رمضانيات : حرفة الحرارين أو المجادلية

حرر بتاريخ من طرف

رمضانيات : حرفة الحرارين أو المجادلية

 

تحولت المنطقة المحاذية لضريح أبي العباس السبتي” لمجادلية” إلى حي سكني واهتمت بعض دكاكينها القليلة بمهن أخرى بعضها يرتبط بزيارة الضريح، أما سوق الحرارين فقد غزته العديد من أنواع التجارة المرتبطة بالسياحة.

المجدول هو ذلك المنتوج المحبك من خيوط حريرية ومعدنية ذهبية تزين بها النساء ملابسهن التقليدية المخيطة والخص بالمناسبات والأعياد. ويعود أصل هذه الحرقة إلى الشرق وقد ازدهر في بلاد الأندلس. ومنها دخلت بعض المدن التاريخية كفاس ومراكش وهي من الحرف التي اختص بها اليهود وقد عرفت إقبالا وشهرة من طرف الرجال والنساء مما جعل ممارستها كإرث يؤخذ عن الأسلاف والأجداد حيث كان عدد الصناع بمراكش يفوق 41 صانعا قبل أن يتقلص هذا العدد إلى ثلاثة صناع يعتمدون على رأسمال ضعيف دون تفكير في التوجه إلى ممول آخر بشروطه القانونية المعقدة بالإضافة إلى أن تجارة المجدول تعتمد على المناسبات.
 

ومن أهم المواد الأولية المستعملة في صناعة المجدول هناك الخيط الشبه حريري والمصنوع من مادة “السبليلوز” ويسمى الصابرا وناذرا ما تستعمل خيوط حريرية أصيلة أو ذهبية لارتفاع تكلفتها ليتم اقتناء”الصابرا” محليا وبكمية قليلة لا تتعدى في الغالب3 أو4 كلغ بألوان مختلفة. وقد يستعصى أحيانا الحصول على لون معين لأن عملية الصباغة الجيدة تتم بالخارج مما يجعل أثمانها ترتفع باستمرار حيث تضاعفت خلال 5 سنوات من 70 إلى 120درهما للكلغ ورغم ذلك يستحيل خزنها لأنها تتأثر بالرطوبة مما يؤثر على لونها وجودتها.وذكر أحد الصناع: ” أن تجارة المجدول تعاني من منافسة مواد بخسة الثمن مما أدى إلى انخفاض ثمن الانتاج الجيد والذي يعاني كذلك من السيولة البطيئة ويغلب على إنتاجها طلب الزبناء حسب ذوقهم” ولعل الفرق الذي يعرفه ثمن المجدول من10إلى150درهما دليل على اختلاف الجودة إلاّ أن هذه التجارة يغلب  طابع المحلية لارتباطها بالزي التقليدي كما أنها لا تثير انتباه السياح الأجانب مما أثر على رواجها.

و حسب أحد “لمعلمين ” فأن هذه الحرفة ترجع إلى زمن الخليفة هارون الرشيد الذي كان يتقنها.
 

تقول الحكاية أنه كان في رحلة صيد بضواحي بغداد فقبض عليه قطاع طرق و هم له منكرون فأخذوه إلى وكرهم. و لكي يحافظ على حياته عرض عليهم أن يصنع لهم منسوجات حريرية يبيعونها بأغلى الأثمان في سوق المدينة فقبلوا ذلك. و لأن مصنوعاته كانت تحمل توقيعه تعرف عليها وزيره حين اشتراها من أحد اللصوص فقبض عليه و دل الجنود على مكان الخليفة المختطف. و بعد أن تم إنقاذه قال ممتنا “الصنعة إذا ما غنات تستر، وقيل تزيد في العمر” أي ” أتقن حرفة تكن مصدر غناك أو، على الأقل، تغطي متطلباتك الضرورية و لربما تكون سببا في إطالة عمرك.”
 

يقول لمعلم (م ) راوية عن أبيه إن الحرفة كانت في الماضي مزدهرة و منظمة بأمين يجيز المعلمين حتى يتمكنوا من الاستقلال بمحترفاتهم و يقيمون  منتوجاتهم.
 

قديما كان الحرار يشتغل على خيوط الحرير الطبيعي و خيوط “الصقلي”، و هي خيوط فضية مغطاة بطبقة من ماء الذهب، كانت تستورد من أوروبا.  حاليا يشتغل الحرار بخيوط السابرة (ذات أصل طبيعي من شجرة تحمل هذا الاسم) و خيوط النايلون و الصقلي الاصطناعي، و هي خيوط من البولييستير لها بريق ذهبي مصطنع، و الخيط الصوفية لصنع منتوجات تستعمل في البادية الأمازيغية. البريبرة و هي ناعورة صغيرة يركب عليها خلخال الخيط الذي يراد فتله. مقص لتحديد أبعاد الخيوط المراد فتلها ،أو التي انتهي من فتلها ،حسب مقاسات المنتوج المراد صنعه. الإبرة (المفتاحة) لتثبيت العقد و تجميع الجدائل المفتولة. قديما كان الحرار يصنع مجادل )أو جدائل) حريرية يختلف سمكها و طولها وشكلها الخارجي حسب استعمالاتها. و كانت لها وظائف متعددة :
 

لجام للخيول

حامل الخنجر، حامل السيف

حامل الشكارة (حقيبة تقليدية يحملها الرجال على الكتف و تأخذ مكانها على جنبه تحث الجلابة)

مجدول يحمل عقد السبحة

حامل ساعة الطوق

حامل العكاز

مجدول يحمل عقد “مدجة الجواهر”
 

“التخمال” و هو مجدول تجمع به أكمام القفطان كان الحرار يصنع كذلك شوشات للتزيين تثبت في مؤخرة اقباب جلابيب النساء و سلاهيم الرجال و شوشات أخرى تزين ألجمة الخيول.

حديثا صنع الحرار من خيوط طبيعية كالسبرة أو اصطناعية كالنايلون و الصقلي منتجات مختلفة :
 

أحزمة نسائية

المضمة و هي مجموعة جدائل دقيقة متوازية تثبت على قطعة جلدية أو بلاستيكية، مغلفة بقماش في لون الجدائل، لها عرض الحزام و تلبس فوق القفطان أو “الدفينة”.

مجدول ستائر النوافذ، يثبت في الحائط و يستعمل لتجميع أطرافها

مدجة عصرية

خلخال

خلخال للمعصم (bracelet)

حلقات لتزيين الأذن

مجدول لتعيين صفحات كتاب (marque page)
 

وتيم التصنيع بعملية التسدية أي تهيئ  خيوط السدى. يضع الصانع خلخال الخيط على ناعورة صغيرة تسمى “البريبرة” ويبدأ في عزل عدد من الخيوط  حسب طول و سمك المجدول الذي يرغب في تهيئته. ينفذ الصانع هذه العملية إما داخل محترفه مستعملا ركبتيه كإطار يدير حولهما الخيوط المنتقاة كما يمكن أن يقوم بها خارجه مستعملا مسمارين يتبثهما في حائط على نفس الارتفاع يكون أحدهما الطرف الأول للخيوط و الثاني طرفها الآخر. بعد ذلك يمر الصانع إلى عملية الفتل حيث يقوم بفتل خيوط السدى ليهيئ منها جديلة أولية يقطعها حسب مقاسات المنتوج المطلوب. تأتي بعد ذلك عملية الظفير حيث تأخذ الجدائل الجزئية، التي نتجت عن تقطيع الجديلة الأولية، فتظفر للحصول على مجدول مركب. بعدها يعمد الصانع إلى إبرة و خيط فيجمع رؤوس الجدائل في شكل شوشة.  و ينهي بعملية تسمى “التقواس” أو “التعصاب” حيث يزوق العقدة التي تجمع الشوشة بخيط غليظ. قل المجادلية الحقيقيون بسبب عدم تنظيم الحرفة وغياب مؤسسة الأمين.

أصبح تجار السابرة يتحكمون في السوق و ذلك باستخدامهم النساء لصناعة المجادل في بيوتهن بأجرة زهيدة. و إذا كان هذا الاستخدام قد ساعد في التعريف بالمنتوج و توفيره في سوق تطلبه إلا أن مواصفات المنتوج ليست جيدة؛ و هو أمر يغيب عموما عن المستهلك الذي ليست له ثقافة جمالية مناسبة لإدراك ذلك.  التاجر يشتري كميات كبيرة من السابرة بثمن أقل و يشغل النساء بأجور محدودة و النتيجة أنه يقدم للسوق منتوجات بمواصفات جودة ضعيفة و لكن بأثمان تنافس بشدة أثمان منتوجات الحرار الحقيقي. ويشهد القطاع مشكلا آخر يتجلى في قلة جودة المادة الأولية، السابرة التي تستورد من الخارج. فالمعروف أنها ذات أصل نباتي، تستخرج من نبات السابرة إلا أن الحرفيين يقفون أحيانا على عينات مخلوطة بالنايلون، ينعتونها ب “المنيلة”، يصعب فتلها و تكون المنتوجات المصنوعة منها قليلة الجودة. و يؤكد المعلم محسن أن ضمان مستقبل أفضل للحرفة يتطلب إنشاء تعاونية لتطويرها و إحياء مؤِسسة الأمين لتنظيمها و ضبط أمورها.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة