادة 16 من الإعلان العالي لحقوق الانسان و المادة 23 من العهد الدولي لحقوق الانسان كما ان الدستور المغربي قام على هذا النهج حيث نص الفصل 32 على أن الأسرة القائمة على زواج شرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع … الخ .

هكذا نلاحظ أن الدفاع عن الحريات الفردية لا يوازيه أبدا الدفاع عن هذه النماذج التي تسيئ لكرامة المغاربة و سمعة المغربيات خصوصا عند الحديث عنهم في المجامع الخليجية ، بل إن ما يقوم به أو تقوم به ” صوفيا ” يهدد الفضاء العام و يعتبر جرماً تعاقب عليه القوانين الدولية و الوطنية .

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة